أرشيفنا الثقافي: جماعة كركوك

أرشيفنا الثقافي: جماعة كركوك

سركون بولص، صلاح فائق، فاضل العزاوي (ألترا صوت)

ألترا صوت - فريق التحرير

هذه المساحة مخصصة، كل أربعاء، لأرشيف الثقافة والفن، لكل ما جرى في أزمنة سابقة من معارك أدبية وفنية وفكرية، ولكل ما دار من سجالات وأسئلة في مختلف المجالات، ولكل ما مثّل صدوره حدثًا سواء في الكتب أو المجلات أو الصحف، لكل ذلك كي نقول إن زمن الفن والفكر والأدب زمن واحد، مستمر دون انقطاع.


في منتصف ستينيات القرن الفائت، زمن السجالات الساخنة بين شعراء النثر والعمود والتفعيلة، ظهرت في العراق جماعة شعرية فريدة من نوعها حملت اسم "جماعة كركوك"، وضمت مجموعة من رواد قصيدة النثر العراقية والعربية، وهم: سركون بولص، فاضل العزاوي، مؤيد الراوي، جان دمو، صلاح فائق، وغيره.

أثرت الهوية الثقافية المفتوحة لمدينة كركوك الجماعة التي حملت اسمها، ونزعت عن أفرادها هوياتهم الضيقة، ومنحتهم هويتها المفتوحة

تُعتبر "جماعة كركوك" واحدة من أبرز التيارات الشعرية داخل العراق وخارجه أيضًا، خاصةً أنها جمعت أصحاب التجارب الأكثر فرادة في المشهد الشعري العراقي، ومعظمهم كان يتقن اللغة الإنجليزية، الأمر الذي أتاح لهم الاطلاع على المنجز الشعري العالمي، وتوظيفه في مشروعهم الذي بدا متأثرًا في جانبٍ منه بالتجارب الشعرية الغربية، التي نقل بعض أعضاء الجماعة جزءًا مهمًا منها إلى اللغة العربية.

اقرأ/ي أيضًا: أرشيفنا الثقافي: حين رفض صنع الله إبراهيم جائزة "ملتقى القاهرة"

أشار الشاعر العراقي الراحل سركون بولص، أحد أبرز أفراد "جماعة كركوك"، في أحد حواراته إلى أن اهتمام شعراء كركوك بقصيدة النثر يعود إلى كون هذه المدينة متنوعة، "فكركوك مدينة عريقة غربية التركيب، من حيث الأجواء الاجتماعية، ومن حيث الأقوام التي تسكن فيها، ومن حيث إن المدينة منبع إنساني متنوع اللون والشكل". 

وحول الاسم الذي تحمله الجماعة، يقول الكاتب العراقي فاروق مصطفى: "إن جماعة كركوك لا تعني أن رابطة أو جمعية جمعت أصحاب تلك الأسماء، إلا أن شيئًا من هذا لم يحصل وشيوع مصطلح "جماعة كركوك" يعود إلى أمرين رئيسيين: أولهما أنهم ينتسبون إلى مدينة كركوك وثمة وشائج ود وصحبة طيبة تجمعهم، وثانيهما يرجع إلى محاولتهم تجديد الأدب العراقي وتحديثه وقد أثبت بعضهم الجدارة في هذا المضمار".

ويصف الكاهن يوسف سعيد أعضاء الجماعة الذين كان يستضيفهم في كنيسته بقوله: "أغرب ظاهرة في هؤلاء أنهم كرسوا حياتهم تمامًا للثقافة والشعر، يعيشون بزهد، بلا طموحات مادية أو وظيفية، وبقوا هكذا حتى الآن. ما يدهش هو أن هؤلاء جميعًا، حين التحقت بهم، كانوا في قلب الثقافة العالمية، يبحثون عن الجديد. وأحدهم يحمل اكتشافه للآخرين من دون أن يفصلهم أي انتماء ديني أو قومي أو سياسي". 

ضمت "جماعة كركوك" مجموعة من رواد قصيدة النثر العراقية والعربية، مثل سركون بولص، وفاضل العزاوي، وصلاح فائق، وغيره

أما الناقد العراقي عبد الله إبراهيم، فيقول في وصف هذه الجماعة: "فحال كركوك وسم الجماعات الأدبية فيها بهويتها الثقافية المفتوحة عرقيًا ودينيًا وثقافيًا، وهو ما يندر توافره في المدن العراقية الأخرى حيث يسود شبه صفاء عرقي أو ديني أو لغوي". 

اقرأ/ي أيضًا: أرشيفنا الثقافي: حين امتنع محمد عابد الجابري عن مساجلة جورج طرابيشي

ويضيف إبراهيم في أحد حواراته: "وحينما نتحدث عن تلك التنوعات في كركوك فإنما لأنها أثرت الجماعة وأغنتها، فالتقى أفرادها في منطقة المشتركات الكبرى حيث نزعت عنهم هوياتهم الضيقة، ومنحتهم هويتها المفتوحة، فجعلتهم ينتمون إلى هوية ثقافية مركّبة تتداخل فيها أطياف المدينة بأجمعها، وذلك هو الذي جعل الأدب الذي كتبه أدباء كركوك يتنزّه عن التعصب والتطرف والعنصرية، فلا وجود لنبرات التعالي أو الشعور بالدونية في وسط جماعة تتحدر من خلفيات متنوعة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

أرشيفنا الثقافي: النقاش العربي حول صهيونية فرانز كافكا

أرشيفنا الثقافي: زيارة وفد "البرلمان العالمي للكتّاب" إلى فلسطين