أرباح الحرب.. شركات النفط الأوروبية تتفوق على نظيرتها الأميركية
18 ابريل 2026
في وقت تعيش فيه أسواق الطاقة واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ سنوات، نجحت كبرى شركات النفط الأوروبية في تحويل تداعيات الحرب في إيران إلى فرصة لتحقيق أرباح استثنائية، متقدمةً بشكل لافت على منافسيها في الولايات المتحدة.
وبحسب تقرير نشرته وكالة "رويترز"، فإن شركات بريتيش بتروليوم وتوتال إينيرجيز وشيل حصدت مجتمعة ما لا يقل عن 2.5 مليار دولار من أرباح التداول خلال الربع الأول من العام، مستفيدة من التقلبات الحادة في أسعار النفط والغاز، ومن الفوضى التي ضربت سلاسل الإمداد العالمية.
سلاح أوروبي فعّال
وبحسب التقرير، يعكس هذا الأداء المتفوق عمق الخبرة الأوروبية في مجال تداول الطاقة، وهو نشاط ظل لسنوات ركيزة أساسية في نماذج أعمال هذه الشركات. فمع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وارتفاع المخاطر المرتبطة بالإمدادات، تتحول الأسواق إلى بيئة مثالية للمضاربة المدروسة، حيث تُخلق فروقات سعرية كبيرة بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.
راهنت الشركات الأوروبية على التداول والمرونة، بينما ركزت الشركات الأميركية على الإنتاج طويل الأجل، ما يفسر تفوق الأولى في وقت الأزمات
وقد تمكنت وحدات التداول لدى هذه الشركات من استغلال تلك الفروقات عبر إعادة توجيه الشحنات، وتخزين النفط في توقيتات محسوبة، وبيعه عند ارتفاع الأسعار، إضافة إلى الاستفادة من عقود المشتقات والتحوط. ووصفت نتائج شركة بريتيش بتروليوم بأنها "استثنائية"، في حين سجلت كل من شيل وتوتال إينيرجيز أداءً قويًا مدفوعًا بمرونة عالية في إدارة المخاطر.
اختناقات الإمداد تعيد رسم الخريطة
الحرب في إيران لم تؤثر فقط على الأسعار، بل أعادت تشكيل مسارات تدفق النفط عالميًا. فقد أدت التوترات في الممرات البحرية الحيوية إلى إرباك حركة الناقلات، ودفعت العديد من المشترين إلى البحث عن مصادر بديلة، ما خلق حالة من عدم التوازن بين العرض والطلب.
هذا الواقع فتح الباب أمام فرص واسعة للشركات القادرة على التحرك بسرعة، حيث استفادت الشركات الأوروبية من شبكاتها التجارية الواسعة وعلاقاتها المتشعبة لإعادة توزيع الإمدادات بشكل أكثر كفاءة، وتحقيق هوامش ربح أعلى.
النموذج الأميركي.. حذر مكلف
في المقابل، بدت الشركات الأميركية الكبرى أقل استفادة من هذه الطفرة في أرباح التداول. فشركات مثل إكسون موبيل وتشيفرون تبنت نهجًا أكثر تحفظًا، يركز على الإنتاج طويل الأجل والانضباط المالي، مع انخراط محدود نسبيًا في أنشطة التداول عالية المخاطر.
ورغم أن هذا النهج يوفر استقرارًا أكبر في أوقات الهدوء، إلا أنه يحد من القدرة على اقتناص الفرص خلال فترات التقلب الحاد، كما هو الحال في الأزمة الحالية. وهنا يظهر التباين الواضح بين مدرستين، الأوروبية التي تراهن على المرونة والتداول، والأميركية التي تفضل الاستقرار والإنتاج.
الأرباح تعوّض خسائر الإنتاج
لم تكن كل تداعيات الحرب إيجابية، إذ تعرضت عمليات الإنتاج لضغوط كبيرة نتيجة ارتفاع التكاليف وتعطل بعض الإمدادات. غير أن أرباح التداول الضخمة لعبت دورًا حاسمًا في موازنة هذه الخسائر، ما سمح للشركات الأوروبية بالحفاظ على أداء مالي قوي.
ويؤكد ذلك تحولًا مهمًا في طبيعة صناعة النفط، حيث لم يعد الإنتاج وحده هو المحرك الرئيسي للأرباح، بل باتت القدرة على إدارة المخاطر والتعامل مع الأسواق المالية عنصرًا حاسمًا في تحقيق التفوق.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن أسواق الطاقة قد تبقى في حالة من التقلب خلال الفترة المقبلة، مع استمرار التوترات في المنطقة، وتغير أنماط التجارة العالمية. وفي مثل هذه البيئة، تبدو الشركات التي تمتلك قدرات متقدمة في التداول أكثر استعدادًا للاستفادة من الأزمات.
نتائج الربع الأول من هذا العام، إن دلت على شيء، فهي تشير إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل قطاع الطاقة العالمي، حيث تبرز الشركات الأوروبية كلاعبين أكثر مرونة وقدرة على التكيف، بينما تجد الشركات الأميركية نفسها أمام تحدي إعادة النظر في استراتيجياتها إذا ما أرادت مواكبة هذا التحول.