أزمة التعليم في المغرب.. أعمق من إصلاحات

أزمة التعليم في المغرب.. أعمق من إصلاحات "الترقيع"

توالي البرامج الإصلاحية للتعليم في المغرب لم يأت بأي إضافة نوعية (The National)

يواجه التعليم في المغرب اليوم عدة صعوبات وإكراهات، تحول دون الإصلاح التربوي الناجع المتوخى من كل البرامج التعليمية التي يتم تحديثها كل مرة، وبالتالي لم تحقق الأهداف التي سطرت لها. 

توالي البرامج الإصلاحية للتعليم في المغرب لم يأتي بأي إضافة نوعية، بسبب غياب تشخيص أسباب الفشل لكل برنامج سابق

فقد مرت المنظومة التعليمية المغربية بعدة محطات إصلاح، بدأت بإصلاح المنهج التعليمي سنة 1957، وبإصلاح المرافق للمخطط الخماسي ما بين 1960 و1964، ثم مرحلة التناظر من خلال مناظرة المعمورة سنة 1964، ثم المنهج التعليمي الجديد الذي جاء به الوزير محمد بنهيمة سنة 1966، مرورًا بالإصلاح الرسمي الذي انطلق سنة 1985 في إطار سياسة التقويم الهيكلي منذ سنة 1983، والميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي بدأ سنة 2000. 

اقرأ/ي أيضًا: التعليم المغربي.. أرقام صادمة رغم خطط الإصلاح

هذا بالإضافة إلى البرنامج الاستعجالي لسنوات 2009-2012، الذي تدارك بعض نقاص برامج الإصلاح السابقة، وحاول تطوير آليات الإصلاح للسنوات المقبلة، وصولًا للرؤية الإستراتيجية 2015-2030، التي اتخذ لها شعار "من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء".

التعليم في المغرب
المشاريع التربوية الحالية مفتقرة للواقعية والتشاركية والتكامل

 لكن توالي هذه البرامج الإصلاحية لم يأت بأي إضافة نوعية تذكر، بل زاد من الغيمة المشوشة على موضوع الإصلاح، خاصة وأن البرامج لا تعد بطريقة مدروسة، وإنما في غياب تام لتشخيص أسباب فشل المحطات السابقة، ودون أي تقييم للعمل الإصلاحي ومراحله.

معطيات صادمة عن التعليم في المغرب

كشفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونيسكو)، في تقريرها عن التعليم العالمي لسنة 2017، بعض المعطيات الصادمة عن وضعية التعليم العمومي في المغرب، إذ جاء في التقرير ما يفيد إقفال أبواب ما يقارب 200 مؤسسة تعليمية عمومية في ظرف ما يقارب خمس سنوات فقط. 

وجاء في التقرير كذلك أن المغرب بعيد كل البعد عن تحقيق أهدافه في مجال التعليم العمومي في ظل سوء المعاملة التي يتلقاها التلاميذ في المدارس، وسوء الخدمات المقدمة، فقد رصد التقرير تعرض 40% من التلاميذ المتراوحة أعمارهم ما بين 13 و15 سنة، للعنف الجسدي في الوسط المدرسي، و38% منهم ضحية ترهيب مرتبط بالجنس. 

أما فيما يخص التعليم العالي فقد حصل المغرب على مرتبة متدنية في مؤشر التعليم العالي، بحلوله في المركز 101 عالميًا و12 عربيًا بعد حصوله على درجة إجمالية متوسطة بلغت 3.6 في المؤشر العالمي لجودة التعليم العالي، الصادر عن تقرير التنافسية العالمية لعام 2017-2018.

ويلخص البعض اختلالات المنظومة التعليمية المغربية في كون علاقتها بسوق الشغل علاقة مهددة بالفشل، لمحدودية الفرص النظامية التي يوفرها النسيج السوسيواقتصادي، ما يجعل إشكالية بطالة خريجي الجامعات والمعاهد مطروحة، وتتطلب حلًا جذريًا. 

هذا بالإضافة إلى أنّ المشاريع التربوية الحالية مفتقرة للواقعية والتشاركية والتكامل، وعادة ما تفشل في الاستجابة لحاجيات المنظومة وإصلاحها، فضلًا عن وجود خلل في آليات اشتغال المؤسسة التعليمية كوحدة تربوية، ما يضعف ويضيق فرص التعاون بين مختلف شركاء المنظومة التربوية، ويجعلها تتخبط في انغلاق، ثم غلبة المعارف والمعلومات النظرية في المناهج التعليمية على حساب المهارات والكفايات الحياتية.

بناء العقول وتعدد المرجعيات

إلا أن السبب الرئيسي في الواقع، يتمثل في تعدد المرجعيات التي تتخلل المناهج التعليمية، فالمرجعية الإسلامية تدافع عن تعاليم الدين الإسلامي تجسيدًا لقيم المغاربة وثقافتهم الدينية، في حين أن المرجعية الحداثية تسعى إلى تقليد الغرب، وتبني قيمهم الكونية لحقوق الإنسان. 

هذا ما عبرت عنه رحمة بورقية، الأكاديمية والباحثة الاجتماعية المغربية، في كتابها "Penser l’école, Penser la société"، بقولها إنه "في مجال التعليم، تضع التقاليد الطفل في الماضي، في حين أن مهمة التعليم هي إدماجه في الحاضر وإعداده للتعايش في المستقبل".

التعليم في المغرب
اتخذت الصراعات الأديولوجية واللغوية طرفًا في عدم نجاعة الإصلاحات التربوية

 وأضافت بورقية: "في كثير من الأحيان يعتقد أن الحداثة والتقليد عنصران متضادان ومتناقضان تمامًا، إلا أنه في التعليم لا يجب التفكير في التقليد والحداثة ككيانين متناقضين ومختلفين واعتبار التقليد كقيم متطرفة والتعامل مع الحداثة وكأنها حقيقة مؤكدة. وسيكون من الضروري التفكير في إصلاح التعليم انطلاقًا من فهم الهوة القائمة بين المفهومين، ومحاولة إيجاد مركب هجين وعالمي لهما".

كما تشير الكاتبة إلى أنّ ثلاثة أبعاد لما أسمته "إنتاج العقول في المدرسة"، هي:

  1. البناء:  نقل المعرفة وخاصة الأولية منها.
  2. التعليم: نقل المبادئ والقيم اللازمة لاندماج ناجع في الحياة الاجتماعية.
  3. التكوين: إنتاج تقرير خاص يعطي معنى لوجود موضوع معين.

لافتةً إلى أن "هذه الأبعاد الثلاثة غالبا ما يتم اختزالها في التعليم. لكنها تصنع المعرفة، والعقول، وتشركها في اكتشاف العالم، وتوفر لها الموارد التي قد تحتاجها طيلة حياتها. هذه الأبعاد تسائل المدرسة في طريقة انتقالها التعليمية والثقافية".

واتخذت الصراعات الأديولوجية واللغوية طرفًا في عدم نجاعة الإصلاحات التربوية، كما هو الشأن بالنسبة للنظريات المتباينة حول لغة التعليم، بين المدافعين عن التدريس باللغة العربية الفصحى والدارجة والأمازيغية والفرنسية وحتى الإنجليزية. 

اتباع النموذج الغربي مع الفارق

إلا أن علاقة المغرب بالغرب جعلته مجبرًا على اتباع النموذج التربوي الغربي وتجاربه، على الرغم من وجود تفاوتات واضحة بين العالمين: عالم متقدم، وآخر لازال يتخبط في غياهب الفقر والبطالة والأمية. 

وفي هذا الصدد، يقول مولاي مصطفي البرجاوي، أستاذ مغربي في علوم التربية، في كتابه "حول التربية والتعليم في المغرب.. واقع وآفاق": "كيف يمكن لإصلاح تربوي أن يتحقق في  ظل الهجمة الشرسة على المدرس وتشويه سمعته في المنابر الإعلامية الرسميةـ في وقت نجد دولًا أخرى تتوخى الإصلاح فعلًا، تضع المدرس في قائمة السلم الاجتماعي (اليابان وألمانيا مثلًا)؟". 

ويضيف البرجاوي متسائلًا: "أنى لإصلاح تربوي أن يتحقق في مشروع يجعل المدرس في الهامش وآخِر من يعلم بالتعديلات والتغيرات المزمع إدخالها على المنظومة، لإخراجها من عنق الزجاجة، ليقتصر دوره على تنفيذ المنهاج الدراسي؟ أنى لإصلاح تعليمي أن يتحقق في ظل برتوكولية وشكلية تكوين المدرسين؟ وأنى لإصلاح تعليمي أن يتحقق في ظل الظروف المزرية التي يعيشها المدرس في العالم القروي، مما ينعكس سلبًا على المراحل الموالية في التعليم للمتعلمين؟". 

السعي المتواصل نحو الخصخصة، هو أيضًا من بين أسباب عدم نجاعة مشروع الإصلاح، فالتعليم في المغرب، ينقسم إلى خاص وعام، مكرسًا للتفاوتات الطبقية في المجتمع، حيث إن الطبقة الراقية والغنية توجه أطفالها لمدارس البعثات والمدارس الخصوصية المرموقة، لتلقي تعليم ذو جودة وبسرعة مناسبة، أما أطفال الطبقة الفقيرة وعامة الشعب فيتلقون تعليمًا لا يضعهم في قلب الاندماج الاجتماعي. 

وكما جاء في تقرير منظمة الأمم المتحدة، حول موضوع التربية والتعليم لسنة 2017، فالتعليم العمومي في المغرب أصبح أداة لتكريس الفوارق الاجتماعية، حيث انتقلت نسبة التوجه من التعليم العمومي إلى الخصوصي من 4% عام 1999 إلى 15% عام 2015. 

والإصلاح الذي لا يستوجب تجاوز هذا النوع من التفاوتات الطبقية وتحقيق العدالة والمساواة اجتماعيًا، لا ترجى منه أية نتائج محمودة، وقد تم الاتجاه من ظرف بعض الأسر في الآونة الأخيرة نحو نظام إضافة ساعات الدعم المؤدى عنها، تداركًا لتكوين أبنائهم من تلاميذ التعليم العمومي، لكون هذا الأخير لا يؤدي وظيفته على أكمل وجه.

التعليم في المغرب
انتقلت نسبة التوجه من التعليم العمومي إلى الخصوصي من 4% عام 1999 إلى 15% عام 2015

 وأصبح بعض المدرسين يتقاعسون في أداء واجباتهم داخل فصول المدرسة العمومية، بل ويستدرجون التلاميذ لساعات الدعم بالمقابل، ما جعل بعض الآباء يأكدون على موت المدرسة العمومية. 

وكما يقول عبد المجيد السخيري، الكاتب والناقد المغربي، فإن المؤشرات الدالة على نهاية المدرسة العمومية كثيرة، لكونها تسير على نهج الرأسمالية المنتصرة وتخضع لسياسات السوق. فالمدرسة إذن أصبحت تتحول إلى مقاولة.

أصبح التعليم في المغرب أداةً لتكريس الفوارق الاجتماعية، إذ وصلت نسبة الانتقال من التعليم العمومي للخاص من 4% في 1999 لـ15% في 2015

و"تحويل وظيفة المدرسة يعني تحويلًا لوظيفة المدرس والمسير والعلاقات، بل وضع معايير جديدة للتصديق على الشهادة المدرسية"، كما جاء في كتاب "نهاية المدرسة" للدكتور الحسن اللحية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في المغرب.. سيطرة المدارس الخاصة تعمق أزمة التعليم

الجامعات المغربية.. فجوة بين التعليم وسوق العمل