أربعة عشرَ وجهًا في "مكرو" مزّة جبل كراجات
23 فبراير 2026
عن منشورات المتوسط، صدرت في عام 2022 الطبعة الأولى من كتاب "أربعة عشر وجهًا حزينًا" للكاتبة والمحامية براءة الطرن، الحموية الأصل والمقيمة حاليًا في دمشق. يتألف الكتاب من 112 صفحة من القطع المتوسط، وقد عرفنا من خلاله وجوهًا لم نرها ولم نألفها، وربما لم يرها أحد غير الكاتبة.
اتخذت الكاتبة من أحد أكثر المواقع صخبًا وتنويعًا وعشوائية في دمشق، وهو موقف الباصات المعروف اختصارًا بـ"المكرو"، مسرحًا لدراسة تفاصيل حياة آلاف الوجوه التي قلّمتها الحرب، ثم فرزتها وصنفتها لتخرج منها بأربعة عشر وجهًا حزينًا وعشر نصوص.
تسترجع براءة ذكريات جدّها حين قامت خالتها وأمها التي لم تكن قد تجاوزت الخامسة عشر بالتعرف على جثته من شامةٍ أسفل عظم الترقوة، لم تعش الكاتبة هذه الحادثة لكنها سمعتها مرات ومرات كثيرة حتى شعرت كأنها ندبة في دمها.
الموت يتمشى بين الأسطر التي تسرد فيها الكاتبة قلقها المتزايد من أن تموتَ ولا يتعرف على جثتها أحد لعدم وجود علامة مميزة على وجهها، إلى أن جاء اليوم الذي سقطت فيه قذيفة هاون على حديقة بيتهم، أدت إلى ارتجاج في الأفكار الرئيسية، واهتزازُ مسّ ايمانها بجدوى الوجود، والحرب، ثوراتها على قوانين المنزل، واشغلها ألم الإصابة لتفكر كثيرًا وطويلًا لتنطلق بعدها باحثةً عمّن يشاركونها التشوه من خلال رحلاتها التي فاق عددها ألفان وخمسمائة بواسطة "المكرو" قامت بها براءة في خمس سنواتٍ من الحرب.
تأخذنا براءة في رحلة من عدة صفحات لتعرفنا على عالم "المكرو"، الذي يمثل لها المعرفة بتفاصيل الشقاء السوري اليومي الذي تريد توثيقه هنا، بكلمات بسيطة حادّة، تحفظ تمامًا لون وشكل الديكور الداخلي لكل "مكرو" يعمل على الخط، خط مزّة جبل كراجات.
الكراجات في نصوص براءة هي ساحة كراجات العباسيين، ثالث خلافة وثالث أكبر الساحات في دمشق، دمشق التي تصفها الكاتبة هنا بأنها أهانت العباسيين عن قصدٍ أو بدونه لتسميتها هذه الساحة باسمهم، ولارتباطها بشارع لا يحبّه أحد، كونه كان عقدةً لأهل دمشق اسمها القابون وصولًا لشارع الرئيس الذي وحّد السوريين يومًا ما، وبعد موته تم تكريمه بوضعه كحدودٍ بين عباسيي الكراجات وعباسيي الساحة.
لكراجات العباسيين وما تحتويه، وصفٌ صريح دقيق، تكتبُ براءة عنه فتتخيله أمامك، الفوضى سيدة المكان والزمان والبضاعة المأكولة وغير المأكولة، ومن على الرصيف الافتراضي تطرحُ وصفًا مختزلًا لمعاناة البلاد كطابورٍ ينتظر الانقضاض على كرسي في "المكرو" القادم، قائلة:"فترى الحزن على قفا رأسٍ متربعًا خارج المحاجر والمُقل.. الذعر والفقر والعجز، صفات البلاد المقبرة".
نقرأ ونشعر، لا بل نتخيل عمّتها التي رافقتها في رحلة "المكرو" نحو قصر العدل في المزّة، فتبوح الكاتبة بتفاصيل عائلية تتكشف لها للمرّة الأولى، فتدعونا، كقرّاء، ألا نحكم على عمتّها بالقسوة بسرعة، حيث أن لحديثها بقيّة.
**
تضعنا براءة في منتصف الفاجعة، تتركنا وتكمل سردها العفوي التفصيلي، وتُدهَشُ هي، ونحن أيضًا من قدرة العمّة على اكتشاف الأرامل الجدد، حين وقع نظرها على صبية شاحبة الوجه، هزيلة، عظامها بارزة، علامات فقر دم، وخيبة، تصفها بأنها نسخة عن كل السوريين بعد الحرب.
**
يروي المأساة من يعيشها..
هكذا إذًا نكمل القراءة مستعينين بمخطط ركاب "المكرو" الذي تفصله الكاتبة في النص الرابع، مذكرةً إيانا بأن الفضل يعود لتجربتها غير المكتملة مع عمّتها في الطريق إلى المزّة، مخطط تراه عند قراءته، المقعد صفر في "المكرو" لرب "المكرو"، السائق الذي لا شريك له في القيادة والسُباب، وإطلاق اللعنات على كل شيء يمشي، أو لا يمشي، وعبر الرحلات الألفان والخمسمائة، يختلف موديل "المكرو" بحسب بلد المنشأ وموديله، فالحظ حليف من يجلس على مقعدٍ حقيقي في رحلة عذابه، أمّا من عَصي وأذنب، فله الصفيحة الحديدية التي تغطي المحرك أحيانًا، ليجلس عليها كأنه في تمرين على عذاب يوم القيامة.
**
فوق حافّة عرضها ثلاث سنتمترات، وضعت الكاتبة نفسها داخل "المكرو" لتخرج من التقسيمة المألوفة، فلا رقم لمقعدها ولا وزن سوى وزنها الذي يضغطُ على ركبتيها، وأيضًا على أعصاب بعض الركاب الذين يحتلون مقاعد مرقمّة، ولضغطها أكثر أيضًا، قامت احدى النساء بدفعها عمدًا، امعانًا في احتلال مقعدها و تثبت أهميتها فتمارس فوقيتها ولو للحظات قليلة، قبل أن ينتبه أو يُنبه صاحب المقعد صفر، حول هذا الإشكال بين الركاب، الأرقام، المهمين والمهمشين كما تصف نفسها الكاتبة.
تحت الضغط هذا كلّه الذي يرافقه شعورُ المجذوم بين أصحّاء، يقفز سؤالٌ أكبر من "المكرو" وركابه وربّه أيضًا؛
ما هي قيمة المرء؟ وكيف يستحق أيٌّ كان أهمية أكثر من غيره في حيزٍ ضيقٍ كهذا؟
لجرأة براءة في البوح عن ذاتها تقديرٌ استثنائي، دون أي محاولة لتجميل ما تشعر به حتى لو كان باستخدام قلمَ "آي-لاينر" رفيع. لم يأخذها وقتٌ طويلٌ لتحوّل مسار السؤال الكبير أعلاه نحوه داخلها، ماضيها، لما قبل ولادتها أيضًا، تجلدُ ذاتها الجَنين، والحديثة الولادة، والطفلة، والفتاة، والصبية، وتجلدُ كل مرحلةٍ شعرت فيها بالنقص، لامت نفسها على عجلتها، والنظر إلى المرحلة التالية، أينما كانت.
لا تريدُ تعاطفًا من القارئ، هي فقط تحاول فهم ذاتها عن طريق سردِ عذاباتها اليومية لنا، تعترفُ أحيانًا بأنها قد كذبت لتأخذَ مكانًا ليسَ لها، وقطعة لحمٍ من طنجرة الفاصولياء قبل الآخرين، ترفعُ صوتها عاليًا أمام المارّة تسألهم عن السبب، لا تنتظرُ أحدًا ليجيب، بل تكمل رحلتها نحو مزّة جبل كراجات، سقفُ طموحها هبط كثيرًا ليصبح مقعدًا برقم، وأن تصيرَ ذاتَ قيمة، ولو لما تبقى من المسافة لآخر محطات المكرو.
*
أن تراقب ثلاثة وجوهٍ لا تبعد عنك إلا بضع سنتيمترات مع كل عوامل تشتيت الانتباه، الداخلية والخارجية، وأن تصبح حاسة الشم لديك آلة فصل الروائح المختلطة عن بعضها البعض لتربطَ بين كل رائحة وصاحبها، وكل محاولةٍ فاشلة تحتاج إلى البدء من جديد، وأن تتحمل كل ما يلمس فخذك وركبتك وخصرك وكتفك تحت بند "تحسيس مواصلات، ليس تحرّش"، ثم ان تحاول تفكيك وتجميع صفات الأغراب عن بعضهم ثم تكتبها، فإن ذلك أمرٌ شاق، لن يقدر عليه الجميع، وما فعلته براءة في النص السادس، كان كلّ ما سبق أعلاه وأكثر..
تخبرنا براءة أيضًا عن تجربتها الأولى في لقاء الأموات، جثمان جدتها الذي أجبرت على تقبيل جبينه وهي طفلة، رافقها في رحلات مكرو جبل كراجات، بعد تجربتها وهي ابنة تسعة أعوام لتدرس تعاليم الدين في مسجد الحي، كان عدم اقتناع أمّها بأن لها عقلًا داخل رأسها سببًا كافيًا لتخوض التجربة، لا بل لتشكل جزءً مهمًا من سرديتها.
*
النصوص الأخيرة تحملُ نَفسًا مختلفًا عن سابقتها، تسرد الكاتبة معاناة الوجوه الأربعة عشر من خلال رواية تجربتها الشخصية، نقرأ عن تمردها، رفضها، خوفها، شجاعتها المتخيلة، احساسها باقتراب الموت، واطباق الحرب على حياتها، نقرأ عن حَرجها من ردّة فعل جسدها وسخريتها من نفسها في ذات الوقت.
إن أكثر ما يشغل براءة في هذه النصوص هو شكل موتها، موتها في البلاد التي تعتقد أنه كان عليها أن تحبها أكثر أملًا في تعاطفها معها في مثل هذا الوقت، وأن تحتضنها أكثر لعلها تكون بمثابة رشوة للحرب كي لا يتم اختطافها، أو ربما فديتها لذاتها دُفعت مقدمًا.
**
تترك لنا الكاتبة مهمّة الإجابة عن أسئلة صعبة، بعضها لا يخضع لمنطق، ولا لعلم، ولا حتى للغة، حتى لو كانت هذه اللغة تعتبر من أغنى اللغات بالمفردات والتعابير والمصطلحات التي بمقدورها وصف كل شيء مهما كان قاسيًا وبشعًا، الاّ أن ما عاشه من بقي في سوريا خلال سنوات الحرب، تلعثمت اللغة العربية بدايتها، أصابتها الصدمة في منتصفها، وعجزت في نهايتها تمامًا عن خلق ما يليق بها من وصف، وبشاعة.
*
هذه اليوميات عن الوجوه الأربعة عشر الحزينة كتبت قبل عام 2022، يدفعني التفكير بالزمن إلى الضغط على زر التكبير فوق السؤال الذي ولد وكبر ونضج أثناء قراءتي للنصوص، هل قامت الكاتبة برحلة "مكرو" مزة جبل كراجات مرّة أخرى بعد سقوط نظام الطاغية؟
وإن قامت بها، فكيف كان شكل الوجوه الأربعةَ عشر؟
وهل كتبت سيرة الوجوه بعد التحرير، وإن كتبت، فهل ستبوح بها؟