ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

أدب الديستوبيا.. لماذا يقرأ الشباب عن عالمٍ لا يريدون العيش فيه؟

8 أغسطس 2026
getty
لماذا يقرأ الشباب عن عالمٍ لا يريدون العيش فيه؟ (Getty)
وفاء الدهمانيوفاء الدهماني

من الخارج، كل شيء يبدو مثاليًا. شوارع هادئة، ومدن منظمة، وقوانين وُضعت لحماية الجميع، ومجتمع لا ينقصه شيء. لكن ماذا لو كان هذا النظام نفسه هو القفص؟ ماذا لو أصبحت الطمأنينة ثمنًا للحرية، وأصبح الاستقرار قائمًا على المراقبة، والخوف، والتنازل التدريجي عن أبسط حقوق الإنسان؟

هنا تبدأ الحكاية التي يحب أدب الديستوبيا أن يرويها.

منذ أكثر من قرن، يأخذ الأدباء مخاوف الإنسان من الحاضر ويدفعون بها إلى أقصى حدودها، فيبنُون عوالم لا تشبه واقعنا تمامًا، لكنها تبدو مألوفة على نحو يثير القلق. حكومات تراقب مواطنيها، مجتمعات تتحكم في أفكار أفرادها، كتب تُحرق، أجساد تخضع للسلطة، وتكنولوجيا تتسلل إلى تفاصيل الحياة حتى يصبح السؤال ليس: ماذا نملك؟ بل: كم تبقى لنا من الحرية؟

ومع ذلك، لا يقرأ الشباب هذه الروايات لأنهم يريدون الهروب إلى عالم أكثر قتامة. على العكس، ربما لأنهم يجدون فيها شيئًا من عالمهم؛ مخاوف تكبر أمامهم، وأسئلة لا يملكون لها إجابات واضحة، ومستقبلًا يبدو مفتوحًا على احتمالات لا يعرفون إلى أين تقود.

من نحن و1984 إلى "فهرنهايت 451" و(The Hunger Games)، تغيّرت العوالم والشخصيات، لكن السؤال بقي واحدًا: ماذا يمكن أن يحدث للإنسان حين تصبح السلطة أقوى من قدرته على قول "لا"؟

وربما لهذا السبب تحديدًا، ظل أدب الديستوبيا حيًا. فهو لا يخبرنا كيف سيكون المستقبل بقدر ما يحذرنا مما قد نصبح عليه إذا تركنا مخاوف الحاضر تتضخم من دون مقاومة. فالقارئ يدخل هذه العوالم بحثًا عن قصة، لكنه قد يخرج منها وهو ينظر إلى عالمه الحقيقي بعين مختلفة.

 خلف هذا النوع الأدبي حكاية أطول بدأت من سؤال يبدو، للوهلة الأولى، أكثر تفاؤلًا: كيف يمكن للإنسان أن يبني مجتمعًا مثاليًا؟

من "يوتوبيا" إلى أولى ملامح الديستوبيا

لم تولد الديستوبيا من العدم، ولم يكن ظهورها مجرد رغبة أدبية في تخيّل عوالم مرعبة.  خلف هذا النوع الأدبي حكاية أطول بدأت من سؤال يبدو، للوهلة الأولى، أكثر تفاؤلًا: كيف يمكن للإنسان أن يبني مجتمعًا مثاليًا؟

في عام 1516، طرح الفيلسوف والكاتب الإنجليزي توماس مور هذا السؤال في كتابه يوتوبيا، حين تخيّل جزيرة تقوم على نظام اجتماعي مختلف عن الواقع الأوروبي الذي عاشه. لم يكن الكتاب مجرد وصف لمجتمع مثالي، بل كان أيضًا طريقة لانتقاد المجتمع القائم ومشكلاته، من خلال وضعه أمام نموذج آخر أكثر انتظامًا وعدالة في الظاهر.

لكن فكرة المجتمع المثالي حملت معها سؤالًا آخر ظل يكبر في الأدب والفكر مع مرور الزمن: من يقرر ما هو مثالي؟ ومن يملك حق فرضه على الآخرين؟

مع دخول العالم القرن العشرين، لم تعد المخاوف الأدبية مرتبطة فقط بالفقر أو الحروب أو فساد الحكام، بل بدأت تتجه نحو شيء أكثر تعقيدًا: الدولة الحديثة، السلطة المركزية، الجماهير، التكنولوجيا، وقدرة النظام على الوصول إلى تفاصيل حياة الفرد.

وفي هذا المناخ ظهرت واحدة من الروايات التي ستصبح حجر أساس في أدب الديستوبيا الحديث.

1921 | "نحن".. حين يصبح الفرد رقمًا

في روسيا، كتب يفغيني زامياتين رواية نحن، مقدمًا تصورًا لمجتمع تُدار فيه حياة المواطنين وفق نظام شديد الصرامة، حيث لا تكاد توجد مساحة للفرد خارج القواعد التي تحددها الدولة.

الأشخاص في هذا العالم لا يعيشون بأسماء تحمل خصوصيتهم، بل بأرقام، والوقت نفسه يخضع لتنظيم دقيق، بينما تصبح المشاعر والرغبات الفردية شيئًا يهدد النظام بدل أن يكون جزءًا طبيعيًا من الإنسان.

لكن ما يجعل الرواية لافتة ليس القمع وحده، وإنما الطريقة التي يصل بها النظام إلى تعريف الإنسان لنفسه.

فالمشكلة لم تعد أن السلطة تمنعك من فعل ما تريد فحسب؛ بل أن العالم المحيط بك مصمم بحيث يجعلك تشك أصلًا في حقك بأن تريد شيئًا مختلفًا.

وهنا كانت نحن تضع واحدة من أهم أفكار الديستوبيا على الطاولة: ماذا يحدث عندما لا تحاول السلطة السيطرة على أفعال الإنسان فقط، بل تسعى إلى إعادة تشكيل مفهومه عن الحرية نفسها؟

كانت الرواية، بهذا المعنى، أبعد من قصة عن مستقبل متخيل. لقد قدمت إنذارًا مبكرًا بشأن مجتمع يمكن أن تتحول فيه الجماعة إلى قيمة أعلى من الفرد، ويمكن أن يصبح الاختلاف خللًا يجب إصلاحه لا حقًا يجب حمايته.

ومن هذه النقطة، بدأ أدب الديستوبيا يكتسب ملامحه التي ستتضح أكثر في العقود التالية، مع عوالم ستصبح فيها المراقبة، والسيطرة على المعرفة، وإعادة تشكيل الحقيقة، أدوات أكثر خطورة من القوة المباشرة.

1949 | "1984".. حين لم تعد المراقبة كافية

إذا كانت رواية نحن قد طرحت فكرة إخضاع الفرد لنظام شامل، فإن جورج أورويل ذهب أبعد في روايته 1984، التي صدرت عام 1949، ووضع السيطرة على الإنسان في مستوى أكثر عمقًا: السيطرة على ما يعرفه، وما يتذكره، وما يستطيع أن يقوله ويفكر فيه.

في عالم الرواية، يعيش سكان أوقيانوسيا تحت سلطة الحزب، فيما تراقبهم شاشات منتشرة في أماكن حياتهم اليومية. لكن المراقبة ليست سوى جزء من منظومة أكبر؛ فالسلطة تعمل أيضًا على إعادة كتابة الماضي، وتغيير اللغة، وتحديد ما يمكن اعتباره حقيقة.

بطل الرواية، ونستون سميث، يعمل في وزارة الحقيقة، حيث تتمثل مهمته في تعديل السجلات القديمة لتنسجم مع الرواية التي تريد السلطة تثبيتها في الحاضر.

وهنا تكمن إحدى أكثر أفكار أورويل إثارة للقلق: إذا استطاعت السلطة أن تتحكم في السجل الذي يروي الماضي، فبإمكانها أن تؤثر في الطريقة التي يفهم بها الناس حاضرهم.

ولذلك لم تكن 1984 رواية عن المراقبة بالمعنى المباشر فقط، بل عن العلاقة بين السلطة واللغة والذاكرة والحقيقة. وربما لهذا السبب تجاوزت الرواية زمنها، وبقيت مفرداتها وأفكارها حاضرة في النقاشات المتعلقة بالاستبداد والدعاية والمراقبة والحرية الفردية.

1953 | "فهرنهايت 451".. حين يصبح التفكير خطرًا

بعد أربع سنوات، نشر راي برادبري روايته فهرنهايت 451، وقدم ديستوبيا مختلفة في أدواتها.

في عالم الرواية، يُمنع امتلاك الكتب، ويتولى رجال الإطفاء مهمة إحراقها بدل إخماد الحرائق. لكن برادبري لا يقدم مجتمعًا يخضع للكتب المحظورة فقط، بل مجتمعًا ابتعد تدريجيًا عن القراءة والتأمل، وانجذب إلى الترفيه السريع والشاشات التي تملأ حياته.

يعيش بطل الرواية، غاي مونتاغ، بوصفه رجل إطفاء يحرق الكتب، قبل أن يبدأ تدريجيًا في التشكيك في العالم الذي يعيش فيه، وفي الدور الذي يؤديه.

وهنا لا يأتي الخطر من السلطة وحدها. الرواية تطرح أيضًا سؤالًا أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث عندما يتوقف المجتمع نفسه عن الرغبة في القراءة والتفكير، ويصبح المحتوى السريع أكثر جاذبية من المعرفة التي تحتاج إلى وقت وتأمل؟

لهذا تبدو فهرنهايت 451 مختلفة عن 1984. أورويل ركز على سلطة تسعى إلى التحكم بالحقيقة، بينما اهتم برادبري أيضًا بمجتمع يمكن أن يشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إقصاء الكتاب والتفكير العميق من حياته.

واللافت أن قراءة الرواية اليوم تستدعي تلقائيًا النقاش حول علاقتنا بالشاشات والمحتوى السريع، لكن من المهم عدم اختزالها في نبوءة عن وسائل التواصل الاجتماعي؛ فبرادبري كان يناقش، قبل عصر الإنترنت بوقت طويل، أثر الترفيه الجماهيري وتراجع الانتباه والقراءة والتفكير النقدي.

1985 | "حكاية الأمة".. حين تصبح السلطة صاحبة القرار في الجسد

بعد أكثر من ثلاثة عقود، وسّعت الكاتبة الكندية مارغريت أتوود مساحة الديستوبيا في روايتها حكاية الأمة، الصادرة عام 1985.

تدور الأحداث في جمهورية جلعاد، وهي دولة دينية استبدادية أُقيمت على أنقاض الولايات المتحدة، وتُحرم فيها النساء من كثير من حقوقهن السابقة، وتُقسّم أدوارهن وفق نظام اجتماعي صارم.

تروي الرواية حكاية أوفريد، وهي امرأة تُجبر على العيش ضمن نظام يجعل قدرتها على الإنجاب جزءًا من وظيفة تفرضها السلطة عليها.

لكن أتوود لا تجعل الحكاية مجرد قصة عن اضطهاد النساء؛ بل تستخدمها لاستكشاف الطريقة التي يمكن أن تتحول بها السلطة السياسية والدينية إلى قوة تتدخل في أكثر مناطق حياة الإنسان خصوصية: الجسد، والعائلة، والإنجاب، والهوية.

وهنا اتخذت الديستوبيا مسارًا جديدًا. لم تعد الأسئلة تدور فقط حول الدولة التي تراقب مواطنيها أو السلطة التي تتحكم في المعلومات، بل أصبحت تتعلق أيضًا بمن يملك الحق في تحديد شكل حياة الفرد، وما الذي يمكن أن يحدث عندما تتحول القوانين والأيديولوجيا إلى أدوات للسيطرة على الجسد نفسه.

وبذلك، ساهمت حكاية الأمة في توسيع حدود هذا النوع الأدبي، وجعلت الديستوبيا مساحة لطرح أسئلة تتعلق بالنوع الاجتماعي والسلطة والحرية والحقوق الفردية، إلى جانب الأسئلة السياسية التي رافقت هذا الأدب منذ بداياته.

في نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، لم تعد الديستوبيا حكايات ثقيلة موجهة إلى قارئ يبحث عن الأسئلة السياسية والفلسفية فقط. شيئًا فشيئًا، اقتربت هذه العوالم من المراهقين والشباب، وأصبح أبطالها في أعمارهم تقريبًا، يعيشون المخاوف نفسها التي يعرفونها، لكن في نسخ أكثر قسوة.

في عام 2008، صدرت The Hunger Games لسوزان كولينز، لتدفع هذا النوع الأدبي إلى واجهة أدب الشباب. في عالم الرواية، تنقسم بانيم إلى مناطق تخضع لسلطة الكابيتول، وتُجبر مجموعة من المراهقين على المشاركة في ألعاب قاتلة تُبث أمام الجمهور بوصفها عرضًا ترفيهيًا.

لم تكن قوة الرواية في فكرة المنافسة وحدها، بل في تحويل المراهق نفسه إلى طرف في مواجهة نظام كامل. كاتنيس إيفردين ليست قائدة سياسية في البداية، ولا تملك نفوذًا أو قوة استثنائية؛ إنها فتاة تجد نفسها فجأة داخل منظومة أكبر منها، وعليها أن تختار بين الامتثال والنجاة والمقاومة.

بعدها بعام، ظهرت The Maze Runner لجيمس داشنر، ثم جاءت Divergent لفيرونيكا روث عام 2011، لتتوسع موجة الديستوبيا الشبابية وتتحول إلى ظاهرة أدبية وسينمائية واسعة.

كان القاسم المشترك بين هذه الأعمال واضحًا: شخصيات شابة تحاول اكتشاف حقيقتها داخل أنظمة تريد أن تحدد لها من تكون، وكيف تعيش، وما الذي يمكن أن تصبح عليه.

وهنا ربما تكمن نقطة التحول الأهم؛ فالديستوبيا لم تعد تحكي فقط عن سقوط المجتمعات، بل عن لحظة اكتشاف الفرد أنه قادر على رفض الدور الذي اختير له.

في 1984، كان هاجس المراقبة والسيطرة على المعلومات جزءًا من عالم سياسي شديد القسوة. أما اليوم، فقد أصبحت الخصوصية والبيانات الشخصية والخوارزميات موضوعات يومية في حياة الملايين.

وفي "فهرنهايت 451"، كان برادبري يتخيل مجتمعًا يبتعد عن الكتب والتفكير العميق لصالح الترفيه السريع والشاشات. واليوم، يعيش الإنسان في بيئة إعلامية لا تتوقف فيها الرسائل والتنبيهات والمقاطع القصيرة عن منافسة انتباهه.

أما الروايات الديستوبية الأحدث، فقد وجدت موادها في مخاوف أكثر معاصرة: تغير المناخ، الأزمات الاقتصادية، الذكاء الاصطناعي، اتساع الفجوة الاجتماعية، الحروب، وتراجع الخصوصية.

لكن الفرق مهم: الرواية لا تقول إن هذه المخاوف ستقود حتمًا إلى نهاية كارثية. إنها تسأل ماذا يمكن أن يحدث إذا تركناها تتفاقم بلا مقاومة.

وهنا تتحول الديستوبيا من أدب عن المستقبل إلى أدب عن الحاضر.

لماذا يختار الشباب عالمًا كهذا؟

قد يبدو غريبًا أن يجد قارئ صغير نفسه متعلقًا برواية مليئة بالخوف والاضطهاد والموت. لكن الجاذبية الحقيقية لا تأتي من الظلام وحده.

في قلب معظم الديستوبيا الشبابية توجد حكاية أكثر قربًا من القارئ: شخص يحاول أن يعرف نفسه في عالم يصر على أن يعرّفه بدلًا منه.

وهذا صراع مألوف حتى خارج الرواية.

المراهق الذي يبحث عن هويته، والشاب الذي يحاول اختيار مستقبله، ومن يشعر بأن المجتمع يضع أمامه مسارًا جاهزًا للحياة؛ جميعهم يستطيعون رؤية شيء من أنفسهم في شخصية تقف أمام نظام يريد أن يقرر عنها.

لهذا لا يبقى القارئ متفرجًا.

مع كل صفحة، يبدأ في وضع نفسه مكان البطل: ماذا لو كنت أنا في هذا العالم؟ هل سأطيع؟ هل سأهرب؟ هل سأقاوم؟ وهل يمكن للإنسان أن يحافظ على نفسه عندما يصبح ثمن الاختلاف مرتفعًا؟

تلك الأسئلة تجعل الديستوبيا أكثر من قصة عن المستقبل. إنها تمنح القارئ مساحة آمنة لاختبار مواقفه، من دون أن يعيش الخطر فعليًا.

فالخوف هنا ليس الغاية؛ إنه الأداة التي تدفع القارئ إلى التفكير.

من المستقبل المتخيل إلى مخاوف الحاضر

ربما لهذا السبب تحديدًا، لا تبدو الديستوبيا منفصلة تمامًا عن زمننا.

هذه الروايات لا تتنبأ بالمستقبل بالضرورة، لكنها تأخذ قلقًا موجودًا في الحاضر وتدفعه إلى أقصى حدوده.

الديستوبيا لا تتنبأ.. إنها تحذر

من السهل بعد قراءة رواية ديستوبية ناجحة أن ننظر إليها كأنها محاولة للتنبؤ بما سيحدث. لكن هذا ليس بالضرورة ما تفعله هذه الأعمال.

الكاتب الديستوبي لا يحتاج إلى معرفة شكل المستقبل. يكفي أن ينظر جيدًا إلى الحاضر.

يرى ظاهرة صغيرة، ثم يسأل: ماذا لو كبرت؟

يرى مجتمعًا يقبل بالمراقبة، فيتخيل عالمًا تصبح فيه المراقبة قاعدة.

يرى تراجعًا في الخصوصية، فيسأل ماذا يحدث عندما تختفي الخصوصية تمامًا.

يرى اعتمادًا متزايدًا على التكنولوجيا، فيتخيل لحظة يصبح فيها الإنسان غير قادر على معرفة أين تنتهي أدواته وأين تبدأ السيطرة عليه.

بهذه الطريقة، تعمل الديستوبيا كأنها عدسة تكبّر التفاصيل التي قد نمر عليها في حياتنا اليومية من دون انتباه.

إنها لا تقول: هذا هو المستقبل.

بل تهمس: هذا أحد الاحتمالات، فهل يعجبك ما تراه؟

لماذا تعود الديستوبيا مع كل جيل؟

تتغير المخاوف، لكن الحاجة إلى هذا النوع الأدبي لا تختفي.

في زمن، كان السؤال عن الدولة التي تريد معرفة كل شيء عن مواطنيها. وفي زمن آخر، عن مجتمع يخشى الكتب. ثم ظهرت أسئلة تتعلق بالجسد والهوية والطبقة والبيئة والتكنولوجيا.

كل جيل يكتب ديستوبيته الخاصة.

الكاتب الديستوبي لا يحتاج إلى معرفة شكل المستقبل. يكفي أن ينظر جيدًا إلى الحاضر. يرى ظاهرة صغيرة، ثم يسأل: ماذا لو كبرت؟

ولهذا يمكن أن يقرأ شاب اليوم 1984 فيجد فيها شيئًا من عالمه، بينما يجد قارئ آخر نفسه أقرب إلى The Hunger Games، أو إلى رواية أحدث تتحدث عن الذكاء الاصطناعي أو انهيار البيئة.

الوجوه تتغير، والأدوات تتغير، لكن الخوف الأساسي يبقى قريبًا: الخوف من أن يفقد الإنسان حقه في اختيار حياته.

وربما لهذا السبب لا تنتهي الديستوبيا عادة عند لحظة اكتشاف فساد العالم.

هناك دائمًا شخص يرفض، أو يسأل، أو يشك، أو يتمسك بذاكرته، أو يحاول إنقاذ جزء صغير من إنسانيته.

وهذا ما يمنح هذا الأدب مساحته من الأمل.

عالم لا نريد العيش فيه.. فلماذا نعود إليه؟

المفارقة أن القارئ يدخل الديستوبيا هربًا من واقعه، ثم يجد نفسه أمام أسئلة تخص هذا الواقع تحديدًا.

قد تكون المدن خيالية، والأنظمة متطرفة، والأحداث أبعد من الحياة اليومية، لكن المشاعر الأساسية ليست غريبة: الخوف من فقدان الحرية، القلق من المستقبل، الشعور بالعجز أمام سلطة أكبر، والرغبة في الاحتفاظ بالحق في الاختيار.

وهنا تكمن قوة هذا الأدب.

فالديستوبيا لا تطلب من القارئ أن يحب عالمها، ولا أن يتمنى العيش فيه. على العكس، هي تجعله يرى إلى أي مدى يمكن أن تصبح بعض الأفكار التي تبدو عادية اليوم خطيرة إذا تُركت من دون حدود.

ربما لهذا يفتح الشباب هذه الكتب مرة بعد أخرى.

ليس بحثًا عن مستقبل مظلم، بل عن معنى للحرية داخله.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الذي تتركه الديستوبيا في ذهن القارئ هو: هل سيحدث هذا فعلًا؟

بل سؤال أكثر إلحاحًا:

ماذا يمكننا أن نفعل حتى لا يحدث؟

كلمات مفتاحية
الدكتور عزمي بشارة

عزمي بشارة يقدم "أرابيكا".. مشروع عربي لتأسيس مرجع معرفي شامل

يطرح مشروع "الموسوعة العربية الشاملة: أرابيكا" نفسه بوصفه محاولة لإعادة بناء المرجعية المعرفية باللغة العربية، لا خارج العصر الرقمي، بل من داخله

المكتبات المستقلة في هونغ كونغ

فضاءات مساءلة للقراء الصينيين: لماذا تخسر هونغ كونغ مكتباتها المستقلة؟

في خضم التحولات السياسية التي تشهدها هونغ كونغ منذ سنوات، لم تعد المكتبات المستقلة مجرد مؤسسات ثقافية صغيرة تعمل على الهامش

القوة الناعمة

العقل السياسي الأميركي.. في نقد القوة الناعمة والهيمنة المعاصرة

في كتاب "القوة الناعمة" لجوزيف صموئيل ناي، طُرح مفهوم القوة الناعمة كوسيلة استراتيجية ناجحة في السياسة الدولية للولايات المتحدة الأميركية، وكذلك في حروبها

الليالي البيضاء.. من دوستويفسكي إلى BookTok
أدب

الليالي البيضاء لدوستويفسكي: كيف أعاد "تيك توك" الرواية إلى الواجهة؟

في ليلة هادئة من ليالي سان بطرسبورغ، كان رجل وحيد يمشي بلا وجهة، كأنه يبحث في شوارع المدينة عن شيء لا يعرف له اسمًا

فيلم "عطلة منتصف الشتاء"
أفلام

فيلم "عطلة منتصف الشتاء".. الماضي يسافر معنا

الفيلم جيد جدًا، بالنسبة لي على الأقل، لأنه لا يتحدث عن الحرب تقريبًا. لا يعيد سردها ولا يحولها إلى درس في السياسة أو التاريخ

صورة تعبيرية
مجتمع

إن كنت تريد تعزيز سعادتك وحماية دماغك.. لا تأكل بمفردك

قد لا يحتاج تحسين الصحة النفسية والرفاهية دائمًا إلى حمية غذائية جديدة أو ممارسة رياضية شاقة، فبعض الفوائد قد تبدأ من عادة يومية قديمة وبسيطة، هي تناول الطعام برفقة الآخرين

تلوث
علوم

الحرائق وموجات الحر تهددان جودة الهواء عالميًا.. تحذير أممي من أزمة صحية متفاقمة

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن الدخان الناتج عن الحرائق أصبح مصدرًا متزايدًا للتلوث، حتى في مناطق نجحت في خفض انبعاثات الصناعة والنقل