أدب الخيال العلمي.. مسارات وأسئلة

أدب الخيال العلمي.. مسارات وأسئلة

من فيلم فرانكشتاين

إلى أي مدى يُمكن أن تتطابق أو تتلاقى الروايات المُصنّفة كـ "أدب خيال علميّ"، مع تلك المُدرجة تحت تصنيفات أدب الخيال أو الفانتازيا؟ كيف يُمكن الفصل أساسًا بين هذين الأدبين والتمييز بينهما؟

اعتُبرت "فرانكشتاين" أولى الروايات الخيالية العلمية. رغم ذلك، ثمّة من يُشدّد على هويتها القوطية كمرجعية وحيدة لها

يبدو الجواب على هذا السؤال كامنًا في تعريفات "أدب الخيال العلميّ" بصفته مُصطلحًا جديدًا نوعًا ما، ظهر بعد أن ظهرت أعمال روائية بدت بحاجة إلى تصنيفٍ يُميّزها عن سواها من الأعمال الأدبية الأخرى المُشابهة، لا سيما الفانتازية منها.

اقرأ/ي أيضًا: أبو الخيال العلمي.. جورج ويلز الذي تنبأ بأشياء قبل حدوثها بـ100 عام!

يُعيد فرانسيس برتلو جذور أدب "الخيال العلميّ" إلى الرواية "القوطية" أو "الرواية السوداء" التي ظهرت نهاية القرن الثامن عشر كاتّجاهٍ أدبيٍّ جديد ترتكز أساساته على عوالم غرائبيّة وفانتازيّة مُتخيّلة، تأسّست على يدّ الأديب البريطانيّ هوراس والبول، ثمّ اتّسعت على يد أسماء أدبية عديدة، منها وليم بيكفورد، وآن رادكليف، وماثيو غريغوري لويس، وشارل روبير ماروتان، وبرام ستوكر الذي قدّم "دراكولا". ولكنّه لم يصل إلى ذروة شهرته وانتشاره إلّا في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر، على يد الأديب الأمريكيّ إدغار آلان بو (1).

قدّمت هذه الأسماء أعمالًا تختلفُ لجهة البنية والأسلوب والحكاية، ولكنّها نهلت جميعها من اتّجاه أو مدرسةٍ أدبية واحدة، اتّكأت عليها البريطانية ماري شيلي حينما كتبت روايتها "فرانكشتاين" (1817) التي أحدثت بدايةً نقلة نوعية داخل هذا الاتّجاه الأدبيّ، ثمّ أسّست لاتّجاهٍ جديد انطلق من "القوطية" وافترق عنها عندما قدّم روبرت لويس ستيفنسون روايته "الدكتور جيكل ومستر هايد" (1886).

اعتُبرت "فرانكشتاين" أولى الروايات الخيالية العلمية. رغم ذلك، ثمّة من يُشدّد على هويتها القوطية كمرجعية وحيدة لها. مُتجاهلًا انتمائها إلى الاتّجاه الأدبيّ الذي أسّسته، ووضعت ركائزه الأولى التي ستكون مُلهمة لأعمال كثيرة صدرت بعدها وصُنِّفت كـ "خيال علميّ". وينطلق هذا التجاهل أو الإسقاط من فكرة قاصرة أُحادية الجانب، ترى في الرواية "قوطية" لأنّها كُتبت بناءً على رغبة كاتبتها بأن تكون كذلك، عدا عن أنّ أجوائها قائمة على الرعب، وكذا شخصيتها التي هي مسخ بشريّ مكوّن من مجموعة أشلاء بشرية أُلصقت ببعضها.

الدراسات النقدية المُختلفة التي تناولت "فرانكشتاين"، وصنَّفتها كأدب خيال علميّ، أخذت بعين الاعتبار المرجعية القوطية المبنية عليها، ولكنّها تعاملت معها كمرجعية مرافقة لمرجعية أو هوية جديدة يُجسِّدها سؤال تطرحهُ الحكاية على القارئ والناقد في آنٍ معًا: بعد أن جُمعت الأجزاء البشرية وشكّلت معًا شخصية "فرانكشتاين"، كيف بُعثت الحياة داخلهُ؟ كيف بات مسخًا لهُ ما لبقية البشر؟ بقوّة العلم وتجاربه الخرافية. فـ "فرانكشتاين" حصيلة تجربة علمية أساسها أداة علمية – الكهرباء – قدّمها طبيب يحضر في الحكاية بوصفه عالمًا.

إذا كانت العناصر والتجارب العلمية هي ما جعلت من "فرانكشتاين" رواية خيالية علمية، فلم لا تكون رواية "الدكتور جيكل ومستر هايد" تحت هذا التصنيف أيضًا؟

هذه الإضافة الجديدة المُتمثّلة في الأدوات العلمية البحتة، قدّمت اتّجاهًا أدبيًا جديدًا مصدره التجارب العلمية التي حلّت برفقة منفّذيها ومبتكريها محلّ السحرة والكهنة الذين كانوا ذا وجودٍ ثابت تقريبًا داخل الرواية القوطية. بجملةٍ أخرى، إنّ هذا الاتّجاه الأدبيّ الجديد "أدب الخيال العلميّ" جاء في صورته الأولى نتيجة طبيعية للقاء "الرعب" بـ "النظريات العلمية".

اقرأ/ي أيضًا: كيف يرى كتاب الخيال العلمي مستقبل العراق؟

التحوّل من مجموعة أشلاء بشرية تالفة إلى مسخٍ على شاكلة إنسان في رواية ماري شيلي، تبعهُ بعد سنواتٍ تحوّل آخر حدث داخل حكاية روبرت ستيفنسون "الدكتور جيكل ومستر هايد" (1886) التي تحوّل فيها، ضمن قالب يلتقي فيه الرعب بالنظريات العلمية مُجدَّدًا، بمستوىً أقلّ ممّا جاء في "فرانكشتاين"؛ الدكتور جيكل من شخصية مثالية إلى أخرى شريرة يتعرّف إليها القارئ باسمها الجديد "مستر هايد".

إنّ أوّل ما يُصادف الباحث عن رواية الكاتب الإسكتلنديّ هو عدم اعتراف غالبية النقّاد بها كرواية خيالية علمية لأسباب مُختلفة، وتصنيفها بشيءٍ من التعصّب كـ"رواية بوليسية" أو "فانتازيّة". ويرتبط هذا الطرد بالإشكالية المتعلّقة بغياب تعريفٍ دقيقٍ لأدب الخيال العلميّ، يُراعي كافّة اتّجاهاته وأشكاله، ويكون شاملًا فيه من الدقّة ما يكفي لإنهاء حالة الإقصاء التي تطال غالبية روايات هذا الاتّجاه الأدبيّ، منها هذه الرواية التي، وعبر مقارنة بسيطة بينها وبين رواية ماري شيلي، يُمكن التوصّل إلى حقيقة أنّها وإن في جانبٍ منها فقط، رواية خيالية علمية.

فإذا كانت العناصر والتجارب العلمية هي ما جعلت من "فرانكشتاين" رواية خيالية علمية، فلم لا تكون رواية "الدكتور جيكل ومستر هايد" تحت هذا التصنيف أيضًا بما أنّها خالية: التحوّل من شخصية إلى أخرى مختلفة. وعلمية أيضًا: حدث هذا التحوّل أساسًا نتيجة تناول الدكتور جيكل لعقارٍ كيميائيٍّ أنتجه بنفسه داخل مختبره؟ أضف إلى ذلك أنّ هذا العقار في تعريفه الأدقّ داخل الحكاية هو "أداة علمية" كافية لإدراج الرواية تحت تصنيف أدب الخيال العلميّ.

يُعيد تحوّل "فرانكشتاين"، و"الدكتور جيكل" إلى الذاكرة تحوّل آخر لا يُمكن صرف النظر عنه، وهو تحوّل شخصية غريغور سامسا بطل رواية فرانز كافكالتحوّل" (1915) من إنسان طبيعي إلى حشرة ضخمة. ذلك أنّ ما قدّمه الكاتب التشيكيّ يبدو قابلًا لمقارنته بما قدّمته ماري شيلي ومن بعدها ستيفنسون أيضًا. وبإمكان هذه المقارنة أن توضّح وإن بشكلٍ بسيط جوهر الاختلاف بين الخيال الغرائبيّ/ الفانتازيّ/ السحريّ، وبين الخيال العلميّ.

انطلقت روايتا روبرت ستيفنسون وماري شيلي في رحلتهما نحو "الخيال" من أدوات علمية، على العكس من "التحوّل" التي بدأت أساسًا بـ "الخيال"

انطلقت روايتا روبرت ستيفنسون وماري شيلي في رحلتهما نحو "الخيال" من أدوات علمية فسّرت التحوّلات التي حدثت داخلهما، على العكس من "التحوّل" التي بدأت أساسًا بـ "الخيال" حينما استيقظ سامسا ليجد نفسهُ فجأة حشرة ضخمة، دون أي تفسيرات لهذه العملية التي لا وجود لأيّ أداة علمية تُفسِّرها، وبغياب الأداة العلمية تكون الرواية "خيالية"، ويكون مصدر الخيال هنا المُخيّلة بما تنسجهُ من فانتازيا، وليس التجارب العلمية أو العلماء كما هو الحال في الرواية الخيالية العلمية.

اقرأ/ي أيضًا: غابرييلا أليمان: الأدب هو حقل ألغام الخيال

أين يكمن جوهر الاختلاف إذًا؟ وهل وجود الأداة العلمية أو غيابها هو ما يُحدِّد هوية الرواية؟ تبدو الآراء النقدية مُنقسمة حيال هذه المسألة. ففي ظلّ حالة الاجماع على فانتازيّة رواية كافكا وسوداويتها، ثمّة آراء نقدية مُختلفة تقلّص المسافة بين ما قدّمه الكاتب التشيكيّ والخيال العلميّ، منها آراء آدم روبرتس الذي رأى أن رواية التحوّل قدّمت نموذجًا لأدب يتوقّف عند حدود "غيتو الخيال العلميّ" دون أن يدخله (2).

يُحيلنا هذا النموذج الأدبيّ إلى رواية يُمكن إدراجها في خانته، وهي "فرانكشتاين في بغداد" (2013) للكاتب العراقيّ أحمد سعداوي الذي شيَّدها بالاتّكاء على ما قدّمتهُ شيلي، إذ قدّم بدوره مسخًا بشريُا جُمعت أجزائه على فتراتٍ زمنية متفرّقة ممّا تبقّى من أجسادٍ بشرية، قضت في انفجاراتٍ مُختلفة في العاصمة العراقية بغداد، على يدِ صعلوكٍ اعتاد جمعها ووصلها ببضعها لتشكّل كائنًا حيًّا مُشابهًا لـ"فرانكشتاين" الذي يختلف عنه بأنّه وليد تجربة علمية، على عكس "فرانكشتاين" العراقيّ الذي لم ترد في الرواية أيّ تفسيراتٍ لعملية تحوّله هذه من أشلاءٍ بشرية إلى كائنٍ حيّ.

عملية التحوّل في "فرانكشتاين في بغداد" مُشابهة لتلك الموجودة في "التحوّل" لجهة غياب أيّ تفسيراتٍ علمية، على العكس تمامًا من "فرانكشتاين" و"الدكتور جيكل ومستر هايد"، الأمر الذي يجعل من الرواية قابلة لأن تُصنّف ضمن خانة الأدب الذي يقف عند حدود "غيتو الخيال العلميّ" دون أن يدخلهُ، فيحافظ بذلك على هويته الأولى كأدب خياليّ.

المقارنة أعلاه تصلحُ في تحديد الاختلاف بين هذين الاتّجاهين، وهو اختلاف يبدو كامنًا في المنطق المُحرِّك للكتابة بما هو المُختبر الذي تُبنى فيه الشخصية وتُكوَّن بموازاتها الحكاية أيضًا. في حالة الأدب الخياليّ، يكون ما يُحركهُ غالبًا مساحة أقرب من حيث التكوين إلى "الحلم"، المكان الأكثر قدرة على استيعاب تخيّلات الإنسان من جهة وانتاجها من جهةٍ أخرى، بالإضافة إلى أنّه المكان الذي يُتيح للإنسان مُمارسة السحر بأشكاله المُختلفة داخل حكاياته.

عملية التحوّل في "فرانكشتاين في بغداد" مُشابهة لتلك الموجودة في "التحوّل" لكافكا لجهة غياب أيّ تفسيراتٍ علمية

أمّا في أدب الخيال العلميّ، يكون المُحرِّك غالبًا التجارب العلمية. صحيح أنّها من حيث المضمون تجارب مُتخيّلة أيضًا، ولكنّها تفتقد إلى ذلك السحر الذي يجدهُ القارئ في الأدب الخياليّ الذي يضع فيه الكاتب شيئًا من نفسه وطبيعة مُحطيه داخله، فيكون أكثر قدرة على إقناع القارئ من حكايات الخيال العلميّ المُتخيّلة بطريقة رتيبة بعيدة عن المشاعر الإنسانية غالبًا، دون أن يعني هذا غياب استثناءات هنا وهناك.

اقرأ/ي أيضًا: مدونة أمبرتو إيكو.. حدود المعرفة وفضاء الخيال

يُمكن القول إنّ هذا الاختلاف هو الأوّل بين هذين الأدبين، وهو اختلاف حدّدهُ القارئ أصلًا من خلال طريقة تلقّيه لهذه الأعمال، فعند قراءته للخيال العلميّ، تُسيطر عليه فكرة مُسبقة بأنّ كلّ ما يقرأهُ مُتخيّل بطريقة تبدو له ليست  مفهومة لأنّها تأتي بعيدة كلّ البعد عن شخصيته ومشاعره وعوالمه، الأمر الذي يجعل من اللقاء بينهُ وبينها، وكذا الانسجام أيضًا، أمرًا صعبًا إلّا في حالات استثنائية.

أمّا عند قراءته للأدب الخياليّ، يكون العكس صحيحًا، ذلك أنّ الحكاية تكون أقرب إلى القارئ لأنّها قريبة من عالمه إلى الحدّ الذي يجعل خيالها مألوفًا ومقنعًا أكثر باعتباره قائمًا على سحر لا بدّ أنه خبرهُ في ثقافته الشعبية بحكاياتها التي سمعها وتلقّاها في مراحل عمرية مُختلفة، لا سيما تلك التي ترويها الجدّات، والتي جعلت خياله مُهيئ غالبًا لتلقّي مثل هذه الحكايات، وتخيّل مشاهدها الخيالية، في الوقت الذي قد يجد فيه غالبًا صعوبة في تخيّل المشاهد المرتبطة بتجارب علمية معيّنة.

يُمكن هنا الاستعانة بـ "الواقعية السحرية" للأدب الأمريكيّ اللاتينيّ كدليلٍ على ما ورد أعلاه، لا سيما رواية غابرييل غارسيا ماركيز "مئة عام من العزلة" (1967) التي تحمل من الخيال "السحريّ" ما لا تحملهُ أي رواية لاتينية أخرى، وتستند في خيالها هذا إلى الموروث الشعبيّ لمنطقة الكاريبيّ الذي تحدّث ماركيز عن تأثيره عليه برفقة حكايات جدّته المُستمدّة أساسًا من الموروث نفسه.

لا يعني هذا عدم وجود أعمال استثنائية قدّمها بعض الكتّاب الذين خرجوا عن الاتّجاهات السائدة في الرواية الخيالية العلمية، وهما اتّجاهان يُمثّل الفرنسيّ جول فيرن الاتّجاه الأوّل الذي تُبنى أعماله على دراسة أوليّة للنواحي العلمية بهدف استخلاص المواد الخام التي ستشكّل أساس الحكاية، ممّا يجعل من استخدام كتّابه للعلم يأتي على أُسس واقعية، على عكس الاتّجاه الذي يمثّله الإنجليزيّ هربرت جورج ويلز الذي جاءت أعماله تدريباتٍ للخيال في إطاراتٍ علمية (3). بمعنىً آخر، توسّل فيرن التجارب العلمية لتسلية الناس بمغامرات علمية بعيدة عن الغرائبية التي شكّلت أساسات روايات ويلز ومن سلك طريقه.

يُمكن القول إنّ أدب الخيال العلميّ بدأ على يوسف عزّ الدين عيسى الذي مالت أعماله إلى هذا الاتّجاه الأدبيّ

بالإضافة إلى أنّه لا يعني أنّ الروايات الخيالية العلمية لا تُقرأ، فإلى جانب "فرانكشتاين" ماري شيلي، ومن بعده "الدكتور جيكل ومستر هايد" لروبرت ستيفنسون، قدّم هربرت جورج ويلز أعمالًا حظيت بانتشار وقبول، منها "آلة الزمن" (1895)، و"حرب العوالم" (1898)، بالإضافة إلى الأمريكيّ فيليب ك. ديك الذي قدّم "الرجل في القلعة العالية" (1962)، والتي يُمكن اعتبارها أسّست نموذجًا خاصًّا على غرار ذاك الذي أسّسته "التحوّل" حينما وقفت على حدود ما سُمّي "غيتو الخيال العلمي".

اقرأ/ي أيضًا: حسن بلاسم.. مسرحة الحرب

الحكاية التي قدّمت عالمًا موازيًا انتصرت فيه النازية في الحرب العالمية الثانية على قوّات الحلفاء، لا يُعرف ما إذا كان عالمها هذا مُشيَّد على أساساتٍ خيالية علمية، أم خيالية سحرية. كما لا يُعرف ما إذا كانت تقف عند حدود الغيتو أو داخله، ولكنّ الأكيد أنّ الحكاية تتنقّل بينها كلّها. وبتنقّلاتها هذه، صنع مؤلّفها عملًا ملتبسًا لجهة الهوية، ولكنّه سرعان ما جعل من هذا الالتباس مصدرًا لسحرٍ خاص بدت الحكاية مُطعَّمة به، بالإضافة إلى الأسئلة الفلسفية التي قلّصت المسافة بين الحكاية وقارئها.

عربيًا، يُمكن القول إنّ أدب الخيال العلميّ بدأ على يوسف عزّ الدين عيسى الذي مالت أعماله إلى هذا الاتّجاه الأدبيّ، بالإضافة إلى توفيق الحكيم الذي جاءت مجموعته القصصية "أرني الله" ومسرحيتيه "رحلة إلى الغد و"لو عرف الشباب"  متّصلةً به، تبعهما فتحي غانم في "من أين"، ويوسف السباعي "لست وحدك"، على أنّ نهاد شريف كان الأكثر قربًا وصلة بهذا الاتّجاه "قاهر الزمن" و"سكّان العالم الثاني" وصولًا إلى نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق.

ثمّة من يربط قلّة انتشار "أدب الخيال العلميّ" بهيمنة السينما على هذا الاتّجاه منذ سنواتٍ عديدة، مُستفيدةً ممّا توفّره للمتلقّي من مؤثّراتٍ بصرية وسينمائية ليست موجودة داخل الأدب، الأمر الذي يطرح تساؤلات مُختلفة حول ما إذا كان لهذا الاتّجاه الأدبيّ وجود في ظلّ هيمنة السينما.

يُمكن لأدب الخيال العلميّ أن يُعزِّز وجوده بشكلٍ لا يجرّد السينما من هيمنتها، ولكنّه على الأقلّ يجعلهُ بموازاتها

يُمكن القول إنّه موجود، لا بالاستناد إلى الإصدارات الأدبية المرتبطة به فقط، وإنّما إلى فكرة أنّ غالبية ما تقدّمه السينما أساسًا ينهلُ من رواياتٍ خيالية علمية كلاسيكية، ويدور في فلكها أيضًا. هذا من جهة، ومن جهةٍ ثانية يُمكن القول إنّ هذا الاتّجاه الأدبيّ لا يزال في مرحلة التطوير بعد أن أدرك كتّابه، نظرًا لقلّة انتشاره طبعًا، أهمّية البحث وإيجاد صيغة مُناسبة تجعل منه موجّهًا لمحبّي الأدب بشكل عام، لا لفئة مخصّصة فقط.

اقرأ/ي أيضًا: أصل الإنسان ومصيره بعيون ماسونيَّة

ومن خلال هذه الصيغة، يُمكن لأدب الخيال العلميّ أن يُعزِّز وجوده بشكلٍ لا يجرّد السينما من هيمنتها، ولكنّه على الأقلّ يجعلهُ بموازاتها، خصوصًا أنّ الأدب يُشرك القارئ في الحكاية من خلال دفعه إلى تخيّلها، في الوقت الذي لا توفّر فيه السينما للمتلقّي هذا الأمر، وإنّما تقدّم له ما يُمكن أن نسمّيه "وجبات جاهزة" لا مكان لخياله فيها إطلاقًا.

 

 

هوامش:

(1) فرانسيس برتلو، "الخيال العلمي والخيال الجديد"، الآداب العالمية، العدد 138، 1/4/2009.

(2) انظر: ربيع جابر، السؤال الفلسفي وبناء الشخصيات بين الخيال العلمي والأدب الخيالي، الحياة، 3/1/2001.

(3) يوسف الشاروني، الخيال العلمي في الأدب العربيّ، عالم الفكر، العدد 3، 1/10/1980.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ثلاثة أسئلة حول الواقعية السحرية

أمارجي و"زهرة القيامة".. عن الترجمة لا الرواية