أريد أن أبني كنيسة

أريد أن أبني كنيسة

مجموعة من المسيحيين المصريين أثناء حضورهم قداس يوم 24 يوليو عام 2016 على أنقاض كنيسة قد تم حرقها قبل بضعة أشهر خلال اشتباكات في إحدى قرى محافظة المنيا Photo credit should read KHALED DESOUKI/AFP/Getty Images

حين أكد أحدهم بأن ما يجري في مصر "اضطهاد ديني" وليست فتنة طائفية كان عليه أن يشرح وجهة نظره. قال: "الدولة انتدبت كيانًا وهميًا اسمه (بيت العائلة) بمشايخه وكهنته وكبار عائلاته في الصعيد لفض الاشتباكات الطائفية بـ(قعدات عرب) تخنق الورم ولا تداويه، تؤجل الانفجار ولا تمنعه، تتعامل مع ما يجري باعتباره فتنة، وليس اضطهادًا دينيًا ضد الأقباط، والتعامل (الهيّن) يمنح رخصة وموافقة وتحريض على سحق الكنائس وقتل الكهنة، وسحل أي مسيحي، وأي مُدافع عن حق أي مسيحي في استمرار حياته ومسيرته الإنسانيّة".

الاضطهاد في مصر يطول الجميع، ليس منهجيًا ولا غشيمًا من النوعية التي تجبر دول الحرية، أو التي تدّعي الحرية، على قبول اللجوء الديني للمسيحيين، لا تحرِّض عليه الحكومة أو أجهزة الدولة، ولكن تسمح به، وتساعد على اشتعاله وسط كتائب بلطجيّة وهمج لا يرفضون فقط أن تبنى كنيسة، ولكن يولد غضبهم من الاختلاف معهم (وعنهم) في أبسط التفاصيل.

ستقول: ولماذا تترك الحكومة الأقباط فريسة تقع في شباك الصياد الجاهز الذي يقدم حياته فداء لدين لا يعرفه ولم يقرأ عنه ولا منه آية تحرض على قتل النفس، التي حرَّم الله مسّها.

سأختلف معك في لفظ "أقباط"، الذي اخترعه المصريون لاحتواء المسيحيين، وإثبات أنه لا فرق بين مسلم ومسيحي في مصر، وكلنا إخوة في الوطن، في حين أن هناك مسلمين على استعداد لقتلك إذا صليت (أو صلَّبت) على أرض غير مخصصة للصلاة!

ثم إن الحكومة تريد الخلاص منهم، ومن مشاكلهم وقضاياهم التي لا تنتهي، وتترك لطرف آخر مهمة تأديبهم. هي عملية إذلال تستحق تحليلًا (نفسيًّا سياسيًّا).

اقرأ/ي أيضًا: تعددية الأحوال الشخصية.. درب السلامة يا مصر

وحين ينهار المسيحيون الانهيار الكامل يتدخَّل الرئيس، أي رئيس، لاحتضانهم. لأنه هو الوحيد الذي يضعهم على دماغه، وفي قلبه، بينما المسلمون والأجهزة الأمنيّة وكل من له نبيّ آخر يصلي عليه على استعداد لسحقهم في أقرب "خناقة" كما تصوّؤ الأمور.

من يتعامل مع اضطهاد المسيحيين باعتباره ظرفًا طارئًا، وجديًاد، والمسلمون -وحدهم- المتورِّطون فيه، عليه أن يقرأ قصة طارق عميرة، المنشورة قبل ثورة 25 يناير بقليل، وتحمل عنوان "أريد أن أبني كنيسة".

ما الذي جرى لـ"مايكل" الذي فكَّر أن يبني كنيسة؟
قبل أن يبتعد عن منزله بخطوات مزق أذنيه صوت صرير سيارة توقفت فجأة وهبط منها رجلان سارعا بالالتفاف حوله ولم يستطع مقاومتهم. حين وضعوه في السيارة، رأى أمامه شخصين آخرين، خيّل إليه أنه يسمع صوت ضحكة والده من داخل منزل قبل أن تفقد كل حواسه عملها، إثر ضربة عنيفة على مؤخرة رأسه.

وحين أفاق وجد نفسه مقيدًا إلى أحد المقاعد، فتح عينيه فوجدهما تريان، كان يقف أمامه شاويش ضخم، كان مندهشًا لأن هذا هو الشاويش الأول الذي يراه في حياته بلا شارب.
كان يشتم وهو ينظر إليه ويقول:
-فتحتي يا روح أمك.
الشاويش يكلمه بصيغة المؤنث وهو لا يعلم سببًا لذلك، ولولا أنه الوحيد الموجود لما فهم أنه المعنيّ بالحديث، شيء آخر جعله يدرك أنه المقصود، حين فوجئ بقبضة سخية ترتطم بفكه، شعر بالغيظ، ألم الغيظ كبير جدًا مقارنة بالألم العادي خاصة أنه مقيد، للحظات لم يستطع الحديث، ولم يدرك ماذا يقول.

-عايزة تبني كنيسة يا روح أمك!
تساءل مايكل في أعماقه هؤلاء يقتلون الشيوخ والملتحين ويعتقلونهم بتهمة يعرفها الجميع هي إسلاميتهم، ويعترضون على بناء كنيسة!

مع اللكمة الأخيرة سمع مايكل الشاويش يقول:
-شفت فيلم إحنا بتوع الأتوبيس؟

اقرأ/ي أيضًا: بابا الشعب أم بابا الأنظمة؟!

دوار يكتنفه فلا يعرف أين يقف الشاويش.
لكمة أخرى.
-ما تردي يا روح أمك!
بنبرة أثقلها الدوار، قال مايكل الذي رأى الفيلم:
-لا.
لكمة أخرى.
-خسارة أصل عادل إمام عمل فيه عجين الفلاحة، إنتي هتعملي إللي أسود من كده يا روح أمك!

ستقول إنها قصة لا تتعدَّى خيال المؤلف، الذي دخَّن سيجارة، وجلس يكتب عن أوهامه، لكن ما قرأته حقيقي، كان يحدث في مصر قبل الثورة، وربما حدث بعدها، وسيحدث هنا إلى ما شاء الله.

وسيكون مصير كل "مايكل" يريد أن يبني كنيسة الزنزانة والحبس الانفرادي والضرب واللكم، والشاويش، الذي كان اسمه -بالمناسبة- عبد المحسن، وفي قصة أخرى "حاتم"، الضلع الأهم في عملية إذلال الشخصية المصرية (التي تبدأ بصيغة المؤنث وتنتهي بهتك العرض أحيانًا!)، سواء كان مسلمًا أو مسيحيًا، ولا يستهدف "مايكل" فقط إنما يطول بقبضته الغشيمة "الشيوخ والملتحين والملحدين" أيضًا.

نهاية "مايكل" هي نهاية كل قصص بناء الكنائس، أو الرغبة "المذبوحة" في بناء الكنائس، إلا أن هذا هو الواقع الذى يعيشه مسيحيون كثر في مصر للأسف.

اقرأ/ي أيضًا:

العنف الطائفي في مصر.. تاريخ متجدد من الاشتعال

16 حادثًا طائفيًا في مصر بعد الثورة