أرشيفنا الثقافي: النقاش العربي حول صهيونية فرانز كافكا

أرشيفنا الثقافي: النقاش العربي حول صهيونية فرانز كافكا

الكاتب التشيكي فرانز كافكا (ألترا صوت)

ألترا صوت - فريق التحرير

هذه المساحة مخصصة، كل أربعاء، لأرشيف الثقافة والفن، لكل ما جرى في أزمنة سابقة من معارك أدبية وفنية وفكرية، ولكل ما دار من سجالات وأسئلة في مختلف المجالات، ولكل ما مثّل صدوره حدثًا سواء في الكتب أو المجلات أو الصحف، لكل ذلك كي نقول إن زمن الفن والفكر والأدب زمن واحد، مستمر دون انقطاع.


نشرت مجلة "اﻵداب" اللبنانية، في آذار/ مارس 1971، مقالة للشاعر العراقي أنور الغساني بعنوان "هل كان كافكا صهيونيًا؟". وفيها، عبّر الكاتب عن استغرابه من انصراف الصحافة العربية عمومًا، والثقافية منها خصوصًا، عن مناقشة هذه المسألة، والوقوف على حقيقة ما إذا كان الكاتب التشيكي فرانز كافكا، ذو اﻷصول اليهودية، صهيونيًا. 

يُعتبر نقاش المثقفين العرب حول صهيونية فرانز كافكا، من بين أكثر المعارك اﻷدبية والسياسية فرادة في المشهد الثقافي العربي

أشار الغساني في مقالته إلى أن ما جاء في بعض يوميات كافكا ورسائله، يبيِّن أن موقفه من الصهيونية كان متأرجًا بين النقد واﻹعجاب. وهذا ينطبق أيضًا، بحسب الشاعر العراقي، على موقفه من المسألة اليهودية عمومًا. يقول في مقالته: "إننا بالتأكيد أمام حالة شيزوفرينيا نموذجية خاصة بالكاتب في المجتمع البرجوازي، حيث يصبح من غير الممكن وصوله إلى موقف موحد عام (...) إن كافكا لم يستطع أن يتخذ موقف ذاتي غير مضطرب من المسألة اليهودية على الرغم من أن المسألة اليهودية كانت يومئذ تقف أمام حلين: اﻷول، حل صهيوني تروج له المنظمة الصهيونية ويقضي بالسيطرة على أرض أخرى، ودفع اليهود في كل أنحاء العالم إلى الهجرة إليها واستعمارها (...) الحل الثاني، هو الحل الماركسي القاضي باعتبار المسألة اليهودية في كل بلد جزء من قضية الشعب العامة، ونزع الطابع القومي الذي تسعى الصهيونية بشوفينيتها المعروفة إلى تثبيته، عنها". 

اقرأ/ي أيضًا: أرشيفنا الثقافي: زيارة وفد "البرلمان العالمي للكتّاب" إلى فلسطين

ويضيف الكاتب العراقي حول المدعو ماكس برود، صديق كافكا، ودوره في تصوير اﻷخير بصفته يهوديًا وعى الصهيونية بعمق، ولم يتخذها واجهة شكلية، أن: "حجج برود يجب أن تمتحن بدقة، فهناك احتمال قوي أن يفسِّر برود كل ما قاله كافكا وفق ما يراه، ليخرج به في النهاية صهيونيًا كاملًا أو صهيونيًا غلب على أمره". 

لا يضع أنور الغساني إجابة واضحة وحاسمة على السؤال الذي عنون به مقالته، التي تُعتبر الشرارة اﻷولى للنقاش العربي حول صهيونية كافكا الذي بدأ مطلع سبعينيات القرن الفائت وتواصل حتى أواخر تسعينياته. بل إنه، وعلى عكس الكثير من الكتّاب الذين تطرقوا إلى هذه المسألة، حرص على أخذ جميع الاحتمالات بعين الاعتبار، بما فيها أن يكون موقف كافكا من الصهيونية مختلقًا. وهذا بالضبط ما سعى الشاعر العراقي الراحل سعدي يوسف إلى نفيه، حين قام بترجمة أجزاء من كتاب المدعو غوستاف يانوش "كافكا قال لي" إلى اللغة العربية، ونشرها في مجلة " اﻷقلام" العراقية عام 1972.

وعلى الرغم من أن الكتاب مشكوكٌ في صحة ما جاء فيه، ويُعتبر من أكثر الكتب اﻹشكالية حول كافكا، إلا أن الشاعر العراقي استند إلى مضمونه لحسم هذه المسألة في مقدمته، التي اعتبر فيها أنت كافكا كان كاتبًا صهيونيًا خالصًا، وأن ترجمة أعماله إلى اللغة العربية ليست سوى خيانة، ومحاولات خبيثة للانحراف باﻷدب العربي عن مساره الصحيح. 

افتتح سعدي يوسف بموقفه مرحلة جديدة من النقاش حول صهيونية كافكا. ففي نيسان/ أبريل 1974، نشرت مجلة "الموقف اﻷدبي" السورية دراسة للكاتبان الفلسطينيان فيصل دراج ومحمود موعد، بعنوان "محاولة قراءة في الفكر السياسي لكافكا"، وهي عبارة عن محاولة لتحديد موقف الكاتب التشيكي السياسي من الصهيونية عبر تحليل قصة "بنات آوى وعرب"، التي اعتبرها الكاتبان رمزًا لـ "المسار المتعرج للعقيدة الصهيونية في نضالها لاغتصاب فلسطين"، وأنها تصوِّر اليهود والعرب بشكلٍ يتماهى مع اﻷيديولوجية الصهيونية، اﻷمر الذي يحسم، بحسب رأيهما، النقاش حول ما إذا كان كافكا صهيونيًا. 

ساهمت دراسة فيصل دراج ومحمود موعد في إطالة أمد النقاش، الذي احتدم بعد نشر مجلة "اﻷقلام"، أواخر عام 1979، مقالة للكاتب العراقي كاظم سعد الدين بعنوان "حل رموز كافكا الصهيونية"، اعتبر فيها أن: "عالم كافكا هو عالم الصهيونية الضيّق، وهو ليس عالمنا جميعًا. فكما سعت الصهيونية إلى إحاطة أهدافها بجو كثيف من الضباب، كذلك فعل كافكا". 

استدعت مقالة كاظم سعد الدين ردًا من مواطنته بديعة أمين التي شككت، في مقالة لها نُشرت في مجلة "اﻷقلام" في العام نفسه، في صحة ما جاء في "حل رموز كافكا الصهيونية". قبل أن تذهب الكاتبة العراقية فيما بعد، إلى تقديم مؤلَّف كامل بعنوان "هل يبنغي إحراق كافكا؟"، فندت فيه بالدراسة والتحليل والاستشهاد آراء الكتّاب العرب واﻷجانب الذين اعتبروا كافكا صهيونيًا، وأكدت عبره أيضًا عدم صحة هذه المقولات، نافيةً وجود أي دعوة إلى الصهيونية في كتاباته. 

في عام 1983، نشرت مجلة "اﻷقلام" مقالة جديدة لكاظم سعد الدين بعنوان "أي حقيقة تلك التي يبحث عنها كافكا؟"، أكد فيها ، ردًا على بديعة أمين أن: "كافكا في أعماله اﻷدبية لا يختلف عن أي صهيوني". ثم أتبعها عام 1985 بمقالة أخرى حملت عنوان "كافكا.. حقائق أخرى"، تمسك فيها بجميع ما جاء في مقالاته السابقة. 

نشر كاظم سعد الدين مقالاته اﻷخيرة بعد نشر مجلة "المعرفة" السورية، في عام 1982، ملفًا خاصًا ضم ثلاث دراسات لكلٍ من صلاح حاتم، وواسيني اﻷعرج. حيث قدّم اﻷول ترجمة جديدة من اﻷلمانية لقصة "بنات آوى وعرب"، التي علّق عليها بشرحٍ مطوّل. باﻹضافة إلى دراسة حملت عنوان "أضواء على موقف كافكا من اليهودية والصهيونية". بينما قدّم واسيني اﻷعرج دراسة بعنوان "فرانز كافكا.. ذلك المتهم البريء". 

اعتبر الشاعر العراقي الراحل سعدي يوسف أن كافكا كان كاتبًا صهيونيًا، وأن ترجمة أعماله إلى اللغة العربية ليست سوى خيانة

وحول مجمل النقاش وأهم ما جاء فيه، كتب أستاذ اﻷدب اﻷلماني في "جامعة دمشق" عبده عبود، مقالة نُشرت في مجلة "المعرفة" عام 1987 تحت عنوان "أين تقع أرض كنعان؟ النقاش العربي حول صهيونية كافكا"، قدّم فيها نقدًا أكاديميًا لجميع المقالات والدراسات السابقة. قبل أن يعود بمقالة جديدة نُشرت في مجلة "اﻵداب" اللبنانية عام 1995 تحت عنوان "كافكا عربيًا بين مطرقة السياسة وسندان اللغة الوسيطة". تبعها في العام التالي مقالة نُشرت في المجلة نفسها بعنوان "كافكا ومحاولات التجيير الصهيونية". وفي جميع هذه المقالات، رفض عبده عبود اتهام كافكا بالصهيونية. وهو ما رفضه أيضًا المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري في مقالته "الهوية اليهودية لفرانز كافكا"، التي نُشرت في مجلة "الهلال" عام 1992، ونفى فيها أن تكون لكتابات صاحب "القلعة" أي رسائل أيديولوجية. 

اقرأ/ي أيضًا: أرشيفنا الثقافي: تعرّف على أبرز العناوين التي صدرت في "سلسلة روايات عالمية"

يُعتبر نقاش المثقفين العرب حول صهيونية فرانز كافكا، من بين أكثر المعارك اﻷدبية والسياسية فرادة في المشهد الثقافي العربي لأسبابٍ عديدة، منها مشاركة عدد كبير من الكتّاب والمثقفين العرب، على اختلاف توجهاتهم وخلفياتهم الفكرية والسياسية، في هذا السجال الذي يعتبره البعض سياسيًا وأيديولوجيًا أكثر من كونه أدبيًا. باﻹضافة إلى الظروف السياسية التي دار هذا النقاش في ظلها، وهي الصراع العربي - اﻹسرائيلي، وتداعيات هزيمة حزيران/ يونيو 1967، والحرب الباردة

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتاب "كافكا عربيًّا".. حين رأى طه حسين كافكا حفيدًا أدبيًّا للمعرّي

إيفان كليما: الهاوية التي سقط فيها كافكا تشبه الهاوية التي ننحدر فيها