أحكام جريمة خاشقجي.. عن الرواية السعودية التي لم تقنع أحدًا

أحكام جريمة خاشقجي.. عن الرواية السعودية التي لم تقنع أحدًا

وصف معظم الآراء محاكمة المتورطين باغتيال خاشقجي بغير النزيهة (Getty)

 

الترا صوت – فريق التحرير

أعلنت الرياض إصدارها أحكامًا بإعدام خمسة أشخاص، وسجن ثلاثة أشخاص، متهمين بقضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول العام الماضي، بعد محاكمة استمرت فصولها لمدة ما يقارب عام، وانتقادات لمسؤولين أمميين ومنظمات حقوقية بسبب انعدام الشفافية التي تخللت مجريات المحاكمة.

على الرغم من محاولة الرياض تصدير فكرة أنها تقوم بمعاقبة المتهمين بقضية مقتل خاشقجي، فإنها تلقت على مدار العام الجاري العديد من الانتقادات بسبب السرية التي أحيطت بها عملية المحاكمة

السلطات السعودية.. لا توجد أي نية مسبقة لقتل خاشقجي!

قال وكيل النيابة العامة السعودية شلعان الشلعان إن محكمة الرياض الجنائية ردت طلب المدعي العام بمعاقبة ثلاثة أشخاص من أصل 11 شخصًا خضعوا للمحاكمة، بعد عدم ثبوت إدانتهم في قضية مقتل حاشقجي، دون أن يقوم بالكشف عن أي اسم من الأسماء التي صدرت بحقها أحكام السجن والإعدام، مشيرًا إلى أن "تحقيقات النيابة العامة أظهرت أنه لا توجد أي نية مسبقة للقتل.. وكان القتل لحظيًا".

اقرأ/ي أيضًا: بعد مرور عام على اغتياله.. أين وصلت التحقيقات بجريمة مقتل خاشقجي؟

وأضاف الشلعان بأنه أفرج عن كل من نائب رئيس الاستخبارات السعودية أحمد عسيري لعدم كفاية الأدلة، والمستشار الخاص بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، سعود القحطاني لعدم توجيه الاتهامات إليه، والقنصل السعودي في إسطنبول محمد العتيبي، وجاء الإفراج عن الأسماء الثلاثة التي أقيلت من مناصبها في وقت سابق من العام الجاري، على الرغم من عشرات التقارير التي أكدت تورطهم بشكل مباشر في جريمة مقتل خاشقجي.

وأشار الشلعان إلى أن فريق التفاوض قرر قتل خاشقجي عندما ظهرت له استحالة نقله إلى مكان آمن لاستكمال المفاوضات، مضيفًا أنه "تم الاتفاق والتشاور مع رئيس هيئة التفاوض والجناة على قتل المجني عليه داخل القنصلية".

وكانت عائلة الناشطة السعودية لجين الهذلول قد كشفت عن تحركها لمحاكمة المستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني بعدما سمعت قرار الإفراج عنه، حيث نشرت العديد من التقارير التي تؤكد مسؤولية القحطاني عن تعذيب الهذلول المعتقلة في السجون السعودية منذ أيار/مايو 2018، وكتب وليد الهذلول شقيق لجين مغردًا بالتساؤل على تويتر: "كيف ممكن نرفع قضية على سعود القحطاني في محكمة أمريكية أو أوروبية بسبب جريمة التعذيب التي ارتكبها في حق لجين؟".

انتقادات دولية لسرية محاكمة المتورطين بمقتل خاشقجي

على الرغم من محاولة الرياض تصدير فكرة أنها تقوم بمعاقبة المتهمين بقضية مقتل خاشقجي، فإنها تلقت على مدار العام الجاري العديد من الانتقادات بسبب السرية التي أحيطت بها عملية المحاكمة، والتي أجريت وسط أجواء معزولة عن الصحفيين والرأي العام، رافتقها تحذيرات حقوقية من أن يشوبها انعدام للشفافية ما قد يؤدي في النهاية لإخفاء الأدلة التي قد تثبت تورط مسؤولين سعوديين كبار في القضية، بمن فيهم ولي العهد السعودي نفسه.

وكان التواصل مع كاتب العامود الأسبوعي في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، والناقد لسياسات ولي العهد السعودي، جمال خاشقجي قد فقد في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر الماضي بعد دخوله لقنصلية بلاده في إسطنبول بغرض الحصول على أوراق رسمية لإتمام معاملة الزواج، ولم يعثر على أي أثر لجثمانه لاحقًا، فيما أكدت تقارير صحفية تركية إرسال الرياض فريقًا مختصًا من داخل المملكة قام بتقطيع جثمانه داخل القنصلية بعد تخديره لرفضه العودة إلى المملكة.

وفي وقت لاحق من العام الجاري خلص تقرير أممي أعدته المحققة الأممية أنييس كالامار المكلفة بالتحقيق في جريمة مقتل خاشقجي إلى أن ظروف وفاته أدت لـ"نظريات وادعاءات عديدة، لكن لا شيء من بين هذه يغير من مسؤولية الدولة السعودية"، موضحًة أن "مقتل خاشقجي كان نتيجة لتخطيط دقيق تضمن تنسيقًا واسعًا وموارد بشرية ومالية كبيرة، وقد تم الإشراف عليه وتخطيطه واعتماده من قبل مسؤولين رفيعي المستوى، لقد كان متعمدًا"، وهو ما يتناقض مع الرواية الرسمية للسلطات السعودية التي تحاول التنصل من مسؤوليتها.

المحاكمات تشير إلى إساءة استخدام السلطة والفساد والقمع

وعقب صدور قرارات المحكمة الجنائية بالرياض سارعت إلى انتقادها المنظمات الحقوقية، ومسؤولون في الأمم المتحدة واصفينها بأنها "مثيرة للسخرية"، ومشددين على أنه لا يمكن تحقيق العدالة لخاشقجي إلا "بإجراء تحقيق نزيه"، فيما اعتبر صلاح خاشقجي الابن الأكبر لجمال خاشقجي أن القضاء "أنصفهم" بالأحكام الصادرة ضد المتهمين.

  • تركيا: المحكمة السعودية لم تعبر عن تطلعاتنا

ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول كبير بالإدارة الأمريكية وصفه لأحكام المحكمة السعودية بأنه "خطوة مهمة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة المروعة"، مشيرًا لتشجيع بلاده "السعودية على مواصلة عملية قضائية تتسم بالنزاهة والشفافية"، وهو ما يتناقض مع تصريح رئيس لجنة الاستخبارات في الكابيتول هيل آدم شيف الذي وصف أحكام السجن والإعدام بأنها "محاولة من السعودية لإبعاد القيادة السعودية وعلى رأسها ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وكبار مستشاريه عن الجريمة".

في حين شدد وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب في بيان صادر عنه على أن "مقتل خاشقجي جريمة وحشية، وأسرته تستحق أن ترى العدالة تأخذ مجراها"، مشيرًا إلى أنه "يجب على السعودية ضمان محاسبة جميع المسؤولين، وعدم تكرار مثل هذه الجرائم البشعة"، لافتًا إلى إدانة بلاده "استخدام عقوبة الإعدام في جميع الظروف باعتبارها مسألة مبدأ".

وتصدرت تركيا الدول التي اتخذت موقفًا حازمًا من الأحكام الصادرة عن المحكمة السعودية نظرًا لارتكاب الجريمة ضمن أراضيها، والصداقة التي تربط خاشقجي الأب مع مسؤولين أتراك، بمن فيهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية حامي أقصوي إن "القرار الصادر عن المحكمة المعنية في السعودية فيما يتعلق بقضية مقتل جمال خاشقجي، أبعد ما يكون عن تلبية تطلعات بلادنا والمجتمع الدولي لتسليط الضوء على جميع جوانب هذه الجريمة وتجلّي العدالة".

  • كالامار.. الإفلات من العقاب يكشف عن القمع والفساد

فيما انتقدت كالامار الأحكام الصادرة في سلسلة طويلة من التغريدات عبر حسابها الرسمي على تويتر بقولها: "عادة ما يكشف الإفلات من العقاب بعد قتل صحافي ما عن القمع السياسي والفساد وإساءة استخدام السلطة والدعاية، وحتى التواطؤ الدولي. وجميع هذه الأمور حاضرة في قتل السعودية لجمال خاشقجي"، مضيفًة في تغريدة أخرى: "إن قتل خاشقجي كان يتطلب إجراء تحقيق في سلسلة القيادة للتعرف على العقول المدبرة، وكذلك أولئك الذين حرضوا أو سمحوا أو غضوا الطرف عن القتل، مثل ولي العهد (محمد بن سلمان) وهذا لم يتم التحقيق فيه".

واعتبر الباحث في شؤون الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش آدم كوغل أن غياب المسؤولية عن القيادة السعودية العليا في قضية مقتل خاشقجي "يثير مخاوف جدية بشأن عدالة الإجراءات الجنائية"، مضيفًا في رسالة نصية أرسلها لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية أن تعامل الرياض مع جريمة خاشقجي كان "من الإنكار الكامل" إلى إلقاء التهم على عملاء "من المستوى الأدنى في محاكمة تفتقر إلى الشفافية" ما "يدل على الحاجة إلى تحقيق جنائي مستقل".

  • مراسلون بلا حدود.. السعودية "لم تحترم العدالة"

شددت مديرة يحوث الشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية لين معلوف على أنه "نظرًا لانعدام الشفافية من قبل السلطات السعودية، وفي غياب القضاء المستقل، فلا يمكن أن تتحقق العدالة لجمال خاشقجي إلا بإجراء تحقيق دولي مستقل ونزيه"، ولفتت إلى أن الأحكام الصادرة تعتبر "تسترًا على الجريمة".

وأضافت معلوف أن الأحكام أخفقت في "التطرق إلى تورط السلطات السعودية في هذه الجريمة المروعة، أو الكشف عن مكان وجود رفات خاشقجي"، موضحًة أن القضاء السعودي "يمنع بشكل اعتيادي المتهمين من الاتصال بمحامين، ويحكم على الأشخاص بالإعدام بعد محاكمات بالغة الجور".

في حين اعتبر الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود كريستوف ديلوار أن الأحكام الصادرة "لم تحترم العدالة"، مشيرًا في ذات السياق إلى أن "المحاكمة لم تحترم مبادئ العدالة المعترف بها دوليًا"، وأوضح أن "هذه الأحكام يمكن أن تكون وسيلة لإسكات الشهود على عملية الاغتيال إلى الأبد"، وتابع مضيفًا "يمكننا التشكيك في طبيعة هذه القرارات.. لا يمكن للمملكة أن تعيد بناء صورتها بالتعامل مع العدالة بمثل هذه الطريقة".

  • خطيبة خاشقجي.. حكم النيابة العامة السعودية عشوائي

ووصفت خديجة جنكيز خطيبة خاشقجي حكم النيابة العامة بأنه "عشوائي وغير مقبول على الإطلاق وغير قانوني"، مشيرًة إلى أن الهدف منه "طي ملف التحقيق في القضية وإعدام الشهود"، وتابعت مضيفًة أن "قرار القضاء السعودي لم يجب حتى الآن عن أسئلة مهمة تطرح منذ 15 شهرًا وأبرزها، لماذا تم ارتكاب هذه الجناية؟ ومن أعطى الأمر؟ وأين الجثة؟"، قبل أن تنهي حديثها بالتأكيد على أنه "لا يمكن بأي حال من الأحوال إقفال هذه القضية دون الإجابة على هذه الأسئلة".

أما صلاح خاشقجي فقد كتب مغردًا بالقول: "إنصاف القضاء يقوم على مبدأين، العدالة وسرعة التقاضي، فلا ظلم ولا مماطلة.. اليوم القضاء أنصفنا نحن أبناء المرحوم، بإذن الله جمال خاشقجي. ونؤكد ثقتنا في القضاء السعودي بكافة مستوياته وقيامه بإنصافنا وتحقيق العدالة".

كما غرد رئيس مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير)  نهاد عوض، مشيرًا إلى "إخفاق العدالة. ماذا عن أولئك الذين أمروا بتنسيق القتل الوحشي واستضافته؟".

واشنطن بوست.. تصريحات الشلعان "كذبة موثقة"

والواضح أن محاكمة المتورطين بمقتل خاشقجي لم تقنع حتى صحيفة واشنطن بوست الأمريكية التي كان الصحفي السعودي ضمن كتاب الرأي المتعاونين معها، فقد وصفت الصحيفة الأمريكية الأحكام الصادرة بأنها "إهانة لعائلة خاشقجي"، بالإضافة لأصدقائه والمنظمات الحقوقية، وجميع من طالب بإجراء مساءلة حقيقية للمتورطين بالقضية، بمن فيهم غالبية أعضاء الكابيتول هيل من الحزبين الذين يرفضون نتائج التحقيقات السعودية.

وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أنه في حال لاقت الأحكام الصادرة قبولًا دوليًا فإن ذلك لن يكون خطأ من "الجانب الأخلاقي" فقط، إنما يعني أيضًا إرسال رسالة لابن سلمان بأنه لن "يحاسب على نزعته الطائشة القاتلة"، واصفًة تصريحات وكيل النيابة السعودية بأنها "كذبة موثقة"، لأن التسجيلات الصوتية التي استمعت إليها اللجنة الأممية أثبتت أن الطبيب وفريق الاغتيال تحدثوا "عن تقطيع خاشقجي قبل دخول القنصلية".

اقرأ/ي أيضًا: كيف تعاطى الإعلام العربي مع جريمة قتل خاشقجي؟

وأعاد السيناتور عن ولاية رود أيلاند جاك ريد التذكير بتحقيق وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA الذي أشار إلى أن ابن سلمان هو على الأغلب من أصدر أوامر قتل خاشقجي، وقال في بيان صادر عنه: "ليس من المقنع أن مثل هذه الأنشطة قد تجري دون توجيه أو مباركة ولي العهد بالنظر إلى أنه يتحكم عمليًا في كل مفاصل السلطة بالسعودية".

لم تقنع محاكمة المتورطين بمقتل خاشقجي صحيفة واشنطن بوست الأمريكية فقد وصفت الصحيفة الأمريكية الأحكام الصادرة بأنها "إهانة لعائلة خاشقجي"

وكانت صحيفة الغارديان البريطانية قد علقت على حكم الإفراج عن قحطاني – أحد الأشخاص المتورطين بمقتل خاشقجي – بالقول إنه على الرغم من إعفاء ابن سلمان لمستشاره الشخصي من مهامه، فإن هناك اعتقاد لدى مسؤولي الاستخبارات في واشنطن ولندن أن الرجل لا يزال يحظى بنفوذ الدائرة المقربة من ولي العهد السعودي، وثقته الكاملة أيضًا، فقد نقلت الصحيفة عن مسؤول سعودي أن القحطاني "ينتظر هدوء الأمور" حتى يعود مجددًا، مشيرًا إلى أنه خلال فترة غيابه "لم يتغير شيء، باستثناء أن أحدًا لم يعد يراه"، وهو ما يتوافق مع حديث المسؤولين الغربين الذين قالوا: "ما نحن متأكدون منه تمامًا هو أنه يعيش حياةً جيدة.. وقيل له أن ينتظر حتى انتهاء الأمر".    

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيف تعاطى الإعلام العربي مع جريمة قتل خاشقجي؟

لماذا أثار "ملف خاشقجي" قلق إسرائيل على السعودية؟