أزقة السياسة الثقافية

أزقة السياسة الثقافية

رودريغو دي ماتوس/ البرتغال

عندما نراقب المشهد الثقافي العام، والمشتغلين داخل إطار الصحافة الثقافية من جهة، وداخل أروقة الأوساط الثقافية من جهة أخرى، إضافة إلى الأفكار المتداولة بين المشتغلين في حقل الثقافة والأدب والفن؛ نجد أن هناك شريحة معينة من كتّاب وفنانين ومثقفين و"صحفيين" يعملون في الشأن الثقافي، لهم شؤون وقضايا يختصون فيها، ينبغي أن تكون، في الحالة الطبيعية هامشية، أي ألا تتعدى حدود المتن، أو لا تكون هي المتن ذاته.

أول درس يتعلمه الكاتب الطموح في عالمنا العربي بأن العمل في الصحافة "أكل عيش"

ولا نتكلم هنا عن كتّاب/ صحفيين، لهم تجارب مهمة، ويحتذى بها في الصحافة الثقافية، أو العمل في الحقل الثقافي بالشأن العام، بل عن نماذج شائعة، وتجارب تراوح مكانها، لا تُغرق الصحف والمواقع الإلكترونية التي تعنى بالشأن الثقافي إلا بـ"الأخبار العاجلة"، أو بأحداث ثقافية لا صلة لها بموضوع الثقافة، ولا ينتج عنها إلا مراكمة الفراغ. 

وإذا بدأنا بالحديث عن الكاتب/ الصحفي، لا يمكننا أن نُنكر حال الكاتب العربي وأزماته التي تبدأ منذ بداية قراره بأن يصبح كاتبًا، وبوجود مناخ ثقافي ملوث، لا يخلو من أشكال كثيرة من التبعية، ومن جانب آخر تحكمه قوانين يجب على الكاتب أن يتبعها للوصول للاعتراف به على أنه "كاتب" مبدئيًا. إذا كان لا يجيد العمل بأي مهنة غير الكتابة، أول مهنة سيعمل بها هي الصحافة، وعلى الأغلب سيتجه للعمل بالشأن الثقافي "صفحة ثقافية بجريدة، مجلة أدبية، موقع الكتروني.. إلخ"، من هذا المنطلق أول درس يتعلمه الكاتب الطموح في عالمنا العربي بأن العمل في الصحافة "أكل عيش"، وثاني درس يتعلمه هو أن العمل بالشأن الثقافي "وظيفة". 

وهكذا تُكرس أدوات هذا الكاتب منذ البداية للتبعية، تبعية خطاب ثقافي عفى عليه الزمن، وتبعية خطاب ثقافي "متنفس" تسمح به السلطة، وله سقف على الأغلب سيكون واطئًا ومتواطئًا. ويجب عليه أن يكون شخصًا متناقضًا، أي بمعنى إذا كان اختصاصه أن يكتب عن أعمال أدبية، وهو أديب يعمل في الصحافة، فسيكتب عن كل الروائيين المشهورين في أمريكا اللاتينية، إضافة إلى كتّاب حازوا على جائزة نوبل للآداب، أو في طريقهم إليها. 

أما عن الكتّاب العرب، فسيكتب فقط عن الكتّاب "النجوم"، وكتّاب في أحضان "السلطة"، وعمرهم بعمر السلطة الحاكمة أو أصغر قليلًا، لكن سيتحاشى أن يكتب عن كتّاب روائيين، يشقون الأنفس لتُقرأ أعمالهم، على الأغلب سيكون أكثرهم من زملائه وأصدقائه في الوسط الثقافي، لكن قد يمنعه للكتابة عنهم "الغيرة"، أو "لا يوجد مصالح مشتركة" وأعمالهم دائمًا في نظره، وفي نظر الكتّاب "المكرسين"، ما دون المستوى أو أنهم لم يتأثروا بالواقعية السحرية، وغابرييل غارسيا ماركيز، أو أنهم يقلدون الواقعية السحرية، وغابرييل غارسيا ماركيز!

يهاجم صحفي اليوم مجايليه من الكتاب لأنهم متأثرون بالواقعية السحرية، كما يهاجمهم لأنهم لم يتأثروا بها

أما بعض الصحافيين الذين يعملون في الصحافة الثقافية من غير الكتّاب، فهناك جزء كبير من الصحفيين العاملين في مؤسسات تنحصر جهودهم، في "تغطية" حفل ثقافي ما، وندوات، وكأنك تقرأ نشرة أخبارية على التلفاز، وليس مهمًا أن يكون للصحفي الذي كُلّف من قِبل مديره لتغطية حدث ما أيُّ وجهة نظر، أو رأي بالأفكار والنقاشات التي طُرحت في هذا الحدث، فتقريره الصحافي يقتصر على قول ما يلي: حضر الندوة الفلانية، الكاتب الفلاني، والمفكر الفلاني، والفنانة الفلانية، وقال فلان كذا وكذا و"يجب" علينا فعل كذا، أما الفنانة الفلانية فأشادت بدور المفكر الفلاني في تطوير الخطاب الثقافي الحداثي، وأهم خاتمة يجب على الصحافي أن يذكرها بتقريره، يجب أن تبدأ بـ"والجدير بالذكر!".

والصحافي الفريد من نوعه، والذي يعتبر نفسه مميزًا، وهو نموذج الصحفي المولع بكل الكتّاب والأدباء المشهورين، وهو نموذج الصحفي "الفيسبوكي"، نسبة إلى نشاطه في صفحة التواصل الاجتماعي "الفيسبوك"، ومن هذا النموذج هناك نوعان، النموذج الرديء جدًا، يراقب كل الصفحات الخاصة بالكتّاب، وما أن يكتب أحد هؤلاء على صفحته الشخصية "بوست"، يتعلق برأيه السياسي تجاه بلد عربي ما، أو تجاه نظام استبدادي ما، أو أي شيء يمكن أن يكتبه الكاتب من باب "التنفيس"، حتى يذهب هذا الصحفي "الشاطر"، ويكتب في الجريدة أو الموقع الإلكتروني الذي يعمل فيه، صرّح الكاتب الفلاني على صفحته الشخصية على "الفيسبوك" كذا وكذا وأنه ضد النظام الفلاني.. إلخ. 

أما النموذج الثاني فيكاد يكون أرحم قليلًا، فهذا النموذج يعرف "من أين تؤكل الكتف!"، تراه مثلًا يحمل بيده الشمال كتابًا لروائيٍ معروف، ويده اليمنى على أزرار كيبورد حاسوبه، وتبدأ القصة من بداية شراءه للرواية، سيكتب على حائطه العظيم مثلًا، وأخيرًا اقتنيت هذه الرواية، مع إضافة صورة لغلاف الرواية، وسمايل أصفر مندهش، بعد ساعتين اقتباس لحكم من الرواية، ويومين تقريبًا، سيقول الرواية متمردة على كل أشكال السرد الكلاسيكية مثلاً.. إلخ.  

وإذا قرر هذا الصحفي إجراء حوار مع هذا الكاتب العظيم، وهذا أهم أمر جيد، ومثمر على أية حال، نفاجأ أن الأسئلة الموجهة للكاتب مقتصرة على تفكيره مثلاً بالجوائز الأدبية، أو طقوس الكتابة، أو نوعية الغذاء الذي يتبعه، والمقهى الذي يجلس به، أي معرفة الأسرار التي نتج عنها هذا الكاتب الخارق، وبالطبع سننسى أمر الرواية العظيمة، التي كانت سببًا لكل هذا الحوار.