ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

"أراك".. تجربة جماعية تعيد صياغة الأمسية الشعرية وتكسر عزلة المنفى

30 يونيو 2026
بوستر مهرجان "أراك"
بوستر مهرجان "أراك" (خاص)
دلال إسحق دلال إسحق

حين تضيق المدن بأحلام ساكنيها، وتستحيل الأوطان إلى حجارة نرد تقذفها الحروب في مهب الشتات، ينبثق الفن ككائن حي يقاوم التصفية الرمزية ويعيد لملمة الروابط الإنسانية المهشَّمة. من هذا المخاض الوجودي، وُلد مشروع "أراك" (Arak)؛ المبادرة الفنية الجريئة متعددة الوسائط التي زلزلت ركود المشهد الثقافي في مدن الشمال الأوروبي الباردة، مستولِدةً من التماس بين الشعر النثري العربي، والموسيقى الحية، والتعبيرات البصرية، لغةً ثالثة تكسر عزلة المنفى وجدران سيكولوجيا الجماهير الرقمية.

"أراك" ليس مجرد عروض عابرة، بل هو "شركة مساهمة جمالية" – بتعبير عبد الله الحريري أحد صناعها – تلتئم وتتغير هويته الجغرافية بحسب مكان اللقاء؛ فكانت محطته الأولى "أراك في النرويج" (Arak in Norway).

مجموعة قصائد نثرية، تحررت من إسار الوزن والقافية، سافرت من قلب الوجع السوري لترتدي حُلة موسيقية باهرة صاغتها الفنانة التونسية البلجيكية العالمية غالية بنعلي برفقة الموسيقيَّين مفضل عظوم ولوران بلونديو، وبأداء حركي وبصري حوّل خشبة مسرح مكتبة "تونسبرغ وفيردر"، ومكتبة "لارفيك" إلى فضاءات كونية عابرة للحدود.

في هذا المقال، نعيد صياغة التجربة على شكل حوار مفتوح مع المشاركين، لنكشف من خلال أصواتهم عن معنى هذا المشروع، وعن الدور الذي لعبه كل واحد منهم في صياغة هذه اللحظة الثقافية الفريدة.

غالية بنعلي: النص النثري أغنى موسيقيًا... وأنا مجرد ممر ودليل للّحظة الحسية

  • غالية: فنانة متعددة المواهب، تحظى بشهرة عالمية، وتُعرَف بمزجها المتقَن بين الموسيقا العربية والجاز والتأثيرات الصوفية مع الفنون البصرية والسرد القصصي في عملٍ إبداعي واحد. وَصفَتها صحيفة "نيويورك تايمز" بأنها "صانعة أساطيرها الخاصة"، إذ يربط نتاجها الفني بين التراث والتعبير المعاصر بعمقٍ وجمالٍ ووقعٍ مؤثّر. وُلدت في بروكسل ونشأت في تونس، درست التصميم الغرافيكي في معهد "سان-لوك" في بروكسل، وهو أساس ما يزال يؤثّر على مقاربتها متعددة الوسائط. ومنذ انطلاقتها الموسيقية عام 1992، قدّمت عروضها على كبريات المسارح حول العالم، آسرةً الجمهور بصوتها القوي، وحضورها الشعري، وأدائها الغامر.

مشروع "أراك" يحمل فلسفة عميقة تتجاوز الاستعراض الفني. ما الذي يعنيه "أراك" لغالية بنعلي بعد خمس سنوات من البحث والتطوير؟

غالية بنعلي: "أراك" تعني ببساطة (أراك وتراني). إنها مرآة وجودية، من خلال رؤيتي للآخر، ومن خلال محبتي له، ألتقي بنفسي. في هذا المشروع، لا أتعامل مع الشعر كنصوص جافة، بل أسعى للدخول في تجربة الشاعر، وعالمه الحي، وما يحيط بالكتابة من شجن وحياة ومشاعر، لتصبح هذه الرؤية محسوسة عبر الموسيقا والنَّفَس والصوت. وحسب مكان اللقاء، يتغير اسم المشروع؛ في النرويج كان "أراك في النرويج" لأنني جئت لألتقي بحسين وعبد الله. إنه موعد نتقاسمه في فضاء مشترك، حيث رؤية أحدنا تكشف رؤية الآخر. أنا لست المصدر ولا النهاية في هذه الدائرة؛ أنا مجرد ممر، ودليل اللحظة، وحلقة في سلسلة النقل.

  • كيف واجهتِ تحدي تلحين وغناء نصوص نثرية حرة لا تلتزم ببحور الخليل ولا بالقافية التقليدية؟

غالية بنعلي: لا أفرض إيقاعًا من الخارج على النص. أنا أستمع، أضع نفسي بكامل حواسي في خدمة النص وتنفّسه، وثقله، ونبرته الحزينة أو الساخرة. أبحث عن نَفَسه الداخلي؛ هل تطلب القصيدة مقام "الصبا" الشجي؟ أم نعومة "النهاوند"؟ النص النثري يحمل إيقاعه الداخلي الخاص، وهو موسيقيًا أغنى، وأعمق، وأمتع بكثير من النص الغنائي التقليدي الملتزم بالقافية. في "أراك في النرويج"، تركنا مساحات واسعة للموسيقيَّين مفضل عظوم ولوران بلونديو، وعندما يتماهى كل فنان مع ما يحمله، يكفي أن نكون حاضرين على الخشبة كي يصل الصدق للجمهور. والجمهور النرويجي والعربي هناك كان جمهورًا منصتًا ومستعدًا لتجربة غير تجارية؛ لم يكن العرض استعراضًا، بل كان لقاءً حقيقيًا امتزجت فيه الفنون من رسمٍ وحركةٍ وفيلمٍ قصيرٍ لتختصر الطريق إلى تجربة الشاعر الحسية.

حسين الضاهر: "أراك" نسف الصيغة الكلاسيكية للأمسية الشعرية، وفتح حواسنا على لغة عرض جديدة

  • حسين: شاعر وكاتب سوري صدرت له ثلاث مجموعات شعرية، حائز على جوائز ومنح أدبية، ويقيم حاليًا ككاتب ضيف في فاردر بالنرويج ضمن منحة (ICORN) الأدبية.

كيف نَمَتْ فكرة مشروع "أراك في النرويج" من مجرد رغبة عابرة إلى مهرجان فني متكامل؟ وما هي كواليس إدارتك اللوجستية للمشروع بالتوازي مع دورك كشاعر؟

حسين الضاهر: الفكرة في جوهرها وُلِدت من مصادفة إبداعية حية، لكن الأفكار العظيمة سرعان ما تتسع؛ فبعد نقاشات مطوَّلة ومعمَّقة جمعتني بالصديقين عبد الله الحريري وغالية بنعلي، وبدعم وتنسيق شريكتنا في المهرجان إينا بورشايم، تبلور المقترَح ليتخذ شكل النسخة الأولى من مهرجان "أراك" في النرويج، حيث تطور المشروع ليمنح مساحة أكبر تتسع لعدّة نصوص شعرية لكل شاعر. 

وبفضل جهود إينا في النطاق المحلي، قُدّم المقترَح لجهة راعية نرويجية حصلنا على دعمها الفوري. هنا تداخل دوري الإبداعي بالدور التنظيمي؛ إذ لم يقتصر حضوري على إلقاء الشعر، بل شاركتُ الأصدقاء المسؤولية اللوجستية الكاملة، وبحكم إقامتي في النرويج ضمن منحة (ICORN) الأدبية، تطلب الأمر جهدًا مضاعفًا لإدارة تفاصيل العروض على الأرض، وهو ما جعلنا جميعًا شركاء في البناء التنظيمي للمهرجان من اللحظة الأولى وحتى خروج العمل إلى النور.

  • بَيْن توجّسك من غناء "قصيدة النثر" وتفاعل الجمهور النرويجي معها في الشارع والقاعات، كيف غيّرت هذه التجربة مفهومك للأمسية الشعرية ودور الشاعر في الفنون المشترَكة؟

حسين الضاهر: لا أخفيكِ أنها كانت تجربة غريبة ومربكة بالنسبة إليّ، وقد سكنني شعور بالغرابة من فكرة سماع أغنية نثريّة حرة وغير موزونة. لكن في مقابل هذا التوجس، كانت ثقتي المطلقة بغالية وبمشروعها الفني العابر للقوالب هي الرهان الأكبر، لذا تفاعلتُ مع الشركاء بهمة وحماسة. هذا التوجس تلاشى تمامًا عندما لمستُ تفاعلًا عفويًا من المارّة في الشوارع أثناء تأديتنا للبروفات، وتعاظم هذا الإحساس في العروض الرسمية داخل القاعات بلغة بصرية وسينمائية أحسستُ معها أنني أقدّم نفسي بشكل مختلف كليًا. 

لقد رأيت قصيدة النثر بحلّة كونيّة جديدة بفضل الموسيقا والأداء التعبيري متعدد اللغات، وشعرت أن الجمهور النرويجي يشاطرني الدهشة ذاتها. أما الاعتراف الذي لم أبح به لأحد بعد، فهو أن مهرجان "أراك" غيّر مفاهيمي الراسخة عن الأمسية الشعرية الكلاسيكية؛ لقد حطّم هذا الاشتباك الفني حيطان الإلقاء التقليدي، وفتح أمامي وأمام أصدقائي مجالات شاسعة لابتكار أدوات عرض جديدة ومغايرة سنبني عليها مشاريعنا الشعرية في قادم الأيام.

عبد الله الحريري: الموسيقا والصورة تأويل موازٍ... والعمل الجماعي يحمي الشاعر من النشاز

  • عبد الله: شاعر وطبيب سوري مقيم في فرنسا، صدر له عدد من المجموعات الشعرية، وله مقالات أدبية وثقافية وسياسية في منصات عربية مختلفة.

بين انتقاء غالية بنعلي لقصائد الغناء واختيارك لنصوص الإلقاء المترجَمة، كيف واجهتَ تحدي تقديم قصيدة النثر العربية لجمهور نرويجي؟ وكيف تصف تلك "اللغة الثالثة" التي تولّدت من اشتباك الكلمة بالموسيقا والصورة البصرية؟

عبد الله الحريري: في البدء، تقاسمتُ وغالية مهمة الاختيار؛ إذ انحازت ذائقتها لقصائد بعينها لتأصيلها غنائيًا، في حين توليتُ أنا من جانبي اختيار بقية النصوص لخدمة البنية الدرامية والشعرية التي تخيلناها لخشبة المسرح، باحثًا عن نصوص تمتلك طاقة الحضور والظهور وسط مناخ موسيقي وأدبي استثنائي. بالطبع، لم يكن إلقاء قصيدة نثرية بلغتها الأم (العربية) أمام جمهور نرويجي يتابع الترجمة الإنكليزية على الشاشات مهمة سهلة؛ بل كان يستلزم أسلوبًا أدائيًا خاصًا قادرًا على تهريب مكنون النص وسحره اللغوي الأصيل، وهو ما أثبتت العبارة الشعرية أنها قادرة على تحقيقه بنجاح. 

أما عن كيمياء العرض، فخلال الوقوف المباشر على المسرح، لم أشعر باختلاف كبير عن الأمسيات الشعرية التقليدية، لكن المفاجأة المبهِرة تجلت لي عند مشاهدة الفيديوهات المرافِقة للعروض؛ إذ شعرت بولادة "لغة ثالثة" ومغايرة تمامًا صاغتها أربعة مكونات حية: الشعر، والغناء، والموسيقا، والصورة. 

لقد كان هناك مزيج مدهش من "التخاطب والتخادم" اللذين يكمّلان بعضهما بعضًا؛ فلم تكن الموسيقا مجرد خلفية تزين الكلمات أو تؤطرها، بل فتحت مسافات وآفاقًا خفية وبعيدة متصلة بجوهر النص. كما أن الصورة لم تأتِ كظل مجتَرّ للقصيدة، بل كتأويل بصري موازٍ وتجريد حسي لها، بينما تحوَّل الغناء بصوت وأداء غالية إلى شعر صافٍ يتدفق بلا عوائق.

  • من موقعك كشاعر صاغ البنية الدرامية للمشروع، هل ترى في هذا التمازج الفني امتدادًا عادلًا لأب الفنون (المسرح) أم فضاءً جديدًا للمهجر؟ وكيف غيّرت التجربة مفهومك لتفرد الشاعر؟

عبد الله الحريري: لستُ ممن يميلون إلى إطلاق صفة "الجِدة المطلقة"؛ فالجمع بين الأجناس الفنية والأدبية المتنوعة يمتد عبر التاريخ، ولعل المسرح هو الأب الشرعي لكل هذه المحاولات المشترَكة. لكن الحقيقي هنا، هو أن الشعر في عصرنا الراهن بات بحاجة ماسة ومُلحة للعودة إلى دائرة الحضور والتأثير الحي، وهذا المزج والاشتباك الجمالي هو أفضل ما يساعده على استعادة تلك المكانة. من هنا، ألتمس في تجربة "أراك" روحًا مختلفة تمامًا للشاعر في فضاء المغترَب؛ إذ أثبتت التجربة أن بإمكان الشاعر التخلي عن كونه صوتًا منفردًا ومنعزلًا طوال الوقت، ليصبح جزءًا من "تفرّد جماعي" أوسع؛ ففي مثل هذه الأعمال، يمرّ الشاعر بتجربة أشبه بالدخول في "شركة مساهمة جمالية"، عليه أن يقبل فيها بحصته العادلة من الأسهم مقابل الربح الوفير الذي ستجنيه المنظومة كاملة، وهو ربح يتجاوز بكثير مجده الفردي. إنها تجربة تضع كل المكونات تحت اختبار حاد، فالعمل الجماعي يكشف العيوب فورًا، والجمهور بطبعه أمهر في التقاط النشاز وأسرع في اكتشافه منه في التقاط الجمال، ومن يحاول الاستعراض على حساب الكل، سيكون هو الخاسر ونشاز العرض بامتياز.

شمس المنال تمراز: الترجمة مسؤولية وجدانية لا نقل حرفي، وفي "أراك" تحوَّل المترجم إلى شريك إبداعي

  • شمس: منتجة وناقدة فنية في مجالات الفنون المعاصرة، نشأت في النرويج والمملكة المتحدة وتنحدر من أصول فلسطينية، كرّست مسيرتها الفنية لدعم المشهد الفني الفلسطيني من خلال النقد، والإنتاج، والاستشارات الفنية، وقد قادت برامج دعم وتمكين للفنانين في كل من فلسطين والمملكة المتحدة لأكثر من خمس سنوات. تدير اليوم شركتها الخاصة (Shams & Rise Arts)، وهي منصة للاستشارات والإنتاج الفني تُعنى بتمكين الفنانين، وتطوير المبادرات الثقافية المستقلة ذات الأثر الاجتماعي المستدام.

بين كيمياء لغتكِ الشاعرة وتجربتكِ النقدية، كيف تعاملتِ مع البعد العاطفي والسياق الثقافي عند نقل قصيدة النثر العربية إلى النرويجية؟ وما هي أبرز التحديات التي واجهتكِ؟

شمس المنال تمراز: في مغامرة كهذه، لم أستطع التعامل مع النص كقوالب جامدة أو كلمات مرصوصة، بل تعاملت معه ككائن حي يتنفس، ويحمل في تفاصيله طبقات دقيقة من المشاعر والسياقات الثقافية المحمَّلة بخصوصيتها العربية. التحدي الأكبر والرهان الحقيقي كان في كيفية الحفاظ على هذه الشحنات الوجدانية الكثيفة ونقلها إلى اللغة النرويجية، وهي لغة تختلف جذريًا في إيقاعها الداخلي وبنيتها التعبيرية عن العربية. لقد أضافت لي تجربتي الخاصة كشاعرة تكتب بثلاث لغات ركيزة إبداعية متينة، مكّنتني من مقاربة النصوص باحترافية وحس فني عالٍ؛ إذ كنت حريصة طوال الوقت على ألا تبدو الترجمة "مغتربة" أو مقطوعة الجذور عن روح النص الأصلي، بل أردت لها أن تكون امتدادًا طبيعيًا ومشروعًا له بلغة أخرى. وخلال إحدى البروفات الحية، حدثت لحظة كشف مذهلة؛ عندما قرأتِ المؤدية النرويجية إحدى القصائد بصوتها، واكتشفتُ أن الترجمة بصياغتها الجديدة لم تنقل المعنى فحسب، بل أضاءت بعدًا وجوديًا عميقًا كان مستترًا في خلفية النص العربي ولم يكن ظاهرًا بشكل علني. تلك اللحظة رسخت لدي الإيمان بأن الترجمة في جوهرها هي فعل كشف متجدد، وليست مجرد عملية نقل ميكانيكية.

  • بين أمانة النص الأصلي وحرية الأداء الفني والموسيقي المصاحِب، أين تقف حدود الوفاء في الترجمة الأدبية؟ وكيف أعاد "أراك" صياغة نظرتكِ لدور المترجم في المشاريع متعددة الوسائط؟

شمس المنال تمراز: الوفاء للنص في عُرف الترجمة الأدبية والشعرية على وجه الخصوص ليس التزامًا حرفيًا أعمى بالشكل واللفظ، بل هو انحياز صادق وإحساس عميق بالمعنى الجوهري الكامن خلف الكلمات. الترجمة مسؤولية وجدانية تتطلب تكريم المعنى أولًا؛ ولذلك أتحت لنفسي مساحة محسوبة وذكية من التأويل ليملأها الأداء الصوتي والموسيقي المصاحِب. الهدف كان الحفاظ على روح النص متقدة، حتى لو تطلب ذلك تطويع الشكل الخارجي قليلًا أو إعادة صياغته ليتناغم بسلاسة مع الإيقاع الموسيقي والسياق المسرحي. هذه التجربة الاستثنائية في "أراك" غيرت نظرتي كليًا لدور المترجم؛ فلم يعد ذلك الوسيط اللغوي القابع في الظل، بل صار جزءًا أصيلًا من الفريق الإبداعي، وشريكًا حقيقيًا في صياغة التجربة الجمالية التي يتلقاها الجمهور.

إينا سينوفا بورشايم: الثقافة مساحة لإنقاذ أرواح طالبي اللجوء... ومن واجب الحكومات دعم الفنون متعددة الوسائط

  • إينا: أمينة مكتبة في تونسبرغ – النرويج، ومنسّقة لضيف برنامج ICORN في المنطقة. يتركّز جانب كبير من عملها على تنظيم فعاليات أدبية وثقافية.

بصفتك أمينة مكتبة في تونسبرغ ومنسقة لبرنامج (ICORN)، أديتِ دور المنتج اللوجستي لـ "أراك في النرويج". كيف تقيّمين الأثر الاجتماعي والمحلي لهذا التنوع الثقافي؟

إينا بورشايم: تنوع اللغات والثقافات هو مكمن القوة في "أراك"، ورغم أنه يضيف تعقيدًا وتكلفة مادية لتخطيط المشاريع بسبب الحاجة للترجمة، إلا أنه يفتح الأبواب لجمهور أوسع. مكتباتنا تقع في مجتمعات متعددة الثقافات تضم مهاجرين مقيمين منذ زمن طويل، لكننا لم نكن نقدّم فعاليات تعكس احتياجاتهم. التنظيم بثلاث لغات (العربية، الإنكليزية، النرويجية) قرّبنا من أهداف "المنصة الأدبية الدولية" (The International Literature Stage) التي توفّر تمويلًا وتركيزًا للفعاليات الأدبية ذات الطابع الدولي. الأثر الأجمل تجلى في حضور 22 شخصًا من المتحدثين بالعربية المقيمين في مركز استقبال ناءٍ لطالبي اللجوء؛ هؤلاء يعيشون في عزلة وانتظار طويل ومرهق، واستطعنا عبر "أراك" أن نمنحهم لحظةً ذات معنى، ومواساة من خلال الثقافة واللغة الأم.

  • كيف ترين آفاق الدعم الحكومي لمثل هذه التعاونات الفنية بين الشرق والغرب؟

إينا بورشايم: من واجب الحكومات تهيئة الظروف؛ في هذه التجربة تضافرت جهود المقاطعة والبلدية، ولم يقتصر الدعم على الفعاليات، بل حظي الفنانون بإقامة فنية في كوخ "جمعية المؤلفين الموسيقيين النرويجيين" (Norsk komponistforening) مما أتاح لهم مساحة للتفرغ والإبداع المشترك. ما يبعث على الحماسة أن المقاطعة وضعت هدفًا جديدًا يعطي الأولوية للفعاليات الدولية، الأمر الذي يثري تجربتنا الثقافية المحلية برؤى إنسانية جديدة تمامًا. حين يلتقي الناس، تُولَد فضاءات التواصل وتنبثق المشاريع العميقة بصورة طبيعية.

في الختام، لم يسعَ "أراك" إلى تقديم الشرق للغرب بوصفه مادة للفرجة، ولم يحاول تقديم الغرب بوصفه نموذجًا يُحتذى به، بل خلق مساحة لقاء متكافئة بين الطرفين بما يحملانه من تجارب متباينة، ومع ذلك، تقاسما اللحظة ذاتها.

وعند انتهاء العرض، صمتت الموسيقا، وانطفأت الأضواء، لكن شيئًا ما بقي معلقًا في المكان.

ربما كانت قصيدة عبرت إلى لغة أخرى.

أو ذاكرة منفية وجدت من يصغي إليها.

أو جمهورًا اكتشف أن الشعر ما يزال قادرًا على مفاجأته.

يبدو أن "أراك" أكثر من مهرجان، وأكثر من مشروع فني متعدد الوسائط، ففي زمن تتكاثر فيه الجدران، اختار أن يبني جسرًا ليذكّر بأن الثقافة ليست ترفًا، بل مساحة للقاء البشر، وأن الفن، حين يُصنع بصدق، يستطيع أن يختصر المسافات بين القارات واللغات والقلوب.

كلمات مفتاحية
هندسة الإبادة في غزة

"هندسة الإبادة في غزة".. الأرض مسرح للجريمة

لا يقرأ المعماري والباحث الإسرائيلي إيّال وايزمان الحرب على غزة من منظور الطائرات والدبابات القنابل والجنود، ولا من شاشات الأخبار حيث أعداد الشهداء والجرحى والنازحين

المدارس الفلسطينية

الحق في الاحتيال.. المنهاج الخفي في مدارس فلسطين

في سنةٍ من السنوات كنتُ أعمل معلّمًا، وكان لديّ مشكلة مع المنهاج الفلسطيني

getty

أدب الديستوبيا.. لماذا يقرأ الشباب عن عالمٍ لا يريدون العيش فيه؟

منذ أكثر من قرن، يأخذ الأدباء مخاوف الإنسان من الحاضر ويدفعون بها إلى أقصى حدودها، فيبنُون عوالم لا تشبه واقعنا تمامًا

نساء يبحثن بين أنقاض قرية دمرها زلزال المغرب
علوم

من المغرب إلى المشرق.. دول عربية تقع على خطوط الخطر الزلزالي

العالم العربي ليس بمنأى عن الخطر أصلًا. فبحسب تقديرات إقليمية، يعيش أكثر من 30% من سكان المنطقة العربية في مناطق ذات خطر زلزالي متوسط أو مرتفع

كرة القدم
رياضة

حملات محفورة في الذاكرة: أفضل الحملات الإعلانية في كرة القدم

تسعى هذه الحملات إلى جمع عشاق كرة القدم حول العلامة التجارية نفسها، لا حول منتج واحد بعينه

زلزال هايتي
الترا لايت

أعنف 10 زلازل في أميركا اللاتينية.. كوارث حصدت مئات الآلاف

تكتسب هذه القائمة أهمية إضافية مع تعرض المنطقة في 2026 لهزات مدمرة، بينها الزلازل التي ضربت فنزويلا وكولومبيا

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

واشنطن تضغط على حلفائها للاختيار بينها وبين بكين في سباق الذكاء الاصطناعي

تنظر واشنطن إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر من مجرد قطاع اقتصادي واعد، إذ يمكن لقدراته المتسارعة أن تؤثر في الأمن القومي والتفوق العسكري والاقتصادي