أدلة طبية وشهادات ناجين: انتهاكات جسيمة بحق أسرى الحرب في روسيا
27 مايو 2025
حين كان الجندي الأوكراني سيرهي هغريوريف يتصل بعائلته من الخطوط الأمامية، كان يكرر جملة واحدة بثقة مطلقة: "كل شيء سيكون على ما يرام".
ردّد العبارة مرارًا حتى أصبحت جزءًا من وجدان عائلته الصغيرة. ابنته الصغرى أوكسانا، البالغة من العمر 31 عامًا، وشمت تلك الكلمات على معصمها كتذكار أبدي. لكنها لم تكن تعلم أن تلك المكالمة ستكون آخر مرة تسمع فيها صوت والدها.
بعد أسره على يد القوات الروسية خلال معركة ماريوبول في عام 2022، انتظرت عائلته أن يعود حيًا، كما تقتضي القوانين الدولية، لكن جسده عاد في كيس أسود، والصدمة كانت أكبر من أن تُحتمل: شهادة الوفاة الروسية تقول "سكتة دماغية"، فيما أظهر التشريح الأوكراني ومقابلات مع أسرى سابقين أنه مات بسبب الضرب، والإهمال الطبي، والبرد القارس.
هغريوريف واحد من أكثر من 200 أسير حرب أوكراني لقوا حتفهم في سجون روسيا منذ بدء غزوها الشامل لأوكرانيا قبل أكثر من ثلاث سنوات، بحسب ما نقلته وكالة "أسوشيتد برس" في تقرير استقصائي استند إلى وثائق طبية وشهادات أسرى محررين ومصادر حقوقية وأممية.
هغريوريف واحد من أكثر من 200 أسير حرب أوكراني لقوا حتفهم في سجون روسيا منذ بدء غزوها الشامل لأوكرانيا قبل أكثر من ثلاث سنوات
أدلة على "نظام تعذيب ممنهج"
تكشف التقارير الطبية الأوكرانية، وشهادات ذوي الأسرى، ومنظمات حقوق الإنسان، أن الكثير من هذه الوفيات لم تكن نتيجة أمراض طبيعية كما تزعم الوثائق الروسية، بل نتيجة ضرب مبرّح، وسوء تغذية، وتعذيب جسدي ونفسي، وانعدام الرعاية الصحية في معتقلات تابعة للدولة الروسية، أو في أراضٍ أوكرانية تحتلها موسكو.
وقالت رئيسة بعثة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في أوكرانيا، دانييل بيل، في تصريح لـ "أسوشيتد برس": "ما يحدث للأسرى الأوكرانيين في السجون الروسية لا يمكن أن يكون مجرد تجاوزات فردية، بل هو انتهاك ممنهج وصادم للقانون الدولي الإنساني."
وتضيف تقارير الأمم المتحدة أن 95 % من الأسرى الأوكرانيين المفرج عنهم أبلغوا عن تعرضهم لتعذيب منهجي، شمل الضرب المبرح، الصعق الكهربائي، الإيهام بالغرق والإعدام، أوضاع احتجاز مجهدة، العنف الجنسي، والحرمان المتعمد من النوم والرعاية الصحية.
من الجبهة إلى المعتقل: قصة الجندي هغريوريف
كان سيرهي هغريوريف يبلغ من العمر 59 عامًا عندما قرر الانضمام إلى القوات المسلحة الأوكرانية عام 2019. وفي عام 2022، أثناء القتال في مدينة ماريوبول المحاصرة، وقع في الأسر مع آلاف من الجنود الأوكرانيين بعد سقوط المدينة في قبضة القوات الروسية.
في آخر اتصال هاتفي له يوم 10 نيسان/أبريل 2022، قال لعائلته: "كل شيء سيكون بخير." بعد يومين، أبلغ قريب أحد زملائه العائلة بأنه أُسر. وبعد أسابيع، تلقت زوجته هالينا اتصالًا من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يؤكد أن سيرهي مسجّل كأسير حرب لدى روسيا، ما يمنحه الحماية الكاملة بموجب اتفاقيات جنيف.
لاحقًا، وصلتهم رسالة قصيرة منه كتب فيها: "أنا حي وبخير، لا تقلقوا علي". لكن بعد أشهر، ظهرت صور له على وسائل التواصل الاجتماعي الروسية. ظهر نحيفًا جدًا، فاقدًا بعض أسنانه، وذو شعر رمادي مقصوص، وبدا عليه الوهن الشديد. قال في الفيديو المصوّر، والذي يُعتقد أنه صُوِّر تحت الإكراه: "أنا حي وبخير".
لكن ابنته أوكسانا قالت لـ "أسوشيتد برس": "إذا نظرت إلى وجهه، يمكنك أن ترى أن هذه الجملة لم تكن صادقة".
"الكل كان يتعرّض للضرب"
أوليكسي هونتشاروف، أسير حرب أوكراني سابق تم إطلاق سراحه في صفقة تبادل جرت في شباط/فبراير 2024، كان معتقلًا في سجن بمدينة كامنسك-شاختينسكي جنوبي روسيا، وهو نفس السجن الذي احتُجز فيه هغريوريف.
يقول هونتشاروف في شهادته لـ "أسوشيتد برس": "في هذا السجن، الجميع يُضرب بلا استثناء. البعض أكثر من غيره، لكن لا أحد نجا من العنف."
ويضيف: "كنت أعاني من ألم في صدري لشهور، وطلبت مرارًا العلاج. لم يستجب أحد. بل كانوا يضربونني بعد كل طلب".
عاد هونتشاروف إلى أوكرانيا مصابًا بمرض السل، وهو مرض بدأ ينتشر بين الأسرى العائدين. ووصف كيف كان هغريوريف قوي البنية في البداية، ويصمد في التمارين القسرية التي كانت تُفرض عليهم، لكنه مع الوقت بدأ يفقد توازنه، وأصبح يعاني من الدوار، ثم لم يعد قادرًا على المشي دون مساعدة.
المشرحة: حيث تتكلم الجثث
في مشرحة بالعاصمة كييف، تعمل الطبيبة الشرعية إينا باداي على تشريح جثث الجنود والأسرى الذين يتم تسليمهم من الجانب الروسي. تقول لـ "أسوشيتد برس": "الجثث تتحدث. من خلال العظام، والجلد، وحتى الأظافر، نعرف ما الذي مر به هؤلاء الرجال."
تؤكد باداي أن العديد من الجثث التي تصل بزي نزلاءالسجون، وهي غالبًا مشوهة أو متحللة أو تحمل آثار إصابات داخلية غير مبررة. بعضها يصل بأطراف مكسورة، أو علامات خنق، أو جروح غائرة لم تُعالج.
وتضيف: "الذين يقتلون في المعركة، نراهم بزيهم العسكري وإصاباتهم واضحة. أما الأسرى، فتأتي جثثهم تحمل آثارًا وهو ما يمكن وصفه بجريمة حرب."
انتهاكات موثّقة... وأجوبة غائبة
ورغم أن روسيا تتهم أوكرانيا هي الأخرى بارتكاب انتهاكات بحق الأسرى الروس، إلا أن تقرير الأمم المتحدة الصادر عام 2024، والذي استعرضته وكالة "أسوشيتد برس"، أوضح أن الانتهاكات الأوكرانية تحدث غالبًا أثناء القبض على الأسرى فقط، وتكاد تنعدم بمجرد نقلهم إلى مراكز الاحتجاز الرسمية، وهو ما لا ينطبق على الجانب الروسي.
ورفضت وزارة الدفاع الروسية، الرد على ما ورد في تقرير "أسوشيتد برس"حول وفاة هغريوريف أو الحالات المماثلة. كما لم تُقدّم أي معلومات رسمية حول أسباب تدهور الأوضاع الصحية للأسرى في معتقلاتها.
من يضمن حق الأسري؟
قصة سيرهي هغريوريف ليست استثناءً، بل جزء من سلسلة طويلة من الانتهاكات الممنهجة التي توثقها تقارير دولية، وتؤكدها الجثث العائدة من السجون الروسية.
وفي غياب الشفافية والمساءلة، تبدو حماية أسرى الحرب، كما تقتضيها اتفاقيات جنيف، حبرًا على ورق في وجه آلة قمع لا تكترث بالقوانين، ولا بحق الإنسان في الحياة.