أخي الحبيب..

أخي الحبيب..

مرّ وقت طويل منذ زيارتك الأخيرة لي، وكي أصدقك القول، فإنّ انقطاعك المفاجئ عنّي يحزنني كثيرًا، حتّى أنّي أقضي ساعات كثيرة أتساءل فيها عن أسباب ذلك، قبل أن أهوي باكيًا. في المرّة السابقة، قبل بضعة أشهر على ما أعتقد، التقينا في منزل سكنيّ في دمشق، تمّ تحويله إلى مركز للاعتقال. اقتادوني إلى هناك ظلمًا، وكانوا يعلمون ذلك. أذكر أنّك كنت جائعًا، وساءني حينها مظهرك الرثّ. اعذرني لأنّي لم أتمكّن من إجبارهم على تقديم بعض الطعام إليك، لكنّي حاولت مرارًا التكفير عن ذلك بعدما أخلوا سبيلي وافترقنا مجددًا. لا شكّ أنّه كان حلمًا سيئًا، إلا أنّي لا أجرؤ على تسميته كابوسًا. أحسب أنّك تدرك صعوبة الأمر، إذ لم أتوقّع رؤيتك على هذا النحو بعد كلّ الشوق لذلك.

أتظنّ أني نسيتك؟ ألهذا تتجاهلني؟ أرجوك! إيّاك أن تفكّر في ذلك. أقسم لك أنني أستعيد كلّ شيء يوميًّا متجاهلًا رغبة والدينا، حتى أنني حدّثت ابنتي عنك. أجل، أريتها صورتك، ورفعنا رأسينا نحو السماء متمنيّن لك السعادة في ذكرى مولدك . أتدري ماذا قالت؟ وصفتك بالجميل بلغتها الفرنسيّة الرقيقة. لا تفزع، هي قادرة على فهم مثل هذه الأمور الآن، فهي ستبلغ السادسة من عمرها عمّا قريب، إلا أنّها تبدو أكبر من ذلك، في بعض الأحيان أخالها صديقتي. ليتك كنت هنا معنا! أكاد أجزم أنّك كنت ستتجاهلني في حضورها. لا أنكر أنّي أخاف من أن يخطر في بالها أن تسألني عن صور أخرى تجمعنا، فأنا لا أملك إلا واحدة فقط. أتتذكّرها؟ كنّا في الحديقة القريبة من أفران ابن العميد حينها. هل سامحتني على عدم أخذك إلى الاستيديو القريب لالتقاط بعض الصور لأني فضّلت ادّخار نقودي من أجل اصطحاب صديقتي إلى مقهى في باب توما؟ لا تكرهني لذلك، فلقد كرهت نفسي بما فيه الكفاية بعد رحيلك، لا سيّما وأنّها اعتبرت حزني على فراقك عقبة في طريق نجاحها. 

حسناً دعنا من موضوع الصور الآن. لاحظت مؤخَّرًا تشابهًا جديدًا بيننا؟ انظر إلى الأرقام التي أستخدمها دومًا. ولدت أنت في الخامس والعشرين من الشهر التاسع، وأنا في التاسع والعشرين من الشهر الخامس. استغرقني التفكير في الأمر عدّة أيام، أعدت ترتيب الأرقام، جمعتها، ضربتها، قارنتها باليوم الذي قُتلت فيه عساني أعرف اليوم الذي سأموت فيه أنا الآخر، فاتّهموني بالسذاجة. على أيّ حال، أنا لا أكترث لما يقولون، فهم لا يعرفون ما يربط بيننا.

اليوم، في التاسع من شهر تشرين الأول، سوف تخرج عصرًا على عجالة للعب الكرة مع أصدقائك، ستذهبون إلى ساحة إحدى المدارس، وفي طريق العودة سيقتلونك. سأزورك غدًا كي أقبّل جبينك وأحفر في ذاكرتي ابتسامتك الأخيرة. 

كن بخير يا طفلي المدلل، ولا تطل غيابك عني. 

بشار



 

اقرأ/ي أيضًا:

قصيدة القياس

أيقونة صوفية