أحمد إذ يخترع وطنه..

أحمد إذ يخترع وطنه..

على أحمد أن يخترع الوطن (Getty)

نحن في ورطة شبه دائمة لأن الوطن غير محفز على الاختراع، اختراع أي شيء يفيد البشرية ولا يضرها بالطبع. ولذلك يفرح الناس كثيرًا في السودان، لمجرد أن يخترع أحدهم أي شيء، فماذا لو تعلق الأمر بمراهق سوداني يخترع ساعة حائط في مدرسة أمريكية، ربما لا تكون ذات جدوى، ولكننا كسودانين شعرنا بالفخر.

ضج الإعلام العالمي بالخبر، واضطر الرئيس الأمريكي أوباما إلى أن يغرد على "تويتر" ويدعو أحمد إلى زيارة البيت الأبيض ومعه الاختراع الرائع، ليكفر بغباء الشرطة التي احتجزته، وغباء المعلمة التي ظنت الساعة قنبلة، تمامًا لفرط الرعب الذي أدخلهم فيهم بن لادن في ساعة سبتمبرية، هي ليست ساعة أحمد على كل حال، وليسفر أوباما أيضًا عن وجه المحفز على الإبداع.

إبتداءً، لماذ شعرنا بالفخر؟ هل لأن من ترابنا ونيلنا بُعث هذا المخترع الصغير؟ أم لأن أوباما اهتم بأمره، أم لأن فلذة كبدنا الصغير كاد يضيع "تحت عجلة" سوء الظن؟ مثلما ضاع وطن كامل على يد جماعة حاكمة تجاوزت سوء الظن بمراحل! لا تبدو هنالك إجابة واضحة، أبداً. في السودان وفي شتى مجالات الإبداع العلمي والأدبي، الآلاف من السودانيين كانوا في وطنهم محض أصفار وبمجرد مغادرتهم تفجرت مواهبهم، وإذا لم ينشدوا الخلاص لكانوا ماتوا بحسرة العبقرية.

الصدفة التي خدمت نيوتن المطرود من المدرسة، خدمت الطيب صالح الذي هجر وطنه، إذ قدر له أن يخرج من بلده إلى لندن، مثل مصطفى سعيد بطل روايته الشهيرة "موسم الهجرة إلى الشمال" ، الصدفة نفسها حملت الرواية تلك لتسقط بـ"جاذبية" عند رجاء النقاش، مثل الأرض للتفاحة، ويكتب عنها صائد الجواهر في مجلة عربية، ويقدم الطيب صالح عبرها إلى مجتمع الأدب والثقافة العربي، وفي لندن وجد صالح نفسه وانسكب مشروعه الروائي العظيم.

ومثل الطيب صالح عديد من كتاب شباب، كان الوطن يحجب عنهم حرية الإبداع، وفي الخارج لمعت مواهبهم وتجلوا، بالطبع ليسوا في مجال الأدب والكتابة فحسب، وإنما في شتى الاختراعات البشرية، وهنا يصعب أن نتجاوز سيرة الدكتور معز عمر بخيت، الباحث والعالم الفذ في مجال الطب والصيدلة حين وجد نفسه بالسويد، والدكتورة ليلى زكريا، صاحبة اختراع بذور نبات قصب السكر، والتي ماتت على نحو غامض في لندن، وغيرهما.

لسنا بصدد تعداد المخترعين السودانيين، بقدر ما نحن بحاجة لمعرفة السبب الكامن وراء الفقر الإبداعي، قد تجد جواب شاعر مدهش مثل عاطف خيري قائلًا :"بلاد كلما ابتسمت حط على شفتيها الذباب"، أو ربما تتعثر بالروائي السوداني الرائع عماد براكة في "ذاكرة قبل المونتاج" وهو يختزل الوجع كله في جملة صغيرة: "وطن كلما حاول أن ينهض يتكئ على بندقية".

نحن لا نفرح لأن بيننا مخترع صغير، ولكننا نحزن طويلاً لأنه ليس بيننا الآن، هو مواطن أمريكي وكفى

لذا يعتقد الكثيرون، في أن أحمد المخترع الصغير، لو كان في السودان، لوجدته مطروداً من المدرسة، أو هو يرعى الأغنام والأبقار في البوادي القصية، وفي النهاية إذا أكمل المدرسة، فسوف ينتقل إلى معسكر الخدمة الإلزامية ليتعلم كيف يحارب بالبندقية، أو ينتهي به الحال، عاطلاً عن العمل، تحت ظل شجرة كبيرة يحلم بالهجرة. تلك هي المحنة باختصار، الوطن لا يتسع لأي مخترع أو مبدع، و"متاجِر" التعليم بلا معامل، وبلا معاهد بحوث، هي مجرد سلالم لـ"فك الحرف" لا أكثر.

يبدو أن الحاجة ملحة لاختراع الوطن أكثر من ساعة الحائط، الوطن الذي يلد الساسة بكثافة ويغدق عليهم بالنعيم، ويطرد المبدعين بقسوة. لعل أحمد، بالساعة التي اخترعها، يعيد ضبط الدقائق، لنتوقف قليلاً في بلد، تحفل بمن هو غير جدير بها، وتضيق في وجه العباقرة. على أحمد أن يخترع الوطن، دون أن تجتاحنا عاصفة الهوية، على أحمد أن يخترع الوطن الذي يمنحنا السلام، على أحمد أن يخترع الوطن الذي يضمنا على اختلافاتنا الجميلة. في الحقيقة، نحن لا نفرح لأن بيننا مخترع صغير، ولكننا نحزن طويلاً لأنه ليس بيننا الآن، هو مواطن أمريكي وكفى.