أخلاقوية السلطة اللبنانية ضد الانتفاضة

أخلاقوية السلطة اللبنانية ضد الانتفاضة

كاريكاتير عماد حجاج

في عام 2015، إبان الحراك المدني في بيروت، خرجت حملة دعائية من مناصري السلطة وبتحريض من السلطة نفسها، تروج لأن خيم المعتصمين يقع فيها ممارسات جنسية "منافية للآداب العامة". 

بسلاح "الأخلاق" تحارب السلطة انتفاضة الشعب، أو بالأحرى ببروباغندا التشويه الأخلاقوي ووصم المنتفضين بالمتجاوزين أخلاقيًا

هذه الشائعات التي تتخذ "الأخلاق" ذريعة، وبفرض صحتها، فإن الرد عليها لا يكون بنفيها فقط، وإنما، أولًا بالتأكيد على أن الجنس ليس فعلًا غير أخلاقي وإنما هو فعل إنساني، وثانيًا إذا كانت تزعم هذه الشائعات ممارسة الجنس في الخيم، فعلى الأرجح إذا توفر لسكان هذه الخيم منازل لمارسوا فيها الجنس بدلًا من الخيم، هذا على فرض صحة هذه البورباغندا التشويهية!

اقرأ/ي أيضًا: الانتفاضة اللبنانية تستعيد زخمها.. الشعب يريد إسقاط النظام المصرفي

أخلاق الطبقة الحاكمة

وفي نفس السياق: فلتؤمن السلطة في لبنان فرص العمل للشباب ولتؤمن للمواطنين احتياجاتهم الأولية من مياه وكهرباء، ولتؤمن لهم الخدمات الأساسية كالطبابة والتعليم والاتصالات، ولتضمن العدالة في فرض الضرائب، والعدالة في إعادة توزيع الثروة المكتنزة لدى طبقة ضئيلة في لبنان؛ وبعد أن تفعل ذلك يمكنها أن تتشدق بالحديث عن "الأخلاق". 

ثم أين كانت أخلاق الطبقة الحاكمة عندما أفقرت الشعب اللبناني؟ وأين كانت أخلاقها حين أهدرت ثروات الوطن؟ وأين كانت أخلاقها حين أدخلت البلاد في حرب أهلية لـ15 سنة؟

وبسلاح "الأخلاق"، تحارب السلطة انتفاضة الشعب، أو بالأحرى ببروباغندا التشويه الأخلاقوي ووصم المنتفضين بالمتجاوزين أخلاقيًا في سلوكياتهم، ثم تحرض جماهيرها على الاعتداء على المنتفضين "حمايةً للأخلاق".

هذه المزاعم الأخلاقوية تستخدمها المجموعة الحاكمة عراقيل في وجه الانتفاضة، وأدوات تشويه ووصم، تريد بها محاصرة الانتفاضة في خانة التبرير طوال الوقت.

وتستنكر المجموعة الحاكمة قطع الطرقات ورمي النفايات أمام منازل النواب والوزراء ومنع النواب من الوصول إلى البرلمان لمنع انعقاد الجلسات التشريعية، وطرد المسؤولين السياسيين من المطاعم، والاعتصام أمام المصارف، لكنها تتناسى مثلًا غرق البلاد في النفايات، وتقنين الفساد ونهب المال العام، والمحسوبية الوظيفية.

تريد المجموعة الحاكمة أن تفرض معيارها الأخلاقوي الخاص على المنتفضين ضدها: مظاهرات ودودة وحمل للورود والشموع، ثم انتظار إنعام ذوي الأمر على الشعب!

أخلاق العبيد؟

تحاول المجموعة الحاكمة، الثرية غالبًا بنهب المال العام، إقناع الجماهير المنتفضة بأن العيش بالقليل هو من صور الفضيلة، والتظاهر "المهذب" قيمة أخلاقية عالية. 

وليضمن المواطن صك الأخلاق الحميدة من المجموعة الحاكمة، فعليه تحمل الحرمان والصبر على الخنوع، والصمت على الفساد والتخبط، وعلى ما يراه من إثراء مستمر للـ1% وإفقار مستمر لبقية الشعب.

تدعو المجموعة الحاكمة الشعبَ المنتفض إلى الحشمة والطاعة والامتثال والتضحية في سبيل الوطن الذي نهبته هي بنفسها وشرذمته. وفي الواقع، فإن هذه الطبقة الحاكمة لا تعنيها الفضيلة إلا عندما تكون مرهونة بمصالحها.

كما أنها تعمل على تغذية مشاعر الإحساس بالذنب لدى الشعب المنتفض، بتحميله مسؤولية الانهيارات المتتابعة في كافة المجالات في الدولة اللبنانية، وأن سلوكه "غير الأخلاقي" هو السبب.

كل ما يسمى "أخلاقًا" تتبجح بها الطبقة الحاكمة، إنما يهدف في نهاية المطاف إلى استدامة اضطهادها للبنانيين من صغار المودعين والفقراء والأجراء والكادحين والعمال والفلاحين والشرائح الوسطى. "الأخلاق" عنصر من عناصر القوة في يد الطبقة الحاكمة تستخدمها لعرقلة أهداف الانتفاضة.

الأخلاق البرجواية

هناك سلوكيات في الانتفاضة صدمت الحس الأخلاقوي للطبقة الحاكمة، لكنها لم تعد تصدم بعد الآن الحس الأخلاقي لجماهير الانتفاضة، وهذه مفارقة صادمة بالنسبة للسلطة الحاكمة، فالأخلاق بالنسبة لها مرادفة للبقاء ضمن الحظيرة. لذلك لا تكف عن استخدام مفردات مثل "الشرف" و"الطهارة" و"ما يجب وما لا يجب فعله".

في كتابه الصادر في عام 1934 بعنوان "ما الوعي الطبقي؟"، يضرب فيلهلم رايش المثال التالي: "يقال إن المتظاهرين في ثورة تشرين (الروسية) حرصوا أشد الحرص، فيما كانت الجماهير تتدفق إلى الحدائق، على ألا يدعسوا فوق عشب المرجة".

كل ما يسمى "أخلاقًا" تتبجح بها الطبقة الحاكمة، إنما يهدف في نهاية المطاف إلى استدامة اضطهادها للشعب اللبناني

بالنسبة لرايش فإن هذه القصة تلخص جوهر مأساة الحركة الثورية: تبرجز (من البرجوازية) أخلاق الثوار. فكيف يمكن أن ننتفض في وجه الطبقة الحاكمة ثم نرضخ لأخلاقها البرجوازية؟! وينقل رايش عن فلاديمير لينين قوله: "كل ما يخدم الثورة أخلاقي، وكل ما يلحق الضرر بها لا أخلاقي".

 

اقرأ/ي أيضًا:

انتقال النظام اللبناني من الطمع إلى الجشع

واقع "الهشك بشك" في لبنان