أدباء جرّدوا من جنسياتهم

أدباء جرّدوا من جنسياتهم

كتاب جرّدتهم الدكتاتوريات من جنسيات بلدانهم (ألترا صوت)

اتّخذت الأنظمة الشمولية والدكتاتورية من سحب الجنسية سلاحًا تستهدف به معارضيها من كتّاب وسياسيين وناشطين مدنيين وحقوقيين وأدباء. حيث جعلت من عملية السحب هذه طريقة مضمونة وفعّالة لإجبار معارضيها، بالإكراه، على مغادرة بلادٍ ولدوا فيها، ولكنّها باتت فجأة غير مألوفة كما باتوا غير مألوفين بالنسبة إليها، لتبدأ عند هذا الحد رحلة طويلة من المنافي.

في هذه المقالة، نستعرض لكم مجموعة من الأدباء العرب والأجانب الذين جُردوا من جنسياتهم واختبروا دروب الشقّية والتيه والمنافي.

توماس مان

الكتابة عند الروائي الألماني توماس مان وسيلته لمواجهة حالة الانحطاط بمختلف أشكالها ومسمياتها واعترافًا صريحًا برفضه لها تمامًا كرفضه للبرجوازية المنتمي إليها تبعًا لانتماء عائلته لها، دون أن تربطه بها أي صلات أخرى، حيث كان على الطرف المُقابل لها، مُقتنعًا بأنّ الاشتراكية خلاص للمجتمع الذي ستتبدّل أحواله بصعود الحزب النازي الذي رأى فيه صاحب "آل بودنبرك" انقلابًا على الحياة الدستورية وبداية الطريق لوأد الديمقراطية الألمانية حديثة الولادة، واستبدالها بدكتاتورية أزعجها موقفه منها وتشكيله جبهة ديمقراطية لمواجهتها باعتبارها وباءً حلّ بالمجتمع الألمانيّ الخارج لتوّه من آتون حرب خاسرة، فجاء ردّها سريعًا عبر حملات تشويه انتهت بعد تهجيره وتجريده من جنسيته الألمانية.

إريك ماريا ريمارك

المصير الذي لاقاه توماس مان نتيجة مواقفه من النازية، كان مواطنه إريك ماريا ريمارك على موعدٍ معه أيضًا. فبعد نشره لروايته الجدلية "كلّ شيء هادئ على الجبهة الغربية"، وجد الأخير نفسه هدفًا لحملات تشويه شرسة قادها ضدّه النازيون الذين هدّدوه بالقتل كردٍّ لا على مواقفه من النازية فقط، وإنّما على ما جاء في روايته الساخرة من الحرب كوسيلة لبناء الإمبراطوريات، ومن عبارات دفعت بملايين الجنود باتّجاه الجبهات، كـ"الواجب"، و"الدولة العظمى" وغيرها من الدعايات التي دفع ثمنها من تورّط في الحرب. هكذا، وشأنه شأن مان، أُبعد ريمارك عن ألمانيا، ومن منفاه، سيصله خبر وصول هتلر إلى السلطة وتجريده من جنسيته.

ناظم حكمت

يُعرّف الشّاعر التركيّ ناظم حكمت نفسه لقرّائه بهذه الكلمات: "لم أعد أبدًا إلى مسقط رأسي/ أنا لا أحبّ الرجوع إلى الوراء/ كتاباتي منشورة في ثلاثين أو أربعين لغة/ لكنّها ممنوعة في بلدي تركيا/ بلغتي التركية (...) باختصار يا رفاق (...) يمكنني أن أقول إنّني عشت كإنسان". هكذا، يُقدّم حكمت نفسه شاعرًا ثائرًا ورافضًا لكلّ أشكال القمع التي واجهها بكتاباته ونشاطه السياسيّ، وتنقّل بسببها من سجنٍ إلى آخر، إذ قضى ما يُقارب 12 عامًا السجون، في الوقت الذي كانت فيه كتاباته وأشعاره ممنوعة من النشر خارج السجن الذي سيغادره باتّجاه منفاه في الاتّحاد السوفياتي، حيث سيعيش هناك مُجرّدًا من جنسيته التركية.

ميلان كونديرا

لُقِّب الروائي التشيكي ميلان كونديرا عقب أحدث ربيع براغ سنة 1968 بـ"ملهم الفوضى"، وذلك بسبب موقفه من الاجتياح السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا، ورفضه لسياسات التيّارات المُحافظة داخل الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكيّ التي عادت لإدارة البلاد بعد التدخّل السوفياتي. خلال العام نفسه، سيُطرد كونديرا من الحزب، وينقل من عمله كمحاضر في أكاديمية "براغ للفنون التمثيلية"، وتُصادر أعماله وتُمنع من النشر والتداول داخل البلاد التي كان كونديرا واحدًا من المؤسّسين للوجود السوفييتي فيها بعد سنة 1948، أي قبل سلوكه منحىً آخر مختلف في كتابة الأدب، حيث ابتعد عن الواقعية الاشتراكية سالكًا مسارًا جديدًا دفع ثمنه وثمن تحوّلاته فقدانه لجنسيته التشيكية ونفيه أيضًا خارج البلاد.

عبد الرحمن منيف

توصف دروب الروائي السعوديّ عبد الرحمن منيف بـ "الدروب الشقيّة" التي سلكها غير مبالٍ بالمصاعب المُنتشرة على أطرافها، باعتباره مثقّفًا عربيًا يحترم نفسه وشعبه، وروائي شجاع لا يعرف المهادنة. هكذا اختار منيف أن يكلّل سيرته هذه بسرده لتاريخ ما أسماه "مدن الملح" التي ظهرت بعد اكتشاف النفط في السعودية، عبر 5 روايات تفكيكية ونقدية أظهرتها مدُنًا غير متماسكة، كأنها قائمة ومبنية على أساسات لا وجود لها. وبخماسيته الشهيرة هذه، كان منيف قد اتّخذ موقفًا صريحًا وواضحًا من السلطات السعودية التي شنّت ضدّه قبل صدور "مدن الملح" بسنواتٍ حربًا طويلة جرّدته عبرها من جنسيته، ليجد نفسه موزّعًا على المشقّات.

والقائمة تطول..

سنة 1954، غادر الروائي العراقي غائب طعمة فرمان العراق باتّجاه الاتّحاد السوفييتيّ، بعد أن جرّده رئيس الوزراء حينها نوري السعيد من جنسيته العراقية بسبب نشاطه السياسيّ اليساريّ، قبل أن تُعاد إليه بعد ثورة 1958، لتعود وتُسحب منه من جديد سنة 1963، ولكن هذه المرّة برفقة الشاعرين عبد الوهاب البياتي ومحمد مهدي الجواهري، بالإضافة إلى الفنّان محمود صبري. بعيدًا عن العراق، في مصر، لاقى نجيب سرور المصير نفسه، حيث سُحبت منه جنسيته بعد خطابه في موسكو ضدّ النظام القمعي المصري بحسب وصفه سنة 1959. وبالقرب منه، في السودان، جُرِّد الشاعر السودانيّ محمد الفيتوري من جنسيته سنة 1974 على يد الرئيس السودانيّ آنذاك جعفر النميري، ليعيش حياته دون وطنه حتّى وفاته في المغرب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نيتشه.. فلسفة التخفّي

غياث المدهون... حاملُ المسافات البعيدة