أثر أيكيا.. كيف تخدع الشركات عملاءها لشراء منتجات بثمن أغلى من قيمتها؟

أثر أيكيا.. كيف تخدع الشركات عملاءها لشراء منتجات بثمن أغلى من قيمتها؟

تفشى مفهوم "أثر أيكيا" في مجال التسويق (Shutterstock)

في الخمسينات، بحثت شركة الأغذية الأمريكية "جينرال ميلز"، عن أفكار حول كيفية بيع مزيد من منتجات "بيتي كروكر"، وتوفير وقت ربة المنزل المزدحم بالمسؤوليات، فجاءت فكرة خليط الكعك الفوري، الذي لا يحتاج أكثر من خلط مسحوق الكعك بالماء، ثم صبه في وعاء، وإدخاله الفرن. ومع أن الفكرة تبدو رائعة، لكن عند تسويقها فشلت فشلًا ذريعًا.

إذا كنت صاحب منتج وتريد تسويقه، فاجعل العملاء يشاركون في بنائه أو صنعه، فهذا يضمن ارتباطهم بالمنتج حتى لو كان معيبًا!

لذا، عندما بحث المسوّقون عن سبب هذا الفشل، وجدوا، ويا للغرابة، أن الأمر كان سهلًا للغاية؛ فلم يشعر الجمهور المستهدف -وهو هنا ربات البيوت- بأنهن مشركات في العملية، وشعرن بأن هذا المزيج الفوري يقلل من عملهن ومهاراتهن في صنع الكعكة، وبالتالي لم تكن هناك أي قيمة للمنتج.

اقرأ/ي أيضًا: حصار الاستهلاك.. كيف حوّلت الشركات أطفالنا إلى زبائن مفضلين؟!

لذا لجأ المسوقون إلى أحد علماء النفس، ويدعى "إرنست ديختر"، فأضاف خطوة إلى عملية صنع الكعك، وهي إضافة البيض الطازج، بدلًا من مسحوق البيض الذي كان مضافًا إلى خليط الكعك الجاهز، فارتفعت مبيعات الكعك لمعدلات جنونية، فقد شعرت ربات البيوت أنهن يخبزن بالفعل بإضافة هذه الخطوة البسيطة. ومع أن هذه القصة تبدو مُزحة، لكن بالفعل، يستخدم عديد المسوقين هذا المبدأ الذي بات يدعى "أثر أيكيا".

لا تسهّلها أكثر من اللازم

إذا كنت صاحب منتج جديد، وتريد للعملاء أن يحبوا منتجك، فاجعلهم يشاركون في بنائه أو صنعه، فهذا يضمن أن يكون للعملاء اتصال عميق بالمنتج حتى إن كان المنتج النهائي معيبًا، أو غير كامل إلى حد ما.

جعل العملاء يقومون بمعظم العمل والشعور بالرضا حيال ذلك، وفي الوقت نفسه يدركون أنهم حققوا قيمة أكبر مقابل المال، هو ما تسعى إليه الشركات، وهذا ما تعلمته شركة أيكيا العملاقة، حيث تستبعد العمالة من المعادلة، ويتعين على المستخدم تركيب الأثاث بنفسه، فلابد أنك في مرحلة ما، قد كافحت من أجل المهمة الشاقة المتمثلة في إعادة تجميع الأثاث المصنوع مسبقًا من أماكن مثل أيكيا وغيرها.

أثر أيكيا

لكن يبدو أن عملية وضع الجهد في شيء ما، تكسبه قيمة إضافية أعلى من جودته الأصيلة، على الأقل بالنسبة للعملاء، فعلى ما يبدو أصبحت فكرة جعل الأمور أصعب، لحمل المستهلكين على تقديرها أكثر، من أساليب التسويق المعمول بها.

القيمة في الإنجاز

في سلسلة من التجارب أجراها مايك نورتون ودانييل موشون ودان أريلي، وهم باحثون في علم الاقتصاد السلوكي، أعطوا خلالها للمشاركين، وهم من طلبة الجامعات؛ مفكًا لتركيب صناديق من أيكيا، وقاموا بطي الأوريجامي وبناء مجموعات من الليغو، وطلب من آخرين بناء القطعة ثم تفكيكها مرة أخرى. في النهاية أتيح لكل مشارك فرصة شراء الشيء الذي عمل عليه للتو.

كان المشاركون على استعداد لدفع ضعف وحتى خمسة أضعاف، للأشياء التي قاموا بتركيبها. وهذا هو ما يدعى "أثر أيكيا"، إذ يعتبر العملاء أن المنتج الذي يبنونه بأنفسهم، ذي جودة عالية، لكن بالطبع يجب إكمال مهمة البناء بنجاح. فالقيمة المتزايدة لا تتعلق فقط بالجهد، لكن بالإنجاز، إذ لم تحصل المشروعات التي تم بناؤها ثم تفكيكها وكذلك غير المكتملة على القيمة ذاتها.

إضافة إلى ذلك، رأى المشاركون أن ما بنوه يساوي في جودته منتجات الخبراء والمتخصصين، بل توقعوا من الآخرين أن يوافقوهم الرأي في ذلك، فقد عرضت المنتجات التي ركّبوها على آخرين، وسألوهم كم ستدفعون مقابل هذه الأشياء. ما قد لا يثير الدهشة، أن الجواب كان: "ليس الكثير"، ففي النهاية ما رآه الناس كانت منتجات غير متقنة.

لكن هذا التأثير يتبدد في حالة فشل المشاركين في تجميع الصناديق أو طي الأوراق أو استكمال مجموعات الليجو، حيث كان استعدادهم للدفع مقابلها قد انخفض.

المحاولة مرارًا قد لا تؤدي لنفس النتيجة

يأتي هذا التأثير مع مجموعة من التفسيرات المحتملة، مثل المشاعر الإيجابية، كإحساس الكفاءة الذي يأتي مع إتمام المهمة بنجاح، والتركيز على السمات الإيجابية للمنتج، ووجود صلة بين إبداعنا ومفهومنا الذاتي، بالإضافة إلى الشعور النفسي بالملكية.

لكن تبقى إحدى المشكلات التي لم يتم استكشافها، هي ما يحدث عندما يضطر المرء إلى إعادة البناء والتركيب مرارًا وتكرارًا، مثل تركيب كرسي على سبيل المثال؛ فهل يبقى الشعور بالقيمة والإنجاز، أم يختلف الشعور لما هو سلبي؟!

وهناك جانب سلبي آخر محتمل: عندما يرغب المرء في بيع شيء أنفق من الوقت والجهد عليه، فعلى الأغلب لن يحصل على ما يظن أنه يستحقه، لا أحد سيرى القيمة التي جاءت من وراء الساعات التي قضاها المرء محدقًا في كتيب للإرشادات، ممسكًا بعدة الفك والتركيب.

افعلها بنفسك

يمكن لعملاء أيكيا بناء أثاث كامل للمنزل بميزانية محدودة. وعادة، يعشق هؤلاء العملاء إبداعاتهم الجديدة، حتى في حالة وجود أجزاء مفقودة، أو تركيب الأجزاء بشكل غير الصحيح، فهذا الأثاث يمثل وقت العميل واهتمامه ومهاراته في الإبداع.

أثر أيكيا

لذلك يقوم التسويق هنا على فكرة: بدلًا من اختيار الحلول السهلة الجاهزة، استمتع بإيجاد حلولك الخاصة، فلا تشترِ أثاث مصنع مسبقًا، لكن احصل على الأدوات، وقم بتركيبها معًا بنفسك، ولا تدفع لشخص ما لإصلاح الأشياء في منزلك، وقم بذلك بنفسك، فالقيام بهذه الأشياء يجعلك أكثر سعادة ورضا، كما أنه عندما تقدر الأشياء في حياتك أكثر فمن الأقل احتمالًا أن ترغب في استبدالها؛ وذلك كله رغم أن المنتج في النهاية قد يكون بجودة أقل بكثير.

وهكذا، تفشى مفهوم "أثر أيكيا" في الأعمال، لذا ينصح خبراء التسويق، أصحاب الأعمال التجارية بأن يسمحوا لعملائهم بالمشاركة في تأسيس/بناء/صناعة المنتج الذي سيشتروه.

 الأمر أشبه بخداع العملاء وإشعارهم أنهم جزء أساسي في صناعة المنتج، فيشعورن بالتفرد بملكيتهم للمنتج الذي قد يكون ضعيف الجودة

الأمر أشبه بخداعهم، وإشعارهم أنهم جزء مساهم أساسي في صناعة المنتج، وبالتالي الشعور بأن هذا المنتج تحديدًا، ملكٌ لهم وحدهم، متفردين عن غيرهم في ملكيته. الفكرة هنا تتجاوز الشعور بأن المنتج صنع خصيصًا لهم، إلى الشعور بأنهم صنعوا منتجهم الخاص بأنفسهم، وإن دفعوا فيه أكثر، وخرجوا في النهاية بما هو أقل جودة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكانة الذات في النظم الاستهلاكية

تجارة السرطان.. أضخم من صناعة علاج حقيقي للمرض!