أدونيس: هنا مزاري

أدونيس: هنا مزاري

الشاعر أدونيس

لابد أن جميع الذين يعبرون طريق جبلة (على الساحل السوري) سينتبهون، ما إن يصلوا إلى مفرق قصابين، بقوّةٍ، إلى شاخصة مرورية زرقاء، وقد كُتب عليها بخط واضحٍ عبارة: "منزل أدونيس" مع سهم يدل على الطريق المحفوفة بالأشجار التي تؤدي إلى المنزل الذي يقطن فيه أدونيس فترات "سوريّته" في قريته قصّابين الصغيرة، النائية التي خرج منها إلى العالم.

في المرويات الشعبية عن الأولياء أو الشيوخ الذين بُنيت لهم مزارات ومقامات اختلافات وتناقضات كثيرة عن كل ولي أو شيخ، الأمر الذي منح عدة سير للواحد منهم

في المعتقدات الدينية الشعبية تتم إقامة ما يسمى بالمزار أو المقام في أمكنة يُظن أن وليًا من أولياء الله، أو شيخًا جليلًا عبرها أو دُفن فيها، وتجري العادة الشعبية والدينية أن تتم، باطراد، زيارة هذه الأماكن للتبرّك، أي: لنيل البركة من صاحب المزار أو المقام، وهو الولي أو الشيخ. ‏

اقرأ/ي أيضًا: أدونيس.. فهرس المذعور والأعمى

عادة، يتم تشييد هذه المزارات في أكثر الأماكن جمالًا وسحرًا: على ضفة نهر، على رأس جبل، وسط غابة، وما إلى هنالك. وعلى اعتبار أن قرى الساحل السوري، غالبًا، سخية بالأخضر، أو أنها كانت كذلك، فأن يكون بيت أدونيس في مثل هذه الأماكن: وسط أشجار كثيفة مترامية الخضرة، وسحرية أيضًا، يبدو وكأنه أمر طبيعي! ‏ ولكي تكتمل الأطروحة ولكي يكتمل المزار الحداثي كان أن حضّر أدونيس ضريحه ومكان دفنه منذ سنوات، ليكون ضريحًا لائقًا بمزار حديث وحداثي.

بعد عقود، ربما لن تعرف تلك الأجيال عن أدونيس أكثر من اسمه. الآن، لم يزل ثمة مكان للتفكير بـ / ومناقشة أفكاره. بعد عقود ستكون الاهتمامات مختلفة عما هي الآن، وستكون النقاشات مختلفة، وكذلك الأفكار، وكل شيء. أدونيس سيكون موجودًا بطبيعة الحال، لكن، على الأرجح سيكون ذلك بالاسم فقط. ربما كما أننا نعرف الآن المتنبي، ولكننا لا نقرؤه، أو لا تثيرنا أفكاره، أو شكسبير، ولا نقرؤه، أو لا تثيرنا أفكاره أيضًا، وهكذا... بعد عقود إذًا، سوف يلتبس أدونيس على أجيال تلك الفترة: ما الوصف الحقيقي الذي سيعرفونه به: هل هو الشاعر، أم المزار، بدلالة تلك الشاخصة؟! إذ إنهم سيجدون، لدى كل منعطف لمزار، شاخصة بسهم تدل على الطريق المحفوفة بالأشجار التي تؤدي إليه. فيما لن يجدوا، على الأرجح- إذ لا يوجد حتى الآن- شاخصة باسم شاعر أو أي مبدع تدل على منزله. وهكذا، سيجدون في تلك الشاخصة إشارة إلى مزار اسمه أدونيس. ‏

في المرويات الشعبية عن الأولياء أو الشيوخ الذين بُنيت لهم مزارات ومقامات اختلافات وتناقضات كثيرة عن كل ولي أو شيخ، الأمر الذي منح عدة سير للواحد منهم. الآن، نحن نعلم أن لأدونيس، في المرويات الثقافية، عدة سير. وبين السيرة والأخرى اختلافات وتناقضات كثيرة كذلك! وهذا ما سيشكل بيئة شديدة الصلاحية لتشكُّل ونمو المزار أدونيس. سوف يتناقل الناس هذه السير، ويضيفون عليها، ويبتكرون، ليتكرّس كواحد من المزارات المهمة في المنطقة..!

سيرة أدونيس الشخصية والثقافية سيرةٌ مفكرٌ فيها منذ البداية، سوف نجد أن عوامل عدة تضافرت، في كل مرة، لتسهم في صناعتها

سيرة أدونيس الشخصية والثقافية سيرةٌ مفكرٌ فيها منذ البداية، سوف نجد أن عوامل عدة تضافرت، في كل مرة، لتسهم في صناعتها، وسوف نجد أن الشاعر سرعان ما يتدخل لتصحيح مسار ما من مسارات حياته الشخصية والثقافية والشعرية، ولو كان ذلك بتقديم روايات مختلفة لحدث واحد، وآراء عديدة بالأمر ذاته. ‏

اقرأ/ي أيضًا: أدونيس.. "تنويريّ" الرجل الأبيض!

كان عمره أربعة عشر عامًا حين قطع، سيرًا على الأقدام، وتحت وابل من مطر، مسافة طويلة جدًا من قصابين إلى جبلة ليلقي قصيدة أمام الرئيس السوري، آنذاك، شكري القوتلي. وقد قام الرئيس، على إثرها، بمنحه بعثة للدراسة في المدرسة العلمانية الفرنسية "اللاييك" في طرطوس. إذ منذ ذلك التاريخ سوف يتعرف أدونيس على نفسه، وسوف يتعرف القارئ عليه كشاعر.

قمر الـ14 إذًا، سوف يرسل له الله رئيسًا يقبل أن يستمع لقصيدة من طفل ينتمي لعائلة مجهولة وفقيرة مثل باقي عائلات الريف السوري لا تملك أية ميزة، أو أي نفوذ مالي أو سلطوي أو اجتماعي يسمح لها بأن تجعل السيد الرئيس، شخصيًا، يستمع، تحت وابل من مطر، لقصيدة من ابنها المدلل! في التاريخ السوري يعتبر الرئيس شكري القوتلي من أهم رؤساء سوريا، وثمة من يعتبره الرئيس الأهم، وإلا ما كان لابن الرابعة عشرة أن يحلم، مجرد حلم، بهذا! إنها بداية إغريقية لشاعر. ‏

بعد أربع سنوات من ذلك التاريخ، سوف تتشكل على نحو أكثر إيحاء بالمستقبل خيوط دراما السيرة، سوف يتخلى الشاعر عن اسمه العائلي: علي أحمد سعيد، إذ إنه غير منسجم مع تطلعات سيرة يجب عليها أن تبدو كما لو أن القدر الإغريقي كتبها! الاسم الأكثر ملاءمة لذلك هو أدونيس- اختاره تحت تأثير أسطورة أدونيس اليونانية التي قرأها وهو لم يزل، بعد، يافعاً. وهو اسم إله يرمز للخصب والانبعاث حيث يموت ويولد من جديد كل عام. ولقد كُتبت دراسات ومقالات عدة تفسّر وتخمّن سبب اختيار الشاعر لهذا الاسم، وتربط بينه وبين مسيرته الشعرية والثقافية. فيما هو، وبعد خمسة وخمسين عامًا على اختياره هذا، عاد في العام 2003 في كتاب: "أول الجسد، آخر البحر" ليتدخل، ويصحح السيرة الأولى التي قالها بنفسه، فاستحضر ذلك الإله الجميل، وكيف أنه ولد من شجرة تبكي، ويسيل دمعها مرّاً، كما تقول الأسطورة! ‏

بعد اغتيال عدنان المالكي، اعتبر النظام السياسي السوري آنذاك أن الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسّسه أنطون سعادة هو المتهم الرئيس بالاغتيال، وكان أدونيس منخرطًا فيه، الأمر الذي أدى إلى ملاحقة أعضائه، وسجنهم، وكان من بينهم أدونيس الذي سجن حوالي السنة خلال العام 1956. وبعد خروجه من السجن كان يشعر أنه منهار. يصف تلك المرحلة من حياته، فيقول: "كنت منكسرًا، خائبًا، شبه يائس. كنت لذلك شبه هارب، كنت مسلوبًا: لم يكن لي حق التفكير في الوطن، أو العمل فيه، لذلك لم يكن لي حق التفكير من أجله، أو حق العمل في سبيله". وكان الحل الوحيد، بالنسبة إليه، هو الهرب خارج سوريا، إلى لبنان. إنها، إذًا، بداية الرحلة الأوليسية: من السجن إلى بيروت التي كانت تلك الأثناء من مدن العالم المعتبرة. وسوف نشعر أنه لو لم يكن ثمة سجن لبدت الرواية ضعيفة، وليست إغريقية بما يكفي!. ‏

كان عمر أدونيس 14 عامًا حين قطع مسافة طويلة جدًا من قصابين إلى جبلة ليلقي قصيدة أمام الرئيس السوري، آنذاك، شكري القوتلي

في بيروت، إكمالًا لدراما العبور، أرسلت له آلهة الأولمب شاعرًا "مأخوذًا حتى الهيام، بعمل شيء للشعر العربي واللغة العربية، يطمح إلى وضع هذا الشعر على خارطة الشعر في العالم" كما يصفه أدونيس، هذا الشاعر هو يوسف الخال. حركة الحداثة الشعرية العربية بصفة عامة، وأدونيس بصفة خاصة، يقدمان الخال بوصفه أحد كبار الثوريين العرب. لقد تصادف أن الخال ليس مجرد ثوري يرغب بتغيير الشعر والثقافة العربيين فحسب، بل كانت لديه الإمكانية المادية للشروع بتحقيق ذلك: أسّس مجلة "شعر" لتقود ذلك التغيير وتشيعه، وكانت لديه الإمكانية المادية، أيضًا، لتأسيس دار نشر تنشر وتوزع كتب التغيير! فأي قدر يتواطأ مع العباد لتأسيس تلك السيرة؟! ‏

اقرأ/ي أيضًا: أدونيس.. من شاعر إلى ناشط

ولكي تستمر السيرة الأوليسية كان أن اختلف الشاعر ذو القدر الإغريقي مع جميع أصدقائه الثوريين في مجلة "شعر"، فهجرهم إلى غير رجعة، ولجأ إلى مشروعه الفردي: بطلًا من الزمن الجميل. وبدأت رحلته (الشاقة) في العالم ليضع الشعر العربي على خارطة الشعر في العالم، الشعر ذاته الذي تمت ترجمته إلى لغات الأرض ونال اعترافًا عالميًا أنه شعر مكتمل على نحو لا يضاهى (الشعر الجاهلي والعباسي بصفة خاصة)!. ومن عاصمة لعاصمة، ومن مدينة لمدينة، كانت تنمو، وتتسع، وتكبر سيرة "صقر قريش" الشعر العربي كما يشبّه نفسه. ‏

وكان لا بد، أيضًا، من حدث شديد الخطورة، ومرتبط بانهيار شعب بأكمله لتأخذ، على أثره، دراما القدر الإغريقي تطورًا آخر. فقد تصدع لبنان حيث كان يقيم الشاعر، وبدا الشعب اللبناني، لولا قوته في الحياة، أنه ينهار دفعة واحدة، إذ أن ملوك طوائفه وتجار الحروب وسياسيّيه أغرقوه في أتون حرب أهلية كارثية ومنحطة، فكان لا بد لطائر الفينيق أن يقوم من حصاره ودماره ويخرج عام (1985) إنما ليس إلى بلدان كاسحة، بل إلى فرنسا: مربط خيل العرب! ويوتوبيا العالم! وهناك كانت السيرة تكتمل وفق منهج هندسي صارم، ودقيق. ‏

‏ولكي يشعّ النور على العالم وتستفيد البشرية الغارقة في ظلماتها من إشعاعاته كان أن فكر الشاعر بأنه يجب أن يكون حاضرًا على مدار الساعة أمام الناس يعلّمهم ويرشدهم ويقول لهم: "سلوني قبل أن تفقدوني"، فكان أن لجأ إلى وسائل الإعلام بأشكالها كافة ليظهر عبرها جميعها ويقول: "أنا العالم مكتوبًا، وأنا المعنى، وأنا الموت، وأنا سماء وأتكلم لغة الأرض، وأنا التموج، وأنا النور، وأنا الأشكال كلها، وأنا الداعية والحجة!". وبهذا يكون كرّس وأشاع واحدًا من أكثر المفاهيم قتلًا لفكرة الشاعر ولفكرة المبدع وهو مفهوم: النجم. فبدا أدونيس نجمًا يتلألأ في سماء العرب وسماء المنطقة المكفهرّة بالظلام! وبدا أن الشاعر الأكثر ظهورًا إعلاميًا هو الشاعر الحق وفق مفهوم أدونيس عن الشاعر الحق! أو أن الشرط الذي يجب أن يتحقق ليكون الشاعر كبيرًا هو أن يكون نجمًا، وإلا لن يكون أبدًا.

الناس الذين ينتمون للإسلام الثابت، إسلام الشريعة -بحسب أدونيس- جهلة، رعاعيون، متخلفون، سلفيون

ولكي يكون "داعية وحجة" على نحو عملي وليس فقط نظريًا كان أن أعلن عن رفضه لجزء من الإسلام وقبوله جزءًا آخر منه. الجزء المرفوض هو ما أسماه: إسلام الشريعة وهو الإسلام الجاري وفق السنة، والجزء المقبول الذي ينتمي إليه هو إسلام الحقيقة. الجزء الأول هو إسلام السنة، والجزء الثاني هو إسلام الشيعة. الإسلام الأول هو الثابت، والإسلام الثاني هو المتحول. واتهم السوريين الذين ثاروا ضد نظام بلده/ النظام السوري بأنهم يخرجون من الجوامع، أي أنهم ينتمون لإسلام الشريعة الثابت، وهو مرفوض وفق تصوره. بينما سبق له أن أيد الثورة الإسلامية الإيرانية لأنها ثورة الإسلام المتحول/ إسلام الحقيقة. وبهذا قدّم نفسه بوصفه مزارًا خاصًا ومخصوصًا لمسلمي الحقيقة الذين ينتمون للإسلام المتحول وليس الثابت! الناس الذين ينتمون للإسلام الثابت، إسلام الشريعة -بحسب أدونيس "الحقيقة"- جهلة، رعاعيون، متخلفون، سلفيون، وبالتالي يجب الوقوف ضدهم على مدار الساعة، بينما الآخرون من جماعة الإسلام المتحول، إسلام الحقيقة، فيقع على عاتقهم التصدي للهمج، وإنقاذ الحقيقة من براثن الشريعة. يرى الشاعر ذو القدر الإغريقي أن ثورة السوريين ضد "نظام الحقيقة" هي ثورة الهمج الذين خرجوا من جوامع الإسلام الثابت!

اقرأ/ي أيضًا: مطالبات بسحب جائزة السلام الألمانية من أدونيس

فكما أراد الشاعر أن يسيطر على الحياة، عبر تسفيهه لشعبه وإفراد نفسه كـ"داعية وحجة"، أراد، أيضًا، السيطرة على موته: هذا ضريحي! وهنا أًدفن!

أدونيس الشاعر الجوّاب الذي دار العالم باحثًا عن كل ما من شأنه أن يجعل دائرة السيرة الإغريقية تكتمل، عاد إلى قريته الأم، وبنى منزله، وبنى ضريحه، وحدد مكان دفنه، نظر إلى أهليه وقال: هنا مزاري! ‏

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن أدونيس المنتحل والمكرّم

لماذا لا أتمنى نوبل لأدونيس!