أريتريا وإثيوبيا على حافّة الحرب
15 مارس 2025
توشك إريتريا وإثيوبيا على الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة، بعدما رفعت كلتاهما مستوى الاستعدادات العسكرية إلى أقصى حد. فقد أصدرت أسمرا قرارًا بالتعبئة العسكرية الشاملة في جميع أنحاء البلاد، وهو ما قابلته أديس أبابا بنشر قواتها على طول الحدود مع إريتريا.
وفي حال اندلاع حرب شاملة بين الجارين اللدودين، فقد يشكّل ذلك "ضربة قاضية" للتقارب التاريخي الذي أرساه اتفاق عام 2018 بين الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.
يُذكر أن آبي أحمد حاز على جائزة نوبل للسلام عام 2019 تقديرًا لدوره في توقيع ذلك الاتفاق، الذي أنهى قرابة عقدين من القطيعة وحالة "اللّاسلم واللّاحرب" بين البلدين. غير أن الزعيمين، وفقًا لما نقلته وكالة "رويترز" للأنباء، يخاطران اليوم بإشعال أزمة إنسانية جديدة في منطقة القرن الإفريقي المضطربة أصلًا، إذا اختارا اللجوء إلى المواجهة العسكرية بدلًا من الحوار.
وقّعت أريتريا اتفاقيةً أمنية مع مصر والصومال، اعتُبرت على نطاق واسع، أنها تهدف إلى مواجهة طموحات إثيوبيا التوسعية المحتملة.
منطقة تيغراي كلمة السر في التصعيد الحالي:
اندلعت بين عامي 2020 و2022 حربٌ أهلية في إثيوبيا، وكانت منطقة تيغراي الواقعة شمال البلاد مسرحها الرئيسي. وأسفرت تلك الحرب عن مقتل مئات الآلاف، قبل أن تضع أوزارها بتوقيع إثيوبيا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي اتفاق سلامٍ في بريتوريا، عاصمة جنوب إفريقيا، في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، برعاية الاتحاد الإفريقي.
اعتبرت إريتريا أنها تعرضت لطعنة غادرة من طرف إثيوبيا، بالنظر إلى استثنائها من المفاوضات التي أدت إلى الاتفاق، رغم أنّ أسمرا أرسلت قواتها عبر الحدود أثناء الحرب لمساندة الجيش الإثيوبي ضدّ المتمردين التيغراي.
تعرضت العلاقات الإثيوبية-الإريترية لنكسة بسبب الاتفاق بين أديس أبابا وجبهة تحرير تيغراي. ومع انقسام الجبهة إلى طرفين، انحاز أحدهما إلى إريتريا، فيما بقي الجناح الثاني مع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، ما زاد من مخاطر التصعيد والمواجهة، خاصةً أن الجناح المحسوب على أسمرا استولى هذا الأسبوع على مدينة أديغرات، متهمًا السلطات الحاكمة بخيانة مصالح تيغراي. وفي المقابل، تتهم الإدارة المؤقتة المنشقين بالتعاون مع إريتريا.
ويرى متابعون لشؤون منطقة القرن الإفريقي أن المواجهة بين الفرقاء التيغراي قد تؤدي إلى دعم إثيوبيا وإريتريا للمعسكرين المتنافسين في الإقليم، مما قد ينتهي بمواجهة مباشرة بين الدولتين، لا سيما أن إريتريا أصدرت أمرًا بالتعبئة العسكرية على مستوى البلاد في منتصف شباط/فبراير، فيما نشرت إثيوبيا قواتها باتجاه الحدود الإريترية، وفقًا لما نقلته وكالة رويترز عن مصادر دبلوماسية ومسؤولين من تيغراي.
العلاقات الإثيوبية-الإريترية:
قامت إثيوبيا عام 1962 بضم إريتريا، وبعد ثلاثة عقود من الصراع المسلّح بقيادة أسياس أفورقي، تمكنت إريتريا من نيل استقلالها عن أديس أبابا عام 1993.
يشار إلى أنّ الرئيس الإريتري أسياس أفورقي قدّم دعمًا للمتمردين التيغراي في الإطاحة بالحاكم العسكري لإثيوبيا آنذاك، منغستو هيلا مريم، عام 1991.
حافظ البلدان طيلة خمس سنوات بعد الاستقلال على علاقات ودية، لكن النزاع بين أسمرا وأديس أبابا على ملكية مدينة بادمي أدى إلى اندلاع حرب بين البلدين عام 1998، وأسفرت خلال عامين فقط عن مقتل حوالي 80 ألف شخص.
ظلت الدولتان بعدها في حالة من اللاسلم واللاحرب، مع قطع جميع روابط النقل والاتصالات، حتى عام 2018، عندما اتفق الرئيس أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي المُعين حديثًا آنذاك، آبي أحمد، على تطبيع العلاقات الدبلوماسية وإعادة بناء العلاقات الاقتصادية. وبموجب الاتفاق، تمّ لمّ شمل العائلات التي انقطعت صلتها لعقدين من الزمن، وجرى تسيير رحلات جوية مباشرة بين العاصمتين أديس أبابا وأسمرا، كما تعهّد الطرفان بتطوير موانئ إريتريا بشكل مشترك.
منعطف جديد:
مع نهاية حرب تيغراي عام 2022، اتخذت العلاقات الإريترية-الإثيوبية منعطفًا جديدًا، إذ لم تكن إريتريا راضية عن استبعادها من مسار الاتفاقية التي سمحت لجبهة تحرير شعب تيغراي، التي خاضت إريتريا ضدّها الحرب، بحكم منطقة تيغراي.
وكاحتجاج على الاتفاقية، أبقى الجيش الإريتري بعض قواته على الأراضي الإثيوبية، رغم أن الاتفاق الموقع في بريتوريا، برعاية الاتحاد الإفريقي، يدعو إلى انسحاب جميع القوات الأجنبية.
ومع تعبير إثيوبيا عن رغبتها المستمرة في الحصول على منفذ بحري، تزايدت شكوك إريتريا الواقعة على البحر الأحمر، بأنّ أديس أبابا تخطط لعملٍ عسكري ضدّها، وهو ما كان أحد العوامل المفسرة للتعبئة العسكرية الشاملة التي دعت إليها أسمرا.
وفي أيلول/سبتمبر الماضي، علّقت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى إريتريا، وفي الشهر التالي وقّعت أسمرا اتفاقيةً أمنية مع مصر والصومال، اعتُبرت على نطاق واسع خطوة تهدف إلى مواجهة طموحات إثيوبيا التوسعية المحتملة.