أربع مقاربات عربية للحرب على إيران وما بعدها
9 مارس 2026
ما العدسات التي ينظر من خلالها العرب، دولًا وشعوبًا، إلى الحرب الجارية التي لم تعد تكتفي باتخاذ إيران مسرحًا لها؟ وما الخرائط الفكرية التي يرسمونها من أجل فهمها؟ ومن ثم أية نتائج تلك التي يخلصون إليها بشأن مستقبل المنطقة؟
يمتد النقاش في العالم العربي إلى ما تعنيه هذه الحرب لمستقبل المنطقة بأسرها، ولا يقتصر على التطورات الميدانية وحدها. فمن شأن الحرب، بما تحمله من أبعاد دولية وإقليمية متشابكة، أنها تعيد فتح أسئلة قديمة جديدة حول ميزان قوى المنطقة وموقع العرب منها، لا سيما في ظل الحديث عن ترتيبات إقليمية مغايرة لما عرفته المنطقة خلال مدة طويلة.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يمكن رصد أربعة اتجاهات فكرية رئيسية تحاول تفسير ما يجري وتقدير مآلاته، واتخاذ الموقف المناسب بناء على ذلك.
أول هذه الاتجاهات هو ذلك الذي ينطلق من الخشية من تحول الحرب إلى استنزاف مديد يهدد الاستقرار، خصوصًا في دول الخليج. ومن هذا المنطلق يرى أصحاب هذه القراءة أن الأولوية ينبغي أن تكون لوقف الحرب، قبل توسّع دوائرها وتحولها إلى كارثة سيتعثر احتوائها بعد اشتدادها.
يظهر هذا المنطق في تحليلات يشير أصحابها إلى الجهود الدبلوماسية لفتح قنوات تفاوض بين واشنطن وطهران. ووفق هذا التصور، من شأن وقف الحرب، في مراحلها المبكرة، إلى انكفاء المشروع الإقليمي الإيراني، بسبب التركيز على معالجة الأزمات الداخلية، سياسيًا واقتصاديًا، بعد الفاتورة الكبيرة التي دفعتها إيران حتى الآن.
يرى أصحاب هذه القراءة أن توقف الحرب من دون إسقاط النظام الإيراني يضع إسرائيل في موقف سياسي محرج نتيجة الفشل. يعكس هذا الاتجاه رؤية براغماتية تعتبر استمرار الحرب أخطر على استقرار المنطقة من نتائجها العسكرية المباشرة.
أما الاتجاه الثاني فيركّز على التحولات الجيوسياسية الأوسع التي قد تنتج عن الحرب، إذ تُقرأ المواجهة بوصفها جزءًا من عملية أوسع لإعادة ترتيب المنطقة. ووفق هذه القراءة، تبدو الحرب تحركًا استراتيجيًا أميركيًا إسرائيليًا لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بحيث تكون إسرائيل مركزه السياسي والأمني. يقابله تحليل يرى أن إضعاف إيران لا يؤدي بالضرورة إلى تثبيت هيمنة إسرائيل، لأنه قد يفتح المجال أمام بروز منافسين إقليميين جدد، وفي مقدمتهم تركيا التي قد تسعى إلى ملء جزء من الفراغ الاستراتيجي الذي قد ينشأ عن تراجع الدور الإيراني.
ومن هذا المنظور، لا تُقرأ الحرب بوصفها ستفضي إلى رسم خريطة سياسية محددة، فالتناقضات القائمة تجعل الرابحين أكثر من المتوقع.
في مقابل ذلك كله، يركّز الاتجاه الثالث على الخطر الإيراني بالنسبة للعالم العربي نفسه. وأصاب هذا المنظور يرون في اختزال الحرب في إطار صراع أميركي–إسرائيلي ضد إيران يقفز فوق حقيقة التهديد الذي مثّله المشروع الإيراني لعدد من الدول العربية، من خلال شبكات الميليشيات والصواريخ والوكلاء المنتشرين في أكثر من ساحة، من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن.
وبالنسبة لأصحاب هذا الاتجاه، يُسهم تقليص القدرات العسكرية الإيرانية في التخلص من أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في المنطقة خلال العقود الماضية.
تمثّل هذه القراءة موقفًا قويًا في الخطاب السياسي والإعلامي في عدد من الدول العربية التي عانت من إيران مباشرة، مثل العراق وسوريا ولبنان، أو التي كانت تحت تهديدات استراتيجية دائمة منها، كدول الخليج.
أما اتجاه رابع فيركّز على قدرة النظام الإيراني على الصمود في وجه كل ما يجري على الساحة، وتنطلق هذه القراءة من أن إسقاط نظام طهران ليس بالمهمة الهيّنة إطلاقًا، نظرًا لما بنته الدولة الإيرانية من شبكات متداخلة من المؤسسات الأمنية والدينية والسياسية، التي تمنحها قدرًا كبيرًا من القدرة على التماسك حتى في ظل الضغوط الخارجية، فخلال أكثر من أربعة عقود، بنت الجمهورية الإسلامية منظومة من مراكز القوة تشمل المؤسسة الدينية، والحرس الثوري، والبنية السياسية والاقتصادية المرتبطة بهما، وهو ما يجعل سقوط النظام نتيجة ضربة عسكرية مباشرة احتمالًا غير مرجح. وقد ظهر هذا التقدير أيضًا في بعض التحليلات الأكاديمية والتقارير الاستخباراتية الغربية التي ذهبت إلى أن الحروب الخارجية غالبًا ما تؤدي، على عكس المرجو منها، إلى تعزيز تماسك الأنظمة السياسية المستهدفة، لما يجري من تعبئة للمجتمع حول خطاب التهديد الخارجي.
الحرب، بحسب الاتجاهات الأربعة، هي صراع تصورات أيضًا، بمقدار ما هي صراع عسكري وأمني.
لن تُقاس النتائج النهائية بحجم الدمار، ولا بهوية المنتصر في الميدان، إنما بمدى قدرة كل من هذه التصورات على التحول إلى واقع سياسي جديد. فنحن أمام واحدة من تلك اللحظات التاريخية التي تختلط فيها الحسابات الاستراتيجية الباردة بسرديات الهوية والنبوءات الدينية، وهنا، في مشهد على هذا الشكل من التشابك والتمازج، سيكون الرهان على التصور الذي سينجح في فرض نفسه فوق النيران والركام والدخان، كي يحدد ملامح العقود المقبلة، وليس على من يسقط وحسب، فعند هذه النقطة بالضبط يكمن السؤال العربي الأكثر أهمية وإلحاحًا: هل سيبقى العرب وبلدانهم مجرد ساحة صراع للمشاريع المتنافسة، أم سيتمكنون من تحويل هذه اللحظة المضطربة إلى فرصة لرسم موقعهم ودورهم في النظام الإقليمي الذي يتشكّل، الآن هنا، فوق ركام المدن وغبار البيوت ودماء الناس، وهي الكلفة التي دفعوها في كل مرة أُعيد فيها رسم خرائط القوة فيها؟
ولعل الجواب البسيط الذي يعرفه كل من يطرح ذلك السؤال أنه ما من شيء يُحدد موقع العرب في النظام المقبل إلا قدرتهم في أن يكونوا جزءًا من صياغته.