أدب المناخ: رصد لخراب الكوكب يمزج بين الواقع والخيال
11 سبتمبر 2025
قد تعني جُملة "الأدب، ما فقد في الترجمة" بالأساس أن هناك جزءً من المعنى يُفقد من إدراك القارئ للنصّ الأدبي حال ترجمته إلى لغةٍ غير اللغة الأصلية التي كُتب فيها. إلا أننا نستطيع أن نوّظف الجملة بشكلٍ مغاير، إذا ما قُلنا إن بعض الأدب الجيد والمنضوي تحت تعريف صنفٍ أدبي ما، يفقد إذا لم يُترجم إلى لغة عولمية، كالإنجليزية في المقام الأول. هذا ما قفز إلى ذهني حين استطلعت مفهوم "أدب المناخ"، باستخدام جوجل كمحرك بحث.
عبارة "Climate Fiction"، أو "Cli Fi" اختصارًا، والتي عرفها العالم الغربي في العِقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وربما تكون غير مألوفة للقارئ العربي حتى الآن، لا تقتصر على الأدب، بل تشمل الأعمال السينمائية والدرامية التي يشكّل تغيّر المناخ واقعها الاجتماعي الواقعي أو المتخيّل. لكنني أقصر الرصد هُنا على الأدب. تقدم مصادر مختلفة حصرًا للأعمال التي ينظر إليها كأدب مناخ، ويذكر بعضها رواية "العالم الغارق" للكاتب جاي جي بالارد التي صدرت في العام 1962، مرورًا برواية "عبرة الزارع" للكاتبة أوكتافيا باتلر والتي صدرت في 1993، وحتى بعض الروايات الصادرة هذا العام والتي نوّه عنها تقرير للغارديان نُشر مؤخرًا. وضمن قائمة الروايات هذه، نجد ثلاثية للروائية الشهيرة مارغريت آتوود، ترجمت رواية منها للعربية سحر توفيق، تحت عنوان "كريك وأوريكس".
هذه الأعمال، التي يصنّف بعضها كروايات ديستوبيا، تصور واقعًا كارثيًّا يعيشه الإنسان بعد أن خرب كوكب الأرض، وجعله غير صالح للحياة. وبعض الأعمال تصور واقعيًّا حياة ناجٍ وحيد أو ناجين قلائل، ومحاولاتهم للبقاء أحياء باستغلال المقومات المتاحة. تألمت إذ رأيت أن القائمة افتقدت رواية مهمة للغاية، من وجهة نظري، هي رواية الكاتب المصري الراحل صبري موسى، "السيد من حقل السبانخ"، كونها لم تُترجم، ولم يشر إليها أحد المهتمين بالأدب العربي في كتابات بالإنجليزية.
فالرواية تصور حياة البطل، هومو، واحد من الناجين من كارثة بيئية دمرت الأرض بشكل شبه كامل، وجعلت جوها غير صالح للحياة إلا داخل ما يشبه المستنبت الزجاجي العازل للأشخاص كرحمٍ حاضن. يقوم على النظام أشخاص جادون في تجنّب أخطاء الماضي والتعلّم من دروسه، وتصميم الحياة بشكل روتيني صارم، وباستخدام تكنولوجيا فائقة، خيالية بالكامل، لكنها توفر للبشر كل احتياجاتهم مقابل التزامهم الكامل بالعمل الُمخصَص لهم. مما جعل النقاد يصنّفوا الرواية كرواية خيال علمي عند نشرها في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. هومو يملّ النظام، ويتمرد عليه، ويتغيب عن عمله في حقل السبانخ. تحاول لجنة من النظام محادثته وبحث مشكلته، لكنه يدخلهم في جدالاتٍ فلسفية مطولة، ولا يَنصاع إلى النظام. فيطرد من جنة الحياة غير الملوثة إلى خارج القُبة الزجاجية الحامية من الخراب بالخارج.
هذه الأعمال، التي يصنّف بعضها كروايات ديستوبيا، تصور واقعًا كارثيًّا يعيشه الإنسان بعد أن خرب كوكب الأرض، وجعله غير صالح للحياة. وبعض الأعمال تصور واقعيًّا حياة ناجٍ وحيد أو ناجين قلائل
قد يشكك تعريف "أدب المناخ" بأنه الأدب الذي تصور نصوصه تأثير تغير المناخ على حياة البشر، ومحاولة توعية الشعوب بالواقع المظلم الذي سيعيشونه إذا ما استمروا في تخريب كوكب الأرض، القارئ في جودة هذه النصوص وبُعدها عن الإنشائية، كونها توفر عنصر التنوير على حساب الإمتاع. وهما العنصران اللذان حددهما أرسطو في كتاب "فن الشعر" كخصائص للأدب الجيّد. لكن هذا ليس بالضرورة وقع بعض الأعمال على القارئ. فبالنسبة لي، وجدت "السيد من حقل السبانخ" واحدة من أمتع الأعمال التي قرأتها، والحوارات الفلسفية التي تبادلها هومو مع الشخصية التي قد ينظر إليها على كونه المحرض على تمرد هومو. فتوفر فيها، بالنسبة لي، شرط الإمتاع إلى جانب التنوير. عمل كرواية أتوود، بترجمة سحر توفيق، يصوّر واقعًا شديد السوداوية، بحيث قد لا يجد بعض القراء المتعة في القراءة، حتى وإن توفر بالضرورة عنصر التنوير، والتوعية بالقضية وربما التصميم على الإسهام الإيجابي المستقبلي في عدم تفاقم أزمة التلوث وبالتالي تغير المناخ.
موقع "science.smith.edu"، فقد ذهب إلى رد بدايات أدب المناخ للعام 1816، تاريخ نشر قصيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، "Darkness"، أو ظلام
الكثير من العناوين التي وجدتها في قائمة الأعمال التي تصنف كأدب مناخ، لم تصل لقُراء اللغة العربية فقط، كما لم تصل رواية موسى لقراء الإنجليزية. وبالتالي قد نضيف إليها مفهوم "الفقد" الذي ذكرته في البداية. كما لم أجد في أي من المصادر التي اطلعت عليها رواية وليام غولدنج "إله الذباب"، والتي يرجع تاريخ نشرها إلى عام 1954. رواية غولدنج، وهي رواية دستوبيا تصور حياة مجموعة من الأطفال الذي نُقلوا لجزيرة لم تدمرها قنابل الحرب العالمية الثانية، فقتلوا مسيحهم وحرقوا الجزيرة، التي كانت بقعة ناجية من الدمار بفعل أسلحة الدمار الشامل التي تغيّر وجه الأرض ومناخها حتى أصبحت غير صالحة للحياة. الرواية ترجمها للعربية المترجم عبد الحميد الجمال، تحت عنوان "أمير الذباب".
أما موقع "science.smith.edu"، فقد ذهب إلى رد بدايات أدب المناخ للعام 1816، تاريخ نشر قصيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، "Darkness"، أو ظلام. وبدايتها:
ظلام
رأيت حلمًا، لم يكن بالكُليّة حلمًا.
الشمس الساطعة انطفأت، والنجوم
تطوف مظلمة في الفضاء السرمدي،
بلا شعاع، بلا مسار، والأرض المتجمدة
تتأرجح عمياء ومظلمة في هواء بلا قمر؛
أتى الصباح، وذهب وأتى، ولم يجلب النهار،
ونسي الرجال شغفهم في رهبة الخراب؛
وكل القلوب مرتعشة في صلاة ذاتية للنور