ultracheck
  1. ثقافة
  2. أدب

"أجاثا كريستي اختفت".. حكاية 11 يومًا هزّت بريطانيا

17 سبتمبر 2025
أجاثا كريستي (شبكات تواصل اجتماعي)
أجاثا كريستي (شبكات تواصل اجتماعي)
أحمد متاريكأحمد متاريك

الساعة 9:45 مساءً 

يوم الجمعة 3 كانون الأول/ديسمبر 1926

مرّت أقل من 6 أشهر على إصدار الكاتبة البريطانية الشهيرة أجاثا كريستي روايتها "جريمة قتل روجر أكرويد" التي حققت نجاحًا كبيرًا سلّط الضوء على الكاتبة البريطانية البالغة 36 عامًا آنذاك ولفت أنظار الكثيرين إليها حتى أن ناشرها ضغط عليها لكتابة جزء ثانٍ.

في صباح اليوم التالي عُثر على السيارة على بُعد أميال عدّة على منحدر مائل وسط الأشجار بعدما "خرجت عن السيطرة" واصطدمت بجذع شجرةٍ، بحسب وصف تقرير الشرطة الرسمي عن الحادث

صباح ذلك اليوم بدا عاديًّا مثل باقي أيام أجاثا، ودّعت ابنتها روزاليند ذات السنوات السبع بقبلةٍ خلال نومها في الفراش، وأودعتها مع الخادمة ثم استقلّت سيارتها طراز "موريس كاولي" من منزلها الذي أطلقت عليه اسم "ستايلز" ويقع في قرية سونينغديل (Sunningdale) – إحدى بلدات مقاطعة بيركشاير (Berkshire).

بعد ساعات من الانتظار لم تعد أجاثا كما كان مفترضًا، أبلغت الخادمة الشرطة التي نشطت في البحث عنها، وفي صباح اليوم التالي عُثر على السيارة على بُعد أميال عدّة على منحدر مائل وسط الأشجار بعدما "خرجت عن السيطرة" واصطدمت بجذع شجرةٍ، بحسب وصف تقرير الشرطة الرسمي عن الحادث. 

في السيارة بقيت رخصة القيادة وحقيبة ملابس نسائية ومعطف، أما أجاثا فلقد اختفت بلا أي أثر!

أنقذوا أجاثا كريستي

على الفور اندلعت ضجة كُبرى بسبب غياب الأديبة البريطانية الصاعدة، تصدّر اسمها الصحف وعُرضت مكافأة كبرى – 100 جنيه إسترليني (تُعادل 8 آلاف دولار تقريبًا حينها) - لمَن يساعد في إيجادها.

انطلقت حملة وطنية كاملة للبحث عن كريستي؛ تسابقت الصحف في الكتابة عنها حتى صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية اهتمت بالحدث ونشرته على صفحتها الأولى.

كانت قصة مثالية للصحف الشعبية؛ من ارتكب جريمة ضد كاتبة الجرائم؟ ما هي حقيقة اختفائها؟ وهل هي على قيد الحياة أم لا؟ وهل الزوج متورّط في الجريمة أم لا؟

شارك ما يزيد عن ألف ضابط و15 ألف فرد في رحلة البحث من ضمنهم مستكشفين للجبال والبحيرات بعدما استعانوا بالمئات من كلاب الصيد، حتى الطائرات استُخدمت في عمليات مسح من الجو للمناطق الريفية والتلال المحيطة بها لعلّها تقود إلى مكان السيدة المختفية.

تطوع رجال الشرطة للعمل الإضافي حتى في أوقات راحتهم، لجأت الحكومة إلى صديق كريستي الكاتب الشهير السير آرثر كونان دويل، مبتكر شخصية المحقق شيرلوك هولمز، الذي استُدعي للمساعدة فعقد جلسة تحضير أرواح مع العالم الروحاني هوراس ليف في محاولة للتواصل مع روح كريستي القلقة ومعرفة مكان صاحبتها. كشف ليف لدويل أن أجاثا حيّة وأنها ستُعلن عن نفسها خلال أيام.

شارك ما يزيد عن ألف ضابط و15 ألف فرد في رحلة البحث من ضمنهم مستكشفين للجبال والبحيرات بعدما استعانوا بالمئات من كلاب الصيد، حتى الطائرات استُخدمت في عمليات مسح من الجو

مشّط رجال الشرطة بحيرة قريبة؛ شكًا منهم أنها ربما تكون غرقت في قاعها لكنهم لم يجدوا شيئًا، أعمال تنقيب موسّعة أثارت غضب السيد نيل ماكلين أحد نواب حزب العمال في البرلمان بسبب حجم الأموال الكبير الذي أُهدر على البحث، لكن الشرطة البريطانية ردّت عليه بوثيقة رسمية أن النفقات لم تتجاوز 25 جنيهًا إسترلينيًّا لاعتمادها على المتطوعين.

بعد مرور 11 يومًا من نار، عُثر على كريستي داخل فندق "سوان هيدروباتيك" (Swan Hydropathic Hotel) في "هاروغيت" (Harrogate) مدينة إنجليزية صغيرة تقع شمال بريطانيا على بُعد حوالي 220 ميلًا من منزلها. تعرّف عليها أحد العازفين العاملين بالفندق وأبلغ الشرطة طامعًا في الجائزة السخية، قبل ذلك بأيام عدّة، رأت زوجة مدير الفندق صورة كبيرة لأجاثا نشرتها صحيفة "ديلي إسكبريس" فأخبرت زوجها بشكوكها أنها تشبه النزيلة لكن الرجل رفض تصديقها وطلب منها التوقف عن السخافة! 

في مشهد درامي بامتياز اصطحبت الشرطة الزوج آرتشي إلى الفندق حيث شاهد زوجته الغائبة تدخل وتجلس على طاولة وتقرأ صحيفة كُتب على صفحتها خبر اختفائها، فجأة اقترب منها الزوج حتى شاهدته أجاثا فحدّقت به في استغراب. دعته للعشاء ثم أخبرته أن وجهه مألوف لديها لكنّها لا تستطيع تحديد هويته، بعدها سألته إن كان شقيقها أم لا!

بعدها خرج الرجل ليُعلن أن زوجته تعاني من فُقدان كامل للذاكرة بسبب ارتجاج في المخ أُصيبت به بسبب حادث السيارة، وهذا مبرر غيابها الذي أعلنه للعلن ولم يصدّقه أحد.

غموض.. غموض.. غموض

إمعانًا في الاختفاء سجّلت الكاتبة الشهيرة نفسها في الفندق بِاسم مزيف "تيريزا نيل"، وهو اسم لم تختره عبثًا بل هو لعشيقة زوجها آرتشيبالد!

لماذا فعلتْ ذلك؟ لا أحد امتلك إجابة قاطعة حتى اليوم ولا حتى من أجاثا نفسها.

كثرَ الحديث وجفّت المحابر من فرط النظريات والتفسيرات التي وُضعت حول ذلك الحدث الأيقوني في حياة ملكة الأدب البريطاني، قيل إن سبب مغادرتها هو مشاجرة عنيفة مع زوجها قبلها بيوم؛ اعترف لها خلاله بحبّه لامرأةٍ أخرى ونيته الطلاق والزواج بالأخرى.

في اليوم التالي غادر آرتشيبالد لقضاء عطلة نهاية الأسبوع مع أصدقائه بمن فيهم عشيقته، هنا قررت أجاثا الرحيل هي الأخرى بعد أن حبكت رواية بوليسية في الحقيقة وليس على الورق هذه المرة، فغادرت المنزل بالسيارة وتعمّدت الاختباء في محاولةٍ منها لتوريط زوجها الخائن في جريمة اختفائها - وربما قتلها - فيُعاقب بذنبها أو على الأقل يتراجع عن نيته الرحيل عنها.

على الفور دخل زوجها دائرة الضوء، ورغم سمعته كبطل حرب بحُكم خدمته بالجيش البريطاني فإن المحققين بدأوا بالشك فيه حتى أن أحدهم سأله إن كان زواجه بها سعيدًا أم لا فأجاب بالإيجاب، لكنه لاحقًا اعترف أن أجاثا تركت له رسالة قرأها ثم مزّقها ورفض إخبار محتواها للشرطة!

اعتقد بعض المؤرخين لحياتها أن الأديبة الموهوبة أرادت إفساد حفل اجتماع آرتشي المرتقب بعشيقته - ربما كان حفل خطوبة كذلك - فخططت بدقة لإحداث ضجة تُجبره على العودة الفورية وتفسد الاحتفال وتضعه تحت ضغط الصحافة والشرطة.

فيما زعم آخرون أن السبب ببساطة يرجع لرغبتها في الترويج لروايتها القادمة بطريقة غير تقليدية. ذلك الامر ألمح له آرتشي نفسه في مقابلة مع ديلي ميل أجراها خلال فترة اختفاء زوجته التي تسبّبت في ضغوطٍ هائلة عليه، قال فيها: "كان تدبير الاختفاء يراود عقلها، ربما من أجل عملها".

على الفور دخل زوجها دائرة الضوء، ورغم سمعته كبطل حرب بحُكم خدمته بالجيش البريطاني فإن المحققين بدأوا بالشك فيه حتى أن أحدهم سأله إن كان زواجه بها سعيدًا أم لا فأجاب بالإيجاب

لحظة اختفائها كانت كريستي كاتبة واعدة حققت روايتها السادسة "جريمة قتل روجر أكرويد" نجاحًا جيدًا بعدما اتضح في النهاية أن السارد هو القاتل نفسه، وهي حيلة أدبية مبتكرة للغاية حينها، لكن حادث الاختفاء حوّل كريستي إلى ظاهرة بعدما ازدحمت أخبارها في الصحف، من بينهم "التلجراف" التي نشرت صباح يوم السبت 11 كانون الأول/ديسمبر إعلانًا ضخمًا عن سلسلة قادمة من رواية "جريمة قتل على التلال"، وُصفت بأنها من تأليف "أجاثا كريستي الروائية المفقودة"!

طِيلة مدة الغياب أُعيد نشر رواياتها بجانب آخر أخبار إجراءات البحث عنها، فورًا تضاعفت مبيعات أعمالها حتى رواياتها الأولى التي لم تُحقق نجاحًا كبيرًا وخلال عام 1930 وقّعت عقدًا ضخمًا لنشر كُتبها لأول مرة بحياتها.

من الصعب تحديد ما إذا كانت أجاثا تعمّدت حدوث ذلك أو لا، لكن بلا شكٍ فإن ذلك العام كان نقطة فاصلة في شهرتها ككاتبةٍ وتحوّلها إلى أيقونة يتهافت الجميع لتتبّع أعمالها الجديدة.

نتيجة لهذه الافتراضات جميعًا، فإن تحديد مدى صحة أيها بات مستحيلًا، خاصةً بعدما تكرار الحديث عنها في الصحف حتى بعد العثور على أجاثا في ظِل حالة الصمت التي التزمت بها عقب الحادث، فانقطعت عن وسائل الإعلام 18 شهرًا. الأمر الذي أفسح المجال الجميع للتحدث وتفسير ذلك الحدث الغريب كما يحلو له، بل إنها حينما ألّفت سيرتها الذاتية لاحقًا ونُشرت بعد وفاتها تجاهلت الحديث عن ذلك الحادث تمامًا.

لماذا لم يصدقوا أجاثا؟

بعد 18 شهرًا كاملة من الاختباء تحدّثت أجاثا للمرة الأولى – والأخيرة - عن ذلك الحادث حين أجرت حوارًا مع صحيفة "ديلي ميل" كشفت فيه أنها كانت "مريضة جدًّا" لدرجة أنها حاولت الانتحار، بعدها سقطت في حالة نفسية معقدة دفعتها للهروب من نفسها فسافرت إلى مكانٍ لا يعرفها فيه أحد وأرادت العيش بعض الوقت بهوية مزيفة".

حكت أنها أثناء سيرها بسيارتها اصطدمت بالأشجار فارتطمت رأسها بعجلة القيادة، عندها قررت التخلّي عن حياتها وشخصيتها ولو مؤقتًا وتقمّص شخصية أخرى.

حتى هذه المقابلة المتأخرة بعد شهورٍ طويلة من الصمت لم تكن بلا غاية، وإنما برّرت الكتابة لوسي ورسلي التي أعدّت كتابًا عن قصة حياة الكاتبة البريطانية ووقوعها بأن أجاثا عام 1928 - حين أجرت المقابلة - كانت في خضم إجراءات الطلاق من زوجها وسعت لاقتناص حضانة ابنتها عبر تحسين صورتها أمام الرأي العام التي تشوهت بدرجة كبيرة بسبب كثرة الحديث الذي طال كواليس اختبائها.

بحسب ورسلي فإن أجاثا عاشت عام 1926 وضعًا لا يُطاق بعد وفاة والدتها وسفر صديقتها المقرّبة شارلوت وضغوط كتابة روايتها الأخيرة واكتشافها خيانة زوجها لها، الذي أظهر جانبه القبيح ضدها برد فعله غير المتعاطف مع وفاة والدتها حتى أنه رفض حضور جنازتها.

أيضًا قبيل الحادث عانت أجاثا لشهور من عدم القُدرة على كتابة شيء جيد بعد روايتها الأخيرة، فكتبت 4 قصص قصيرة كانت بعيدة تمامًا عن الجودة المطلوبة.

تقول ورسلي "لم تستطّع تحمّل حياة السيدة كريستي المفجوعة بالموت والخيانة، لذا فكرت أنها ربما تستطيع الاستمرار في العيش كشخصٍ آخر"، قد يكون ذلك هو الحل الذي تفتق عنه ذهنها.

 أجاثا عاشت عام 1926 وضعًا لا يُطاق بعد وفاة والدتها وسفر صديقتها المقرّبة شارلوت وضغوط كتابة روايتها الأخيرة واكتشافها خيانة زوجها لها، الذي أظهر جانبه القبيح ضدها برد فعله غير المتعاطف مع وفاة والدتها حتى أنه رفض حضور جنازتها

في العشرينيات لم يكن المجتمع البريطاني - وأغلب مجتمعات العالم كذلك -يستوعب بما يكفي فكرة الانهيار النفسي فلم يصدّق أحد رواية أجاثا هذه المرة، ولم يقتنعوا بأن امرأة موهوبة ومشهورة وغنية يُمكن أن تعاني أزمة نفسية!

المعترضون على تلك الرواية اعتبروا أن أجاثا كانت بكامل وعيها حينما سارت إلى محطة القطار واشترت تذكرة وأنهت بنفسها إجراءات الإقامة في الفندق الفاخر، بل إن اختيارها لاسم عشيقة زوجها لا يدل على أنها كانت فاقدة للذاكرة أبدًا.

صحيح أن علم النفس الحديث يعرّف في كتبه حالة "الهروب الانفصالي" التي تكاد تنطبق على أجاثا، فإنه في المقابل يؤكد أن المريض بها يهيم على نفسه دون أن يعرف حقيقته في حالة يائسة، بينما على النقيض تمامًا فإن كريستي قضت أيامها في التسوق والغناء والرقص والسهر حتى ساعات متأخرة وطلب إفطار شهي في السرير كل يوم ولعب البلياردو، حتى أن خادمة غرف الفندق صرّحت لاحقًا "يبدو أن كريستي استمتعت حقًا بحياتها في (عالم النسيان)".

وهو ما دفع الصحفية البريطانية لورا تومبسون مؤلفة كتاب "أجاثا كريستي: حياة غامضة" (Agatha Christie: A Mysterious Life) إلى رفض تلك الفرضية معتبرة أنها "قصة تغطية" قالتها كريستي حتى لا تضطر لتبرير ذلك الأمر مُجددًا لكنها أبعد ما تكون عن الحقيقة التي يبدو أننا لن نعرفها أبدًا.

كلمات مفتاحية
حيدر الغزالي

حوار| حيدر الغزالي: غزة منحتني أصعبَ إقامةٍ أدبية في الحرب

تُرجمت نصوصه التي يكتبها على صفحته الشخصية في منصة "فيسبوك" إلى ثماني لغات

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png

قصائد حسن عامر.. عن النسيان الدرامي ومواجهة مسرحة الحياة

قراءة في تجربة الشاعر حسن عامر

book-web-sawt.jpg

"الأرض التي ملكت قلبي" .. محاولة غير مقنعة لتكريم أبطال لم يتوقف عندهم التاريخ

مراجعة رواية "الأرض التي ملكت قلبي" للكاتب المصري محمد المشد

لاريجاني وبوسعيدي
سياق متصل

لاريجاني في مسقط ونتنياهو إلى واشنطن: ما دلالات التحركات المتزامنة؟

التقى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، في مسقط، سلطان عُمان هيثم بن طارق ووزير الخارجية بدر البوسعيدي

حمزة عرباوي
قول

في أربعينه: رسالة إلى طارد الضباع حمزة عقرباوي

عزيزي طارد الضباع عن حيّنا، حمزة عقرباوي

ملفات إبستين
سياق متصل

مكتب التحقيقات الفيدرالي: جيفري إبستين عميل للموساد الإسرائيلي

كشفت الدفعة الجديدة من الوثائق الصادرة عن وزارة العدل الأميركية عن روابط تشير إلى أن المموّل الأميركي جيفري إبستين كان يعمل لصالح جهاز "الموساد"

فيضانات تيطوان
مجتمع

فيضانات المغرب تتفاقم.. خسائر بشرية ومطالب بإعلان مناطق منكوبة

لم تكد مناطق واسعة من شمال المغرب وغربه تتنفس الصعداء من تداعيات العاصفة "ليوناردو"، حتى استقبلت من جديد المنخفض الجوي "مارتا"