أزمة المحامين ووزارة العدل بالمغرب.. المعركة متواصلة حول قانون مثير للجدل
11 يوليو 2026
دخلت العلاقة بين جمعية هيئات المحامين ووزارة العدل بالمغرب مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما قررت الهيئات المهنية لأصحاب البدل السوداء خوض إضراب مفتوح عن العمل بجميع محاكم المملكة، احتجاجًا على مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، معتبرةً أنه يمس باستقلالية المهنة ويقوض الضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة.
ولا يُنظر إلى هذا التصعيد باعتباره خلافًا مهنيًا حول نص قانوني فحسب، بل باعتباره مؤشرًا على أزمة ثقة بين أحد أهم مكونات منظومة العدالة والسلطة الحكومية المكلفة بالإصلاح التشريعي، في وقت يراهن فيه المغرب على تحديث القضاء وتعزيز نجاعته.
دفاع عن استقلالية المهنة
احتشد مئات المحامين، يوم الثلاثاء 30 حزيران/يونيو المنصرم، أمام مبنى البرلمان في الرباط، مؤكدين تمسكهم بسحب مشروع القانون بصيغته الحالية، ورفضهم مواصلة مساره التشريعي قبل فتح حوار جديد يفضي إلى صيغة توافقية.
وأكد رئيس جمعية هيئات المحامين، الحسين الزياني، أن مشروع القانون يتضمن مقتضيات من شأنها الحد من استقلالية المؤسسات المهنية، بما يتعارض مع الدستور والمبادئ الدولية المنظمة لدور المحامين، معتبرًا أن "إصلاح منظومة العدالة لا يمكن أن يتم على حساب استقلال مؤسسة الدفاع، التي تشكل أحد أعمدة المحاكمة العادلة".
وأوضح الزياني في كلمته أمام المحتجين أن المطالبة بسحب المشروع لا تعني رفض الإصلاح، بل الدعوة إلى إعادة بنائه على أساس الحوار والتوافق، بما يتضمن تحديث المهنة دون المساس بضماناتها الدستورية.
لا يُنظر إلى هذا التصعيد باعتباره خلافًا مهنيًا حول نص قانوني فحسب، بل باعتباره مؤشرًا على أزمة ثقة بين أحد أهم مكونات منظومة العدالة والسلطة الحكومية المكلفة بالإصلاح التشريعي
مسألة الثقة جوهر الأزمة
يتجاوز الخلاف الحالي بين جمعية هيئات المحامين ووزارة العدل تفاصيل مشروع القانون، إذ قال المحامي بهيئة الرباط، مولود بنتاجر، إن "جوهر الأزمة يتجاوز مضامين مشروع القانون المنظم للمهنة في حد ذاتها، ليطال مسألة الثقة بين جمعية هيئات المحامين والحكومة".
يوضح بنتاجر، في حديث لموقع "الترا صوت"، أن "مشروع القانون كان ثمرة حوار امتد لفترة طويلة بين وزارة العدل والجمعية، وعُقدت بشأنه اجتماعات متتالية انتهت إلى صيغة توافقية، غير أن المحامين فوجئوا بإحالة وزير العدل على البرلمان مشروعًا تضمن مقتضيات لم تكن محل اتفاق".
ويضيف المصدر نفسه أن "هذا المستجد دفع جمعية هيئات المحامين إلى خوض سلسلة احتجاجات والتوقف عن العمل، قبل أن يتدخل رئيس الحكومة من أجل استئناف الحوار والوصول إلى توافق جديد بشأن المشروع".
غير أن الصيغة التي عادت إلى المسار التشريعي "لم تعكس بدورها ما تم الاتفاق عليه خلال تلك المشاورات"، يردف المحامي مولود بنتاجر، وهو ما اعتبره زملاؤه "تراجعًا عن الالتزامات".
الوزير يرفض اتهامات المحامين
في المقابل، يرفض وزير العدل عبد اللطيف وهبي "الاتهامات" الموجهة إلى الحكومة بالتراجع عن التزاماتها تجاه جمعية هيئات المحامين. وأكد وهبي، خلال جلسة المصادقة على المشروع بمجلس المستشارين، أن اللقاءات التي عقدها رئيس الحكومة مع ممثلي المهنة كانت تندرج في إطار التشاور والاستماع إلى المقترحات، ولا ترتب أي التزام قانوني أو دستوري.
واعتبر الوزير أن الالتزام الوحيد للحكومة هو تنفيذ برنامجها، وأن مشروع القانون، بعد إحالته على البرلمان، يصبح من اختصاص المؤسسة التشريعية التي تملك وحدها صلاحية مناقشته وتعديله والحسم فيه.
ولفت وزير العدل إلى أن عددًا من ملاحظات المحامين أُخذ بعين الاعتبار خلال إعداد المشروع، داعيًا إلى احترام اختصاصات المؤسسات الدستورية وعدم التعامل مع مخرجات المشاورات باعتبارها ملزمة للسلطة التشريعية.
مقتضيات تمس بجوهر المهنة
إلى جانب الخلاف حول منهجية إعداد مشروع القانون، تتمسك جمعية هيئات المحامين برفض عدد من المقتضيات التي تعتبرها ماسّة بجوهر المهنة. ويأتي في مقدمتها تحديد سن الولوج إلى المحاماة في 45 سنة، وهو ما ترى فيه إقصاءً لكفاءات راكمت خبرات قانونية ومهنية قبل اختيار ممارسة المحاماة.
كما تعترض على توسيع حالات الإعفاء من شهادة الكفاءة والتدريب لفائدة بعض الفئات، معتبرةً أن ذلك يخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين.
ويمتد الاعتراض أيضًا إلى مقتضيات يعتبرها المحامون مقيّدة للتدبير الذاتي لهيئاتهم، من خلال تقليص تمثيليتهم داخل بعض المؤسسات المهنية، وإعادة رسم أدوار جمعية هيئات المحامين بالمغرب، فضلًا عمّا يرونه مساسًا بحصانة الدفاع عبر منح القضاء أو النيابة العامة صلاحيات رقابية أو تأديبية إضافية داخل المحاكم.
الحوار مخرج أقل كلفة
يرى رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، عبد الإله الخضري، أن تجاوز الأزمة بين المحامين ووزارة العدل يقتضي "إرساء حوار مؤسساتي أكثر إلزامًا، يقوم على محاضر رسمية واضحة تحدد الالتزامات المتبادلة وآجال تنفيذها، بما يمنع تضارب التأويلات ويعيد بناء الثقة بين الحكومة ومكونات الدفاع".
ويدعو الخضري، في تصريح لموقع "الترا صوت"، إلى "انخراط مؤسسات دستورية مستقلة، من قبيل المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط، في تقريب وجهات النظر، باعتبارها جهات تتمتع بالمشروعية الحقوقية والقدرة على تيسير الحوار عندما تصل المفاوضات إلى طريق مسدود".
ويعتقد الفاعل الحقوقي أن "نجاح أي إصلاح تشريعي يظل رهينًا بتحقيق توازن دقيق بين حق الدولة في تحديث منظومة العدالة، وحق المحامين في الحفاظ على استقلالية مهنتهم باعتبارها ضمانة أساسية لحماية حقوق المتقاضين".
كما يشير الخضري إلى أن استمرار الأزمة لن تكون كلفته مقتصرة على طرفي الخلاف، بل "قد ينعكس على الأمن القانوني للمتقاضين، خصوصًا إذا طال أمد تعليق الجلسات وتعذر تصريف القضايا داخل الآجال المعتادة".