أزمة اللجوء الأفغانية.. مصير غامض واستقطاب سياسي منتظر

أزمة اللجوء الأفغانية.. مصير غامض واستقطاب سياسي منتظر

استقطاب سياسي منتظر في الاتحاد الأوروبي بشأن أزمة اللجوء الأفغانية (Getty)

عادت أزمة استقبال اللاجئين سواء القادمين بصورة رسمية أو أولئك الذين عبروا البحار للوصول إلى مكان آمن إلى واجهة الانقسام التي يشهدها الاتحاد الأوروبي مرةً أخرى، مع انسحاب الولايات المتحدة الفوضوي من أفغانستان، ومع تحول دول الشنغن الحدودية مع بيلاروسيا إلى بوابة عبور للقادمين من الشرق الأوسط، عملًا بتصريحات الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو الذي هدد بإغراق الاتحاد الأوروبي باللاجئين ردًا على العقوبات المفروض على المسؤولين البلاروس بسبب انتهاكات حقوقية.

عادت أزمة استقبال اللاجئين سواء القادمين بصورة رسمية أو أولئك الذين عبروا البحار للوصول إلى مكان آمن إلى واجهة الانقسام التي يشهدها الاتحاد الأوروبي مرةً أخرى، مع انسحاب الولايات المتحدة الفوضوي من أفغانستان

أزمة اللجوء الأفغانية تعيد الخلافات الأوروبية إلى الواجهة

لا يبدو أنه أصبح هناك أي فرصة لمعظم الأفغان لمغادرة البلاد في الوقت الراهن، بالأخص بعد التغير السريع الذي فرض عليهم بدخول مقاتلي حركة طالبان الإسلامية إلى العاصمة كابول، وتصريحات المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد الذي أكد على أن الحركة ستمنع الأفغان الراغبين بمغادرة البلاد من الوصول إلى مطار العاصمة الذي يشهد فوضى غير مسبوقة، وشهد انفجارًا مزدوجًا عقد من الوضع.

اقرأ/ي أيضًا: انفجارا مطار كابول.. حصيلة القتلى في ارتفاع كبير ومخاوف من هجوم مشابه

أمام هذه التصريحات برزت على الجهة المقابلة تصريحات دول الاتحاد الأوروبي التي كان لها دور مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أفغانستان خلال السنوات الماضية. هذه التصريحات تحولت إلى تجاذبات واستقطابات سياسية خوفًا من استثمار أحزاب اليمين أزمة اللجوء الجديدة للوصول إلى السلطة، بينما بدأت الدول الغربية بالحديث عن إمكانية التعاون مع دولة ثالثة لاستقبال اللاجئين الأفغان خوفًا من تدفق اللاجئين الأفغان إلى دول الاتحاد.

وفيما حث رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراجي على مساعدة الأشخاص الذين تعاونوا مع حلف الناتو على مغادرة أفغانستان، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان له رأي مخالف من خلال المبادرة التي أطلقها، مؤكدًا في فصل من فصولها على أنه "لا يمكن لأوروبا وحدها أن تتحمل عواقب" سقوط أفغانستان، مطالبًا بدفع أموال لدول العبور من أجل استقبال اللاجئين الأفغان على أراضيها، مثل الاتفاقية الموقعة مع تركيا قبل خمسة أعوام بهدف منع اللاجئين السوريين من الوصول إلى اليونان.

دول أخرى ترفض استقبال اللاجئين الأفغان بشكل قاطع

أمام هذا التباين في تصريحات المسؤولين الأوروبيين، يبرز موقف ثالث مخالف تمام للموقفين السابقين، يمكننا عكسه بتأكيدات المستشار النمساوي سيباستيان كورز على عدم رغبة النمسا باستقبال اللاجئين الأفغان، مضيفًا بأن ذلك "لن يحدث خلال فترة توليه المنصب"، في حين رفضت اليونان أن تكون أراضيها بوابة لعبور اللاجئين الأفغان إلى أوروبا، كما حصل مع موجة اللجوء السورية سابقًا.

وفي أحدث التصريحات المرتبطة باللاجئين الأفغان، كان لا بد من تسجيل موقف لرئيس الوزراء السلوفيني يانيز يانشا، الذي تتولى بلاده رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي منذ تموز/ يوليو الماضي، والذي أكد على أن بلاده لن تفتح ممرات إنسانية للاجئين الأفغان، وكذلك الاتحاد الأوروبي لفترة، معيدًا بذلك تصريحات العديد من القادة الشعبوين، بعدما أشار إلى أنه "ليس من واجب الاتحاد الأوروبي أو سلوفينيا مساعدة أو الدفع لكل شخص على هذا الكوكب يفر في الوقت الذي يكون بإمكانه القتال من أجل وطنه".

وفي ظل هذه المواقف المتباينة في طريقة تعاطي الدول الأوروبية مع أزمة اللجوء الأفغانية الحديثة، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن بلاده لن تستقبل اللاجئين الأفغان، وشدد على رفض روسيا "إرسال أشخاص من أفغانستان إلى دول قريبة من روسيا"، معللًا ذلك بأن روسيا لا تريد "ظهور المسلحين هنا تحت غطاء اللاجئين".

كما أن بوتين رفض أيضًا فكرة قيام بعض الدول الغربية بنقل لاجئين من أفغانستان إلى دول آسيا الوسطى المجاورة للجوء فيها خلال فترة معالجة تأشيراتهم إلى الولايات المتحدة وأوروبا، بينما أعاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التأكيد في اتصال هاتفي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، على أن تركيا "التي تستقبل أصلًا خمسة ملايين لاجئ، لا يمكنها تحمل عبء هجرة إضافية".

سياسة الأبواب المغلقة في وجه اللاجئين

بالحديث عن أزمة تدفق اللاجئين إلى دول الاتحاد الأوروبي، وسياسة الأبواب المغلقة في وجه اللاجئين، كشفت تقارير مؤخرًا عن حصار عشرات الأشخاص على الحدود البولندية –البيلاروسية، ووفقًا للنسخة الأوروبية من مجلة بوليتيكو فإن اللاجئين المحاصرين يواجهون منع حرس الحدود البولندي من العبور إلى عمق أوروبا، في مقابل عدم سماح الجنود البيلاروس لهم بالعودة إلى بيلاروسيا، التي سمحت أساسًا للاجئين من الشرق الأوسط بعبور أراضيها إلى دول ليتوانيا ولاتفيا وبولندا كوسيلة لممارسة الضغط على الاتحاد الأوروبي.

وبينما اتهم الاتحاد الأوروبي بيلاروسيا باستخدام مهاجرين مخالفين للقوانين من العراقيين "كسلاح سياسي" ردًا على العقوبات الأوروبية المفروضة على مينسك، فإن وكالة حماية الحدود الأوروبية أشارت إلى أن ليتوانيا سجلت دخول ما يقارب 3.7 ألف شخص بشكل غير قانوني من بيلاروسيا ما بين كانون الثاني/يناير حتى تموز/يوليو، من ضمنهم ثلاثة آلاف شخص في شهر تموز/يوليو فقط، في حين رصدت بولندا حوالي 180 حالة عبور مخالفة للقوانين، ولاتفيا حوالي 200 حالة في شهر تموز أيضًا.

وتأتي عودة أزمة تدفق اللاجئين إلى صدارة المشهد الأوروبي، بالتزامن مع تقرير منظمة العفو الدولية الذي تحدث عن أن المهاجرين المحتجزين في معسكرات ليبية، معظمهم من حاملي الجنسية السورية، يتعرضون لعنف جنسي مروع على أيدي الحراس، بما في ذلك إجبارهم على مقايضة الجنس بالمياه النظيفة والطعام واستخدام دورات المياه، مؤكدةً على وجود أدلة جديد تكشف عن "انتهاكات مروعة، بما في ذلك العنف الجنسي، ضد رجال ونساء وأطفال" في مراكز الاعتقال الليبية.

وتعتبر مراكز احتجاز اللاجئين في ليبيا جزءًا من اتفاقيات الاتحاد الأوروبي العديدة مع الدول الموسومة بـ"طرف ثالث" لمنع تدفق اللاجئين إلى عمق أوروبا، والتي قامت إيطاليا بالإنابة عن الاتحاد الأوروبي بإبرامها مع ليبيا قبل ثلاثة أعوام، وتنص على تقديم الحكومة الإيطالية مساعدات مالية ولوجستية لخفر السواحل الليبي بهدف إيقاف القوارب في البحر، وإعادة الأشخاص إلى مراكز الاحتجاز في ليبيا، الذين يتم احتجازهم بصورة غير قانونية.

وكانت إيطاليا قد أبرمت اتفاقية مع تونس لمكافحة الهجرة، من ضمنها تخصيص مساعدات بقيمة 11 مليون يورو لتعزيز الرقابة على الحدود التونسية، لا سيما البحرية، بينما أظهرت وثيقة للاتحاد الأوروبي تخصيص 24.5 مليون يورو للحرس البحري الوطني التونسي، فضلًا عن تعاونهم مع حرس الحدود الأوروبية من خلال رصد قوارب المهاجرين عبر صور الأقمار الصناعية والرادارات والطائرات من دون طيار.

عجز أوروبي عن التعاطف مع أزمة اللجوء الأفغانية

يمكن القول إن الموقف الأوروبي من اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط قد تبدل بشكل جوهري منذ عام 2016، عندما شرعت المستشارة الألمانية سياسة الحدود المفتوحة بقرار أحادي، وهو ما ظهرت تبعاته لاحقًا على الأزمة الأفغانية، وبحسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية فإن التطورات الأخيرة التي شهدتها أفغانستان مع وصول حركة طالبان إلى السلطة أثارت الذعر لدى عديد السياسيين الأوروبين الذين "يخافون" من موجة جديدة لـ"طالبي اللجوء المسلمين"، وهو ما قد يساعد على صعود الحركات اليمينية والشعبوية مرةً أخرى.

تشير الصحيفة الأمريكية إلى أنه مع انخفاض دعم الأحزاب السياسية المناهضة للاجئين بجانب تراجع أعدادهم، فإن النقاشات التي تدور بين القادة الأوروبيين حول اللاجئين الأفغان تدل على "عجز في التعاطف في أوروبا قد يكون من المستحيل التغلب عليه"، مؤكدةً على أن أفغانستان "تُمثل التزامًا أخلاقيًا ومسؤولية أكثر إلحاحًا اتجاه أوروبا"، على عكس الحروب الأخرى التي تشهدها الخارطة العالمية، نظرًا لانضمام معظم دولها إلى الولايات المتحدة تحت مظلة الناتو في غزو أفغانستان.

نيويورك تايمز ترى في هذا الجانب أن أزمة اللاجئين الأفغان بين دول الاتحاد الأوروبي تذكر بالأزمة التي نشبت بين الدول عينها بعد موجة اللجوء التي حدثت قبل ستة أعوام، وكادت أن تؤدي إلى تقسيم الاتحاد الأوروبي نتيجة امتناع دول الكتلة الشرقية عن استقبال اللاجئين، بينما هددت الأحزاب المناهضة للاجئين والاتحاد الأوروبي معًا بالخروج من الكتلة الأوروبية، وهو ما دفع بدول الشنغن إلى تعزيز الرقابة على حدودها، إلا أن الخبراء يحذرون من أن الجهود الأوروبية الأخيرة قد يكون لها نتائج عكسية تساعد على صعود الأحزاب اليمينية والشعبوية إلى المشهد السياسي مرة أخرى.

أزمة اللجوء الأفغانية كجزء من أزمة طويلة الأمد

في تقرير إحصائي يظهر حصص الدول التي تتقاسم الحدود مع أفغانستان إلى جانب الدول الغربية من أعداد اللاجئين الأفغان على أراضيهم، يرى الباحث المتخصص في التهجير القسري وسياسات اللجوء، تازرينا ساجاد، أن أزمة اللجوء الأفغانية الحديثة تكشف في سياقها الواسع عن أنها ستكون أزمة نزوح طويلة الأمد، والتي سيكون من ضمنها التقاسم غير المتكافئ للاجئين الأفغان بين الدول الغربية من طرف، والدول الفقيرة من طرف أخر.

عند مراجعة الإحصائيات التي ذكرها ساجاد بخصوص اللاجئين الأفغان، فإنه يشير إلى قبول الولايات المتحدة 20 ألف لاجئ أفغاني خلال الـ20 سنة الماضية، بمعدل ألف لاجئ سنويًا، وتظهر الإحصائية التي ترصد أعداد اللاجئين الأفغان الذين استقبلتهم 25 دولة خلال العام الماضي، أن الولايات المتحدة تقع في المرتبة الـ22 باستقبالها 1.592 أفغانيًا، بينما لا يزال عشرات الآلاف من الأفغان ينتظرون الانتهاء من معاملات اللجوء التي قد تمتد لسنوات عدة.

على الطرف الآخر من الدول الغربية التي تستضيف لاجئين أفغان تبرز ألمانيا بالمرتبة الأولى بعدما سجلت دخول أكثر من 147 ألف لاجئ أفغاني إلى أراضيها العام الماضي، بطرق شرعية وغير شرعية، مشيرًا إلى أنه على الرغم من ذلك فإن أعداد اللاجئين الأفغان في الدول الأوروبية لا يزال قليلًا مقارنة بأزمة اللجوء السورية التي حدثت ما بين عامي 2015 – 2016، ويرى في هذا الجانب أنه مع تبني السياسات المتشددة للهجرة، ومعاداة اللاجئين على مستوى دول الاتحاد الأوروبي، فإن عددًا قليلًا من الأفغان سيكون بإمكانهم الوصول إلى أوروبا.

وبينما رفضت النمسا وسويسرا استقبال اللاجئين الأفغان، وقالت تركيا إنها تعاني بالأصل من ضغط اللاجئين، فإن دولًا أخرى التزمت باستقبال أعداد صغيرة من اللاجئين الأفغان بشكل مؤقت، بما في ذلك دول ألبانيا وقطر وكوستاريكا والمكسيك وتشيلي والإكوادور وكولومبيا، وكذلك أوغندا التي تستضيف 1.5 مليون لاجئ أساسًا، معظمهم من جنوب السودان.

بينما رفضت النمسا وسويسرا استقبال اللاجئين الأفغان، وقالت تركيا إنها تعاني بالأصل من ضغط اللاجئين، فإن دولًا أخرى التزمت باستقبال أعداد صغيرة من اللاجئين الأفغان بشكل مؤقت

وفي النهاية فإن معظم الأفغان الذين لن يتمكنوا من مغادرة البلاد جوًا سيلجأون إلى دول الجوار سيرًا على الأقدام، وهو ما يعني إلى باكستان التي وصل إليها أكثر من 1.4 مليون لاجئ أفغاني العام الماضي، وتليها إيران التي سجلت وصول 780 ألف لاجئ أفغاني أيضًا، ورجح ساجاد أن تكون باكستان التي تعاني أساسًا من أزمات سياسية واقتصادية الملجئ الأول للأفغان الفارين من البلاد.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

"شركاؤنا الأفغان".. ماذا تعرف عن الدعم الأمريكي لطالبان ضد "ولاية خراسان"؟

انفجارا مطار كابول.. حصيلة القتلى في ارتفاع كبير ومخاوف من هجوم مشابه