أثرٌ لا يُسمَّى.. قراءة في ديوان "مصاب بكسرة" للشاعر نيجرفان رمضان
22 مايو 2026
لم أفتح ديوان "مُصاب بكسرة" للشاعر نيجرفان رمضان بوصفه كتابًا يمكن قراءته وفق ما اعتدنا عليه من طرائق التلقي، بل دخلت إليه كما يدخل جسد إلى تجربة لا يعرف مسبقًا حدودها، ولا يملك فيها تلك المسافة التي تسمح له بأن يبقى خارج ما يحدث، حتى أن الإهداء نفسه كان العتبة الأولى لهذا الدخول، لا بوصفه جملة افتتاحية، بل بوصفه تعريفًا خفيًا لما سيأتي: "إلى التي انكسرت باسمها المتعالي عن الإمساك"، حيث لا يبدأ الانكسار من الجسد أو من الحكاية، بل من الاسم ذاته، من تلك المحاولة الأولى لتعريف ما لا يُمسك، بحيث يبدو ما سيتوالى لاحقاً في النصوص امتداداً لهذا الخلل الأول، لا شرحًا له.
لم يكن هناك باب واضح أعبر منه، ولا عتبة أشعر عندها أنني انتقلت من الخارج إلى الداخل؛ كان الأمر أشبه بانزلاق بطيء، كأن النص لم ينتظرني، بل سبقني إلى داخلي، وبدأ يعيد ترتيب الأشياء فيه قبل أن أتنبه إلى ذلك.
منذ الصفحات الأولى، لا يتقدم النص بوصفه بناءً لغويًا يسعى إلى الاكتمال، بل كحالة اندفاع مستمر، تتدفق فيها الجمل تحت ضغط واضح، وتظهر الصور دون أن تستقر في تشكيل نهائي، كأنها تُلقى أكثر مما تُبنى، أو تنفلت من قبضة كاتبها قبل أن تستقر. هذا الاندفاع لا يتيح للقارئ فرصة تنظيم ما يقرأ، ولا يمنحه ذلك الإحساس المريح الذي ينتج عن تماسك النص، بل يدفعه إلى التورط في ما يحدث، إلى متابعته كما يُتابَع شيء حيّ، لا كما يُقرأ نص، ومع الوقت أدركت أنني لا أبحث عن معنى، بل أحاول فقط أن أبقى داخل هذا التدفق دون أن أفقد توازني.
الإحساس هنا لا ينتج عن غموض مقصود، ولا عن رغبة في التعقيد، بل عن فائض في التجربة نفسها، فائض لا تجد اللغة وسيلة كافية لاستيعابه. كأن ما يُكتب أكبر من الجملة، وأسرع منها، وأقل قابلية للضبط، لذلك تخرج اللغة أحيانًا متعثرة، أو زائدة، أو حتى فجة، لا لأنها عاجزة عن التهذيب، بل لأن التهذيب يبدو هنا نوعًا من الخيانة، أو على الأقل نوعاً من التخفيف غير المبرر.
منذ الصفحات الأولى، لا يتقدم النص بوصفه بناءً لغويًا يسعى إلى الاكتمال، بل كحالة اندفاع مستمر، تتدفق فيها الجمل تحت ضغط واضح، وتظهر الصور دون أن تستقر في تشكيل نهائي، كأنها تُلقى أكثر مما تُبنى، أو تنفلت من قبضة كاتبها قبل أن تستقر
هناك مقاطع كاملة شعرت أنها كان يمكن أن تُكتب "بشكل أفضل"، لكن هذا "الأفضل" نفسه كان سيجرّدها من توترها، من تلك الحافة التي تجعلها تنتمي إلى هذا الديوان تحديدًا، لا إلى نص آخر أكثر اتزانًا وأقل صدقًا.
العنوان لا يعمل هنا كإشارة لغوية محايدة، بل يفرض منذ البداية مناخاً من الخلل. "الكسرة" ليست حركة إعرابية، بل انزياح في التوازن، كأن شيئاً ما في اللغة انحرف قليلاً عن مساره، فاختلّ معه كل شيء. هذا الخلل لا يبقى في مستوى اللفظ، بل يتسرّب إلى الجسد نفسه، بحيث لا يعود ممكناً الفصل بين ما يحدث في اللغة وما يحدث في الداخل.
وأنا أقرأ، لم أشعر أنني أمام كلمات تصف تجربة، بل أمام شيء يحدث فيّ بالتوازي مع ما يحدث في النص، كأن العلاقة بينهما لم تعد علاقة تمثيل، بل علاقة تماس مباشر، غير مريح أحياناً لكن لا يمكن تجاهله.
في هذا السياق، لا تبدو اللغة وسيلة للتعبير عن تجربة سابقة، بل نتيجة مباشرة لها، إذ تتحرك الجملة تحت ضغط ما يحدث، وتخرج في كثير من الأحيان غير مكتملة تماماً، أو متوترة، أو حادة، كأنها لا تريد أن تستقر، أو لا تملك الوقت الكافي لذلك. لم أعد قادراً على الحكم عليها بمعايير الجمال المعتادة، لأن أي محاولة لتنعيمها أو ترتيبها كانت ستفقدها ذلك الارتباك الذي يشكّل جوهرها.
هنا تحديداً، يتوقف القارئ عن السؤال: "هل هذه لغة جيدة؟" ويبدأ بسؤال آخر أقل وضوحًا: "هل هذه لغة صادقة بما يكفي لتبقى كما هي؟"
يظهر هذا بوضوح في المقاطع التي تتناول النساء، حيث لا يقدّم الشاعر نموذجًا محددًا أو صورة قابلة للتثبيت، بل يكدّس حضورًا متعددًا، تتجاور فيه الحالات دون ترتيب واضح. المرأة هنا ليست موضوعًا للغزل، ولا صورة يمكن تأملها من الخارج، بل كثافة إنسانية تتجمع فيها أشياء كثيرة في الوقت نفسه: التعب، الرغبة، الفقر، التمرد، الانكسار، وحتى السخرية.
هذا التعدد لا يعمل بوصفه تنويعًا جماليًا، بل كحالة من الإفراط، كأن النص يخشى الفراغ، أو كأن الشاعر لا يثق في قدرة صورة واحدة على حمل هذا الثقل كله، ولم يمنحني هذا التراكم وضوحاً، بل زاد ارتباكي، كأنني أمام مرآة تعكس صوراً كثيرة، دون أن تسمح لأي منها بأن تثبت.
هنا يبدأ الإحساس بعدم الراحة. لم يكن هذا الانزعاج فكريًا، ولا ناتجًا عن عدم الفهم، بل كان جسديًا تقريبًا. توقفت عن القراءة للحظة، لا لأنني تعبت، بل لأنني شعرت أنني لا أريد أن أتابع بنفس الهدوء. كان هناك شيء في التراكم، وفي الإفراط، يجعلني أقل ارتياحاً، كأن النص لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يضغط على قارئه، ويدفعه إلى موقع غير مستقر، ويتركه هناك دون أن يقدّم له مخرجًا واضحًا.
الجسد في هذه النصوص لا يظهر بوصفه موضوعًا يمكن التعامل معه ضمن ثنائية الجمال أو الرغبة، بل كمساحة تمرّ فيها التجربة دون تصفية، حيث تتداخل الرغبة بالعنف، والحميمية بالخشونة، والتعب بالجوع، دون أن تُعاد صياغة هذه العناصر ضمن نظام دلالي واضح. عند نقطة ما، يفقد الجسد وظيفته بوصفه حاملًا للتجربة، ويتحوّل إلى مكان تتراكم فيه الأشياء أكثر مما تُفهم، وتحدث فيه أكثر مما تُنظَّم. لا يعود الجسد هنا وسيطًا، بل يصبح موقعاً للتصادم.
يتضح ذلك بحدة في تلك اللحظات التي يلوّح فيها النص باحتمال بسيط للقاء: "ماذا لو شاء الوقت أن نلتقي؟"، قبل أن ينقلب فورًا إلى فعل عنيف ومباشر: "سأنحر حيواناتي المنوية قربانًا لك"، حيث لا تُستدعى الحميمية إلا لتُقوَّض، ولا تُطرح الرغبة إلا لتُدفع إلى حدّها الأقصى، كأن الحب لا يجد طريقه إلا عبر طقس تضحية داخل الجسد نفسه، حيث تُذبح الخصوبة بدل أن تُحتفى.
في هذه اللحظة تحديدًا، يتبدل موقع القارئ أيضًا. لم أعد أرى الجسد كشيء يمكن قراءته أو تأمله، بل كشيء يحدث فيه كل شيء دفعة واحدة، دون أن يترك مجالاً لذلك التفكير الهادئ الذي يفصل عادة بين الفهم والإحساس.
يظهر هذا التوتر بشكل صريح في بعض المقاطع التي لا تكتفي بالإيحاء، بل تكشف آلية الكتابة نفسها، كما في النص الذي يقول فيه الشاعر:" أنا مرآة في غرفة لتبديل الملابس/ أتلصص على أرداف النساء/ أكتب عنك قصيدة / فتضعينها فوطة". هنا، لا تُقدَّم صورة صادمة فحسب، بل يُربط التلصص بالكتابة مباشرة، بحيث لا تعود القصيدة تعبيرًا ساميًا، بل امتدادًا لنظرة غير بريئة، تتحول بدورها إلى شيء يُستهلك بلا قداسة. في هذا المستوى، لا يكتفي النص بإرباك القارئ، بل يهدم تصورات جاهزة: فكرة الشعر النبيل، وفكرة الحب النظيف، وحتى صورة الشاعر بوصفه كائنًا أعلى من تجربته، إذ يظهر هنا بوصفه جزءًا منها لا خارجها. لا تبدو هذه الصراحة استفزازًا مجانيًا، بل تعبيرًا عن رؤية ترى أن الشعر قد يولد من رغبة ملتبسة، وأنه، مثل غيره من الأشياء، قابل لأن يُستهلك دون أن يحتفظ بأي قداسة. من هنا، ينسجم هذا المقطع مع منطق الديوان كله، الذي لا يسعى إلى تنقية التجربة، بل إلى إبقائها كما هي، بكل ما فيها من خشونة وعدم راحة.
هنا، لا يعود ممكنًا التمييز بسهولة بين ما هو شخصي وما هو عام، أو بين ما هو جسدي وما هو سياسي. الحرب، مثلًا، لا تظهر كحدث يمكن الإشارة إليه أو وصفه، بل كحالة تتسرّب إلى التفاصيل الصغيرة، إلى النبرة نفسها، بحيث يصبح من الطبيعي أن تتجاور مفردات الجسد مع مفردات القتل دون أي انتقال واضح.
في البداية، بدا هذا التداخل مربكًا، ثم شرع يبدو منطقيًا بشكل مخيف، كأن العالم نفسه لم يعد يفصل بين هذه الأشياء، فلماذا يجب على النص أن يفعل ذلك؟
في هذا المستوى، لا يبدو الوطن فكرة يمكن استعادتها شعريًا، ولا موضوعاً للحنين، بل بقايا تجربة فقدت مركزها، وتحوّلت إلى مادة داخل اللغة، تظهر أحيانًا في شكل سخرية مباشرة، وأحياناً في لغة لا تعترف بضرورة أن تكون لائقة.
لم أشعر أن الشاعر يحاكم هذا الوطن أو يدافع عنه، بل يمرّ به كما يُمرّ على شيء استُهلك حتى لم يعد يُحرّك شيئاً.
أما الفشل، فلا يُكتب هنا بوصفه حالة استثنائية، بل كمعطى مستمر، يظهر في الحب كما يظهر في العلاقة بالعالم، ويُقال بنبرة تكاد تكون خالية من الانفعال. هذه البرودة لا تبدو حيادية، بل شكلاً آخر من التعب، كأن النص لم يعد معنياً بتفسير الفشل أو تجاوزه، بل بتثبيته بوصفه جزءًا طبيعيًا من التجربة.
في لحظة ما، توقفت عند هذا تحديدًا، ليس لأن الفكرة جديدة، بل لأن طريقة قولها جاءت خالية من أي محاولة للتجميل، وهذا ما جعلها أكثر قسوة.
في هذه النقطة، تتبدل وظيفة اللغة مرة أخرى، إذ لا تعود تسعى إلى إنتاج معنى متماسك، بل تتحرك كأثر، يترك نفسه في القارئ دون أن يعلن عن دلالته بشكل مباشر. لم أكن قادراً على الإمساك بما قرأته، لكنني كنت أشعر به بطريقة يصعب تجاهلها.
كأن النص لا يريد أن يُفهم، بل أن يعمل فيَّ شيئًا، حتى لو لم يكن واضحًا.
وهذا ما يجعل من الصعب التعامل مع الديوان بوصفه مجموعة نصوص منفصلة، لأن ما يظهر تدريجياً هو حالة ممتدة، تتكرر فيها النبرات دون أن تتطابق، وتتحرك داخل نسيج واحد، كأن كل مقطع ليس إلا جزءاً من توتره العام.
لم أكن أتنقل بين نصوص، بل أتحرك داخل حالة واحدة تتغير ملامحها باستمرار، دون أن تفقد وحدتها الداخلية.
في هذا الإطار، لا يمكن الحكم على النص وفق ثنائية النجاح أو الفشل، لأن ما يقدمه لا يسعى أصلًا إلى تحقيق تماسك يمكن قياسه، بل إلى البقاء داخل هذا الاختلال. النص لا يحاول أن يصبح أفضل، بل يصرّ على أن يبقى كما هو، حتى حين يكون ذلك مزعجاً. وربما هنا تكمن قوته، لا في قدرته على الإقناع، بل في إصراره على فرض إيقاعه الخاص، حتى لو كان على حساب راحة القارئ.
لا يبدو الوطن فكرة يمكن استعادتها شعريًا، ولا موضوعاً للحنين، بل بقايا تجربة فقدت مركزها، وتحوّلت إلى مادة داخل اللغة، تظهر أحيانًا في شكل سخرية مباشرة، وأحياناً في لغة لا تعترف بضرورة أن تكون لائقة
أدركت أثناء القراءة أنني لم أعد أقرأ بالطريقة نفسها التي بدأت بها. لم أعد أبحث عن فكرة، ولا عن صورة، بل عن هذا الأثر الذي يتركه النص فيّ، عن هذا التحول الصغير الذي لا يمكن تحديده بدقة، لكنه يغيّر شيئًا في الإحساس العام.
شعرت أن القراءة لم تعد عملية خارجية، بل جزءًا مما يحدث، كأنني لم أعد أواجه النص، بل أتحرك داخله، أو يتحرك هو فيّ.
وفي الصفحات الأخيرة، يخرج النص من التوتر الجسدي واللغوي إلى تسمية أكثر وضوحًا، حين تُذكر سوريا لا بوصفها مكانًا فقط، بل كجرح مستمر، كأصل خفي لكل هذا الانكسار الذي سبق. كأن ما بدا سابقًا تفككاً في الجسد واللغة، لم يكن معزولًا، بل كان صدى ممتدًا لحربٍ لم تُكتب بوصفها حدثًا، بل تسربت إلى كل شيء حتى غيّرت طريقته في الظهور.
وفي مقاطع أخرى، لا يبقى النص أسيرًا لثقل الحرب وحدها، بل يحاول أن يفتح لنفسه مخرجًا عبر الكتابة نفسها، كأنها ليست وسيلة قول، بل ملاذ أخير. حين يدعو إلى "ركن حميم دافئ نعرّي فيه كلّ منا ذاته"، لا يبدو الأمر استعارة جمالية، بل حاجة حقيقية إلى مساحة يمكن فيها الاحتماء من هذا التهشيم العام، وكأن الأدب هنا لا يصف العالم، بل يحاول أن يعيد تشكيله ولو مؤقتًا.
في النهاية، لا تخرج القراءة بنتيجة يمكن تثبيتها، بل بإحساس غير مريح، كأن شيئاً ما انزاح في الداخل دون أن يتضح شكله. لا يمكن القول إن هذا الأثر عميق أو سطحي، لكنه موجود، ويصعب تجاهله، لأنه لا يعمل على مستوى الفكرة، بل على مستوى الإزاحة.
وربما هذا هو ما يبقى فعلًا: لا ما فهمته، بل ما تغيّر فيّ دون أن أهتم بتسميته.
لم أخرج من هذا الديوان بفكرة يمكن الدفاع عنها، ولا بجملة يمكن الاحتفاظ بها، بل بشيء أقل وضوحاً وأكثر إرباكًا، كأن القراءة لم تضف إليّ شيئًا، بل نزعت طبقة رقيقة لم أكن منتبهًا لوجودها.
لا أعرف إن كان هذا أثرًا جيدًا، لكنني أعرف أنه لم يكن حياديًا، وأنني، بعده، لم أعد في المكان نفسه تمامًا.
وهذا... يكفي.