أحب هذا النوع من الشعر!
19 أكتوبر 2025
سأظل أستشهد بجملة قالها أستاذنا محمود شقير قبل سنواتٍ بعيدة أثناء جلسة كان فيها حسين برغوثي ومالك ريماوي ومحمد القيسي وآخرين، حيث أجمعوا جميعًا على حُب روايات أمين معلوف، وراحوا يتغنّون بالتاريخ وهو يرقص مع الفن السردي، لكن كان لشقير رأي آخر.
"أنا لا أحب أمين معلوف، لكن السبب أنا، فأنا لا أستطيع تحمل التاريخ في رواية. أنا لا أحب هذا النوع من الأدب".
كان هذا درسًا لي شخصيًّا، نقلته لطلابي فيما بعد بأني لا أستطيع أن أعدم آخرين وألغي تاريخهم الأدبي، وبدأت أستخدم عبارة شقير الرائعة: "أنا لا أحب هذا النوع من ---"، أو "أنا أحب هذا النوع من ---". هذه الجملة مُهمة جدًّا، فهي تقودني إلى الاعتراف أن ثمة آخرين يحبّون هذا النوع من الأدب، وأن الذائقة هي التي تفصل بيننا، وأن لا أدب ركيك أو ضعيف، هناك ذائقة وثقافة تأخذك إلى الحُب أو النفور.
من هناك أحببت شعر غياث المدهون، وبالمناسبة أحيانًا لا أستطيع أن أعرف لماذا، تمامًا مثل أن تحب امرأة، يستغرب الناس من حبك لها: "ولك أنت مجنون هاي؟"، نعم "هاي"، ولا أدري لماذا.
تشكل تجربة الشاعر الفلسطيني – السوري غياث المدهون، فرقًا واضحًا في الشعرية الفلسطينية، فهو لا يعترف بما سبق من شعرٍ رغم قراءته له، وليس لديه فضول لأن يعرف ماذا سيصير للشِعر في المستقبل، هذا شعر قادم من الآن، من السُخط والرغبة في تكسير كل مرآةٍ، من الحب المخنوق وعبثية كل شيء. حالة هيجان وفوضى جميلة يمثّلها شعر غياث الذي فر من سوريا أوائل الثورة، بحثًا عن حُرية الكلام والصراخ والفوضى.
فلسطين ليست موجودة بصورتها المعتادة. لا تتوقع أن يقول لك غياث إن فلسطين أجمل بلد في العالم، ليس لأنها ليست كذلك، بل لأنه لم يجهّز بعد جملته التي سيصفها فيها
آخر كتب فوضوي الشعر والحياة هذا، الكتاب الذي بين أيدينا الصادر عن منشورات المتوسط، في مائة وستين صفحة من القطع المتوسط، والذي كتب على غلافه هويته مُحددًّا إياها بصرامة: "نصوص وهوامش"، هذه نماذج منها:
"خلال الانتفاضة كنا نأخذ قطعًا صغيرة من فلسطين ونرميها على الجنود الإسرائيليين فيهربون وكنت أتساءل منذ كنتُ طفلًا: لماذا يهربون حين نرمي عليهم قطعًا من أرض الميعاد؟". "الأمل يعني أن نحارب طواحين الهواء ليس كما يفعل دون كيخوتي لا فدون كيخوتي كان يحارب طواحين الهواء معتقدًا أنها شياطين بأيدٍ كبيرة". "الأمل هو أن تفعل مثلي، أن تحارب طواحين الهواء وأنت تعلم تمامًا أنها طواحين هواء". "كيف لامرأة أن تكون واضحة كالاحتلال وحزينة مثل سوريا وجميلة كالأمنيات؟".
في نصوص غياث، يحضر هو نفسه بهواجسه المجنونة. ويجيء اليأس بكثرةٍ مع التاريخ، وتنهض الجغرافيا مع الألم والرياضيات، مع الخوف وتغني الفلسفة. وتطل السياسة برأسها وتنفجر المعارف كلها. ليس لديه مشكلة مع أي معرفة ترغب بالدخول إلى نصوصه. نصوصه مفتوحة الأبواب لكل من يطرقها، بشرط واضح أن يضيف إلى ما قبله ما يغني نصّه لا ما يسّطحه. المسألة إذن ليست عبثية. غياث المدهون ليس شخصًا يهذي، ولا يقول شيئًا دون سياقٍ، ودون دراسةٍ. هو يعرف ماذا يكتب وكيف يكتب. وما السهولة القشرية التي تبدو عليه نصّوصه، سوى خدعة يكمن بها لقرائه المستعجلين.
فلسطين ليست موجودة بصورتها المعتادة. لا تتوقع أن يقول لك غياث إن فلسطين أجمل بلد في العالم، ليس لأنها ليست كذلك، بل لأنه لم يجهّز بعد جملته التي سيصفها فيها. ولا يريد أن يمشي على خُطى واصفيها المبتذلين. غياث عدو الابتذال. لا يطيق أن يكتب مثل الآخرين. كما هي حياته، تمامًا لا يستطيع أن يحياها مثل الآخرين. الشعر الفلسطيني بشكلٍ عام لا يستطيع مجاورة نصّوص غياث. أكاد أتخيل محمود درويش، وهو ينصح غياث بالهدوء والتنفس بشكلٍ أعمق، وتخفيف الغضب، وبالاتساق الشِعري أو الانتظام في الشعور واحترام وزن العبارة وإيقاعها. هذا لا يعني أن محمود درويش على خطأ، ربما يكون مُحقًا، وله الحق في تبني نسق شعري معيّن، كما يحق لغياث ذلك. وهناك وجهات نظر حداثية هامة ومثقفة يمكن أن تبرر رفض نصّوص المدهون، وتشرحها بالتفصيل، فكل نصّ في هذا العالم من حق كل شخص تذوقه بطريقته. كذلك شاعرنا يستطيع أن يرفض أنساق الآخرين، كما يفعل الآن بالكتابة والحياة.
الكثير من النقّاد والمتابعين يتابعون تجربة المدهون بكل حماسةٍ، معتبرين أن الفوضى الظاهرية سحرية، وأن الحرية التي يمتشقها الشاعر مثيرة وتحرر القارئ المكبّل بالوزن والمُثل الشعرية التقليدية. داخل النصّ المدهوني يمور حزن وجودي، ويأس بطل. هذا اليأس الشعري الذي يتميز به الفلسطينيون، بالكتابة وبالحياة.
يحررني شعر غياث، ويضعني داخل دوامة من الأسئلة الممتعة، ويعطيني شعورًا حلوًا بالانطلاق والانهيار السحري والتفتت الجمالي اللذيذ.
أحب هذا النوع من الشِعر.