ultracheck
  1. سياسة
  2. حقوق وحريات

أزمة"الواشنطن بوست": الصحافة المستقلة في مواجهة رأس المال وعلاقته بالسلطة

6 فبراير 2026
واشنطن بوست
صحفيون يحتجون أمام مقر "واشنطن بوست" رفضًا لقرار تسريحهم الجماعي (Getty)
محسن القيشاوي محسن القيشاوي

بعد أكثر من عقد على استحواذ مالك عملاق التجارة العالمية "أمازون"، الملياردير الأميركي جيف بيزوس على صحيفة "واشنطن بوست"، في صفقة وُصفت حينها بأنها طوق نجاة لواحدة من أعرق المؤسسات الصحفية في الولايات المتحدة، تجد الصحيفة نفسها اليوم في واحدة من أعمق أزماتها التاريخية، مع موجة تسريحات جماعية واسعة طالت مئات الصحفيين والمحررين، وأعادت طرح أسئلة حول مستقبل الصحافة الورقية، وحدود تدخل رأس المال في غرف الأخبار.

في 4 أيلول/سبتمبر 2013، وقف بيزوس أمام طاقم الصحيفة ليعدهم بـ"عصر ذهبي جديد"، مؤكّدًا أن مشكلتهم ليست الخسارة بحد ذاتها، بل "الانكماش" الذي يقود إلى التهميش ثم الزوال. يومها، تعهّد بتوفير تمويل طويل يسمح للصحيفة بالنمو بدل التقشف. لكن بعد 12 عامًا، يبدو أن هذا التمويل قد انتهى فجأة.

تسريحات جماعية تهزّ "واشنطن بوست"

شرع مالك صحيفة "واشنطن بوست" في تنفيذ موجة تسريحات واسعة شملت مئات الصحافيين والعاملين، في خطوة وصفها أحد الصحافيين السابقين في المؤسسة بأنها "يوم أسود" في تاريخ الصحيفة الأميركية العريقة.

وجاءت هذه القرارات عقب بث مباشر على منصة "زوم" أُعلن خلاله عن تقليص كبير في عدد الموظفين، أعقبه إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى العاملين في الصحيفة، أوضح فيها رئيس التحرير التنفيذي مات موراي أن هذه التخفيضات تندرج ضمن خطة أوسع لإعادة هيكلة توجه الصحيفة ومخرجاتها التحريرية. وأقر موراي بأن بعض جوانب صحافة "واشنطن بوست"، بما في ذلك المحتوى المرئي، "لم تواكب التطورات"، معتبرًا أن الحاجة إلى "إعادة تموضع الصحيفة باتت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى".

واعترف موراي بتراجع إنتاج الصحيفة وانتشارها، مشيرًا إلى أن المحتوى بدا في كثير من الأحيان وكأنه يُكتب "من منظور واحد، موجّه لشريحة واحدة من الجمهور"، وهو ما أسهم، بحسب قوله، في تعميق الأزمة.

دخلت صحيفة "واشنطن بوست" منذ أكثر من عام في مسار إشكالي وغير مسبوق، مرتبط بمحاولات مالكها، جيف بيزوس، إعادة تموضع الصحيفة سياسيًا في سياق سعيه للتقرب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب

طالت قرارات الصرف شبكة المراسلين الأجانب بشكل غير مسبوق، بما في ذلك جميع مراسلي الصحيفة في الشرق الأوسط. ومن بين الذين شملهم التسريح المراسلة ليزي جونسون، التي أعلنت أنها طُردت أثناء تغطيتها الحرب من الخطوط الأمامية في أوكرانيا، وكتبت عبر منصة "إكس": "أنا محطّمة".

وأفاد عدد من الصحافيين الذين يغطون المنطقة بتسريحهم من العمل، من بينهم رئيسة مكتب القاهرة كلير باركر، ورئيس مكتب القدس جيري شيه، إضافة إلى المراسلين يغانه تورباتي، ولويزا لوفلوك، ونيلو تبريزي، ولوفيداي موريس، وشيرا روبين، وميريام بيرغر، وغيرهم، وفق ما أعلنوه عبر حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما شملت التسريحات كاتب عمود الشؤون الخارجية إيشان ثارور، ومحررة شؤون آسيا والمحيط الهادئ ورئيسة مكتب بكين السابقة آنا فيفيلد، إلى جانب عشرات الصحافيين والمحررين في أقسام أخرى.

وامتدت إجراءات الصرف الجماعي أقسامًا عدة، من بينها الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، إلى حد جرى فيه تقليص بعض هذه الأقسام بشكل شبه كامل أو إلغاؤها فعليًا.

وبرّر موراي قرارات الصرف بأن برنامج إعادة الهيكلة يتضمن "تخفيضات كبيرة في عدد الموظفين" بهدف "تأمين مستقبل الصحيفة"، معترفًا بأن الخطوة "صعبة لكنها ضرورية"، في وقت تتصاعد فيه تساؤلات داخل الأوساط الصحافية حول تأثير هذه القرارات على هوية "واشنطن بوست" ودورها المهني.

احتجاجات وبيان نقابي يحذّران من تداعيات الخطوة

ردًا على قرارات التسريح التي اتخذتها إدارة "واشنطن بوست"، أصدرت نقابة الصحيفة، التي تمثل الصحافيين وعددًا من موظفي غرفة الأخبار، بيانًا عبر منصة "إكس" حذّرت فيه من تداعيات هذه الإجراءات، مؤكدة أن "غرفة الأخبار لا يمكن إفراغها من محتواها من دون عواقب تطال مصداقيتها وانتشارها ومستقبلها".

وفي السياق ذاته، نظم صحافيون وموظفون سرّحتهم الصحيفة، وقفة احتجاجية، أمس الخميس، أمام مقرها في العاصمة الأميركية واشنطن، رفضًا لقرارات الإدارة ومطالبة بالتراجع عنها وإعادتهم إلى وظائفهم. وحذّر المحتجون في كلمات ألقوها خلال الوقفة من التأثيرات السلبية للتسريحات الجماعية على مكانة الصحيفة وإرثها التاريخي، ولا سيما بعد الاستغناء عن أكثر من 300 صحافي وموظف من أقسام مختلفة.

وردّد المشاركون في الاحتجاج هتافات من بينها: "أنقذوا الصحيفة" و"لا تقتلوا واشنطن بوست"، فيما رفع صحافيون ومتضامنون لافتات كتب عليها "أنقذوا بوست"، في إشارة إلى الاسم المختصر للصحيفة. كما حمل أحد المتضامنين لافتة كُتب عليها "الديمقراطية تموت بيد المليارديرات"، في ربط مباشر بين شعار الصحيفة الشهير "الديمقرا طية تموت في الظلام" ومالكها جيف بيزوس.

كما ظهرت لافتات أخرى تحمل عبارات من قبيل: "الديمقراطية تموت من دون صحافيين"، و"الديمقراطية تموت في الظلام"، و"أنت يا جيف بيزوس تقتل النور"، و"أنقذوا الصحيفة"، في تعبير عن تصاعد الغضب داخل الأوساط الصحافية والقلق من مستقبل المؤسسة.

تحوّل تحريري يثير الانقسام داخل الصحيفة

دخلت صحيفة "واشنطن بوست" منذ أكثر من عام في مسار إشكالي وغير مسبوق، مرتبط بمحاولات مالكها، جيف بيزوس، إعادة تموضع الصحيفة سياسيًا في سياق سعيه للتقرب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. برز هذا التحول بشكل واضح خلال السباق الرئاسي لعام 2024، عندما رفض بيزوس نشر افتتاحية كانت تُبدي دعمًا للمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، خلافًا لتقليد الصحيفة في تأييد المرشحين الديمقراطيين، في خطوة اعتبرها كثيرون كسرًا لتقاليد راسخة في استقلال القرار التحريري.

وأثار هذا التوجه رد فعل غاضبًا من شريحة واسعة من القرّاء، تُرجم بإلغاء أكثر من 250 ألف اشتراك، تعبيرًا عن رفضهم لما رأوه انحيازًا سياسيًا صريحًا ومحاولة لإرضاء الرئيس ترامب على حساب الخط التحريري المستقل الذي لطالما ميّز الصحيفة.

وتفاقمت الأزمة لاحقًا مع إعلان بيزوس رغبته في دفع قسم الرأي نحو انعطاف حاد باتجاه اليمين، ما فجّر خلافات داخلية وأسفر عن استقالة عدد من أبرز كتّاب الرأي، إضافة إلى أسماء وازنة من مراسلي ومحرري الصحيفة، ما عمّق جراح المؤسسة وطرح تساؤلات جدية حول مستقبلها المهني ودورها الإعلامي.

وهذا التداخل بين الحسابات السياسية والتجارية عزّز شعورًا داخل الصحيفة بأن بيزوس، الذي تحدّى ترامب علنًا في ولايته الأولى، بات أكثر قربًا منه، أو يميل إلى المهادنة، في ظل مصالحه الاقتصادية الأوسع، بما في ذلك عقود حكومية ضخمة لشركاته الأخرى.

من التوسع إلى النزيف المالي

استفادت "واشنطن بوست" في السنوات الأولى من ملكية بيزوس من ضخ مالي وتقني كبير، وتزامن ذلك مع طفرة في الاهتمام السياسي رافق انتخابات 2016 وولاية دونالد ترامب الأولى، ما أدى إلى قفزة كبيرة في عدد الاشتراكات الرقمية. غير أن هذا الزخم لم يتحول إلى نموذج مستدام.

بحسب الأرقام المتداولة داخل المؤسسة، تكبّدت الصحيفة خسائر تُقدّر بـ77 مليون دولار في عام 2023، تلتها خسائر أكبر بلغت نحو 100 مليون دولار في 2024. ومع تراجع العائدات الإعلانية وانخفاض الزيارات بعد انتهاء "حقبة ترامب الأولى"، بدا أن المالك الذي تعهّد بتجنّب "الانكماش" لم يعد مستعدًا لتحمّل هذا المستوى من الخسائر.

في المقابل، طرحت أصوات داخل وخارج الصحيفة فكرة تحويل "واشنطن بوست" إلى مؤسسة غير ربحية، على غرار نماذج ناجحة في مدن أميركية أخرى، تضمن استقلالها التحريري واستدامتها المالية. غير أن بيزوس لم يُبدِ أي استعداد علني للسير في هذا الاتجاه.

خسائر مالية أم أولويات أخرى؟

يقدّم جيف بيزوس موجة التسريحات الواسعة في "واشنطن بوست" بوصفها استجابة مباشرة لخسائر مالية وهيكلية تضرب نموذج الصحافة الرقمية، في ظل تراجع الاشتراكات وتآكل الإعلانات، وهو تفسير يبدو، في ظاهره، منسجمًا مع أزمة أوسع تعيشها المؤسسات الإعلامية التقليدية. غير أن هذا التبرير يصطدم بإشكاليات أعمق تتجاوز الحسابات المالية البحتة، وتلامس علاقة رأس المال بالسلطة.

وقد قوبل هذا التبرير بتشكيك واسع، لا سيما في ضوء الثروة الضخمة لبيزوس ونمط إنفاقه الشخصي. فقد هاجم السيناتور بيرني ساندرز القرار في تغريدة على منصة "إكس"، قال فيها: "إذا كان جيف بيزوس قادرًا على إنفاق 75 مليون دولار على فيلم عن ميلانيا، و500 مليون دولار على يخت، و55 مليون دولار على حفل زفاف مع خاتم بقيمة 5 ملايين دولار، فلا تخبروني أنه اضطر إلى فصل ثلث موظفي واشنطن بوست. الديمقراطية تموت في ظل حكم الأوليغارشية".

ويعكس طرح ساندرز أن المشكلة، من وجهة نظره، لا تكمن في العجز المالي بقدر ما ترتبط بخيارات سياسية واقتصادية تُعيد تعريف وظيفة الصحافة باعتبارها عبئًا لا أولوية.

لا يمكن اختزال تسريحات العمال في "واشنطن بوست" بوصفها أزمة إدارية أو مالية عابرة داخل مؤسسة إعلامية، بل بوصفها مؤشرًا على مفترق طرق أوسع تواجهه الصحافة المستقلة في الولايات المتحدة

هجوم ترامب على الإعلام المستقل

في هذا السياق، تكتسب هذه التسريحات دلالة إضافية مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، في مناخ يتسم بعداء معلن ومستمر للصحافة المستقلة. فالهجمات المتكررة التي يشنها ترامب على وسائل الإعلام، ووصمها بأنها "الأخبار الكاذبة"، والتشكيك بدورها الرقابي، لا تشكّل مجرد خطاب سياسي، بل تضغط بشكل غير مباشر على المؤسسات الإعلامية وتُسهم في إضعاف موقعها العام.

ويرى محللون أن قرارات تقليص العمل الصحفي لا يمكن فصلها كليًا عن توازنات القوة بين رأس المال والسلطة السياسية. فحين يمتلك ملياردير صحيفة كبرى في لحظة يتصاعد فيها استهداف الإعلام، يصبح الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقلال التحريري مرهونًا ليس فقط بنموذج العمل، بل بإرادة المالك نفسه، واستعداده لتحمّل كلفة سياسية ومالية مقابل الإبقاء على صحافة مزعجة للسلطة.

وعليه، فإن الجدل حول تسريحات "واشنطن بوست" يتجاوز سؤال الخسائر والأرباح، ليطرح سؤالًا أكثر جوهرية: هل ما يجري هو إعادة هيكلة اقتصادية اضطرارية، أم جزء من تحوّل أوسع يعيد ضبط حدود النقد والمساءلة في ظل إدارة أميركية ترى في الصحافة خصمًا لا أداة مساءلة أساسية؟

مستقبل غامض وخيارات مؤجلة

في النهاية، لا يمكن اختزال تسريحات الصحفيين في "واشنطن بوست" بوصفها أزمة إدارية أو مالية عابرة داخل مؤسسة إعلامية، بل بوصفها مؤشرًا على مفترق طرق أوسع تواجهه الصحافة المستقلة في الولايات المتحدة. فبين منطق السوق الصارم، الذي يُخضع الصحافة لمعادلات الربح والخسارة، والدور العام الذي تؤديه بوصفها مساحة للمساءلة وكشف اختلالات السلطة، تتآكل الحدود التي كانت تفصل بين الإعلام كمرفق عام وأداة بيد رجال المال.

وبين الوعد الذي أطلقه جيف بيزوس قبل أكثر من عقد بـ"عصر ذهبي جديد" للصحيفة، وواقع يُجبر الصحيفة اليوم على تقليص طموحاتها والاكتفاء بالصمود، يتبدّى سؤال جوهري: هل ما يجري هو إعادة ضبط اقتصادية قاسية لكنها مؤقتة، أم علامة على تراجع أعمق في الاستعداد لتحمّل كلفة صحافة مستقلة قادرة على الإزعاج؟

كلمات مفتاحية
الأمم المتحدة

ما أسباب تراجع دور المؤسسات الدولية في الأزمات الكبرى؟

تعتبر مهمة حفظ السلام والأمن الدوليين وظيفة أساسية للمؤسسات الدولية الكبرى، فلماذا تفشل الآن هذه المنظمات في تفعيل القانون، ولماذا نشعر أنها غير فاعلة في هذه الأوقات؟

ملصق لهند رجب

"العدالة لهند رجب".. ديمقراطيون يطرحون مشروع قانون في الكونغرس الأميركي

طرح مشرعون ديمقراطيون في الولايات المتحدة مشروع قانون جديد باسم "قانون العدالة لهند رجب"، يهدف إلى دفع الإدارة الأميركية للتحقيق في ملابسات مقتل الطفلة الفلسطينية

اللاجئون في أميركا

مراجعة ملفات اللاجئين في الولايات المتحدة تشعل مخاوف قانونية وإنسانية

سياسة أميركية جديدة لإعادة تدقيق ملفات اللاجئين تثير مخاوف قانونية وإنسانية بعد اعتقال واستجواب لاجئين حصلوا سابقًا على الحماية

الطفل خالد
سياق متصل

طفل فلسطيني يروي لحظات قتل قوات الاحتلال لوالديه وشقيقيه

طفل فلسطيني يروي تفاصيل قتل عائلته برصاص الاحتلال في طمون، بعدما أطلق الجنود النار على السيارة أثناء عودتهم من التسوق

الجزائر
رياضة

عن الليلة التي أرعب فيها صائمو الجزائر منتخب ألمانيا

كيف تحولت موقعة الجزائر وألمانيا في مونديال 2014 من هزيمة إلى انتصار معنوي خالد؟

بعثت
رياضة

كيف قلبت الحرب الرياضة الإيرانية رأسًا على عقب؟

تسبب العدوان بتدمير عدد من الملاعب والمنشآت، ما أدى إلى توقف النشاط الرياضي وتعطل مشاركات دولية لفرق ومنتخبات إيرانية

الصين والولايات المتحدة
سياق متصل

كيف استفادت الصين من الحرب على إيران؟

بينما تنشغل واشنطن بالحرب في الشرق الأوسط، تبدو بكين مستعدة لاستثمار اللحظة لتعزيز حضورها السياسي والعسكري في شرق آسيا