أبو علي خبية.. سيرة ناقصة

أبو علي خبية.. سيرة ناقصة

أبو علي خبية نفّذ فيه حكم الإعدام، يوم الاثنين الفائت

لا شك بأن الثورة السورية، استطاعت إعادة إحياء أسطورة البطل الشعبي، التي كان يتم تناقلها في السرديات الشفهية سابقًا، ما ساعد على بروز العديد من الأسماء، أصبح لها مكانةً خاصة، في الوجدان الشعبي، بعد اندلاع الثورة.

استطاعت الثورة السورية إعادة إحياء أسطورة البطل الشعبي

قدمت سوريا على مدى أربعة أعوام، أسماءً كثيرة، بدأت تدريجيًا تصعد، وتتنقل بسرعة مع تجاذبات الثورة، وتحولها التدريجي من الحراك المدني، إلى الحراك العسكري، بعد تأسيسها لكتائب عسكرية في الريف السوري، الذي اعتبر الحاضنة الشعبية الأولى للحراك المسلح، ما سهل لها إمكانية السيطرة على مناطق واسعة منه، واعتماده مركزًا رئيسيًا لعملياتها العسكرية، ضد النظام السوري، وميليشياته العسكرية.

ومن ضمن هذه الأسماء، يبرز اسم أبو علي خبية، أحد قادة "جيش الأمة" سابقًا، الذي نفذ فيه حكم الإعدام، يوم الاثنين الفائت، برصاص "الهيئة العامة القضائية، التابعة لـ"جيش الإسلام"، في الغوطة الشرقية.

لا توجد أي كتابات، أو سرديات تتحدث عن أبو علي خبية، قبل انطلاق الثورة السورية، سوى أنه من سكان مدينة دوما، في الغوطة الشرقية، وكان من المشاركين في الحراك السلمي، ولاحقًا العسكري، إضافة لعمله في إصلاح الدراجات الهوائية، مع عدم التأكد من المعلومة الأخيرة.

فظهوره بدأ على الشاشات المتلفزة، بعد نشره لفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو يوجه رسائل شخصية إلى بشار الأسد، يعلن من خلالها دعمه للثورة السورية، وحماية المتظاهرين، وسكان المدينة من حملات المداهمة اليومية، التي كانت تشنها المخابرات السورية، على المدينة لاعتقال النشطاء، قبل أن تصبح مدينة دوما محررةً من النظام السوري.

نشر أبو علي تسجيلًا يعزف فيه على آلة الأورغ، وسيجارة "الحمراء الطويلة" على طرف فمه

في نظرة سريعة على الفيديوهات، التي كان يبثها أبو علي خبية، على مواقع التواصل الاجتماعية، يمكننا رؤية النفس الشعبي في خطابه، والمقصود هنا، الصورة النمطية لشخصية "القبضاي، في مناطق الريف والعشوائيات، ما جعله يتحول لمادة سخرية عند النشطاء السوريين، والبوستات المتطايرة على جبهات "الفيسبوك"، في حين كان يجد فيها، نوعًا من المسؤولية الأخلاقية، لعدم التنكّر لهؤلاء الأشخاص، الذين وجدوا في كتيبته العسكرية، في أحد الأيام نوعًا من الحماية، وحلم السيطرة على القصر الجمهوري.

كان لأبو علي خبية، وفصيله الثوري، دور في معركة "بركان دمشق"، خلال شهري تموز/ يونيو، وآب/ أغسطس من عام 2012، وقتها ظهر في تسجيل من داخل حي الميدان الدمشقي، ومن المعروف، أنه في تلك الفترة كانت المعارك في دمشق على أشدها، بين النظام وفصائل الثورة السورية، التي استطاعت السيطرة على أحياء كثيرة، تشكل عصب العاصمة، التي يتحصن فيه النظام السوري، فكان دخول ابن مدينة دوما، مع كتيبته إلى قلب العاصمة دمشق، ضربةً كبيرة للنظام السوري.

عندما وجه رسالته من حي الميدان الدمشقي، لم يلتزم خبية بأساسيات البيانات المسجلة، سجل بيانه مصورًا، وهو يحمل في يده دفترًا مدرسيًا، كتب على إحدى صفحاته البيان، وجهًا وخلفاً، ومن ثم مزق الورقة للقراءة، حسب ما يظهر في الفيديو. وللتدليل أكثر على الشخصية الشعبية، التي كان يمثلها، وجّه في نهاية التسجيل، رسالة شفهية بالغة العامية، كانت خارج سياق البيان، لبشار الأسد، قال فيها: "ورح حذرك التحذير الأخير، إما بتهرب يا بشار، وإما جايينك لبيتك"، ليقاطعه أحد العناصر بالتكبير.

 سجل أبو علي خبية بيانه مصورًا وهو يحمل في يده دفترًا مدرسيًا، كتب البيان على إحدى صفحاته 

ولعل أكثر ما كان يمثله خبية، خلال مراحل الثورة السورية، هو اقترابه من الإسلام الشعبي، أي الإسلام الذي تم توارثه، عبر الأجيال دون الاعتماد في تفسيراته على المراجع الشرعية، طالما أنه يمكنه التمييز بين الصح والخطأ، فهو وعلى عكس باقي قادة الفصائل العسكرية، نشر تسجيلًا وهو يعزف على آلة الأورغ الشعبية، وسيجارة الحمراء الطويلة على طرف فمه، أغنية "عربي أنا" ليوري مرقدي، وتليها أغنية خليجية، طبعاً هذا الفيديو، ساهم بشكلٍ أو بآخر، باهتزاز صورته عند الآخرين، في حين كان يبدو من خلال الفيديو، أنه يريد التقرّب أكثر، من شباب الثورة، وثقافتها المتنوعة، ولربما أغلب القول، أنه لم يكن مهتماً، بموسيقا مرقدي، بقدر اهتمامه بالعتابا الدوماية.

لكن الضربة الأقسى، التي وجهت لأبو علي خبية، خلال الثورة، كانت بعد نشره للفيديو الشهير، وهو يعلن عن مقتل بشار الأسد، ما شكل انحسارًا في مستوى شعبيته، فالسرديات الهزلية التي تداولها النشطاء بعد مشاهدة الفيديو، واكتشافهم أن الأسد ما زال على قيد الحياة، كان من ضمنها تدخينه للحشيش قبل التصوير، لتكون المفارقة، وجودها بين التهم التي وجهتها له محكمة "جيش الإسلام"، بقيادة زهران علوش.

في الفيديو المذكور، أعلن خبية عن مقتل بشار الأسد، "بالتنسيق مع أحد الضباط الشرفاء"، متحدياً الأسد بالظهور إلى الإعلام خلال 12 ساعة، إذا ما كان على قيد الحياة، هذا التحدي الذي، وغالباً، كان يعرف نتيجته المسبقة، وهي نفي الخبر، وعدم التعامل معه بمصداقية، يمكن النظر وفق القراء الشخصية له، أن خبية كان يعول على نوع من الفوضى، والعصيان المدني، نزول سكان العاصمة إلى الشوارع، مما يساعد في دخول كتائب "الجيش الحر" إليها. ففي تلك الفترة كانت جبهة دمشق – الغوطة الشرقية، تعيش أقسى الاشتباكات، قبل أن تتوقف بعد سيطرة "جيش الإسلام"، على كامل الغوطة الشرقية.

طبعاً، يمكننا القول إن إعلان خبية، خبر موت الأسد، جاء ردًّا على إعلام النظام السوري، الذي أعلن في أكثر من مرة عن موت قائد "لواء شهداء دوما"، فيما كان يرد الأخير بفيديوهات تنفي موته، حتى أنه عندما زار وفد الأمم المتحدة، مدينة دوما، والتقى مع أبو علي خبية، كان حديثه عن أخبار النظام السوري المتكررة حول موته، وبطريقة تهكمية يخبر المراقبة الدولية، أنه "بدأت أشك بحالي أني طلعت عالآخرة ورجعت عالحياة"، وعندما تسأله عن كيفية هروبه المتكرر من الموت، يجيبها بأن ذلك "بفضلٍ من الله".

أعدم خبية وفي جعبته الكثير من التهم التي ستنسى مع مرور الوقت، هي وفيديوهات صاحبها

هكذا، يمكننا قراءة المسحة العفوية في فيديوهات أبو علي خبية، فهو لم يغادر مدينة دوما إلى تركيا، أو يترك مكانه، وعندما أعلن عن تشكيل "جيش الأمة" في الغوطة الشرقية، شارك في تشكيله، وكان من ضمن قادته، إلى أن أمر زهران علوش، قادة "جيش الإسلام"، بشن الحرب على "المفسدين في الأرض"، أي قادة "جيش الأمة"، والذي تزامن مع الأخبار التي نشرت في وسائل الإعلام، وتتحدث عن استلام علوش، ما يقارب أربعة ملايين دولار أمريكي، من رجل الأعمال السوري محمد حمشو، الصديق المقرب لبشار الأسد، مقابل عدم دخول الأول إلى دمشق، والبقاء على أطراف العاصمة دمشق.

من أحد التهم التي وجهها "جيش الإسلام" لخبية، كانت التنسيق مع أمير تنظيم "الدولة الإسلامية" في الغوطة الشرقية، فالمكتب الإعلامي لقائد "جيش الإسلام"، أنشأ صفحة "فضائح جيش الأمة"، على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، ولاحقاً اكتشافه لأحد خلايا تنظيم "الدولة الإسلامية"، في حي جوبر، على أطراف العاصمة دمشق، لكنه في نفس الوقت، تأخر عن مؤازرة كتيبة "بيت أكناف المقدس"، في مخيم اليرموك المحاصر، أثناء معركتها مع تنظيم "الدولة الإسلامية"، وهو ما سرع سيطرة الأخيرة على معظم أحياء المخيم، وانسحاب قادة "أكناف المقدس" إلى بلدة ببيلا، بينما تمكن باقي عناصر الكتيبة، من الفرار إلى "القيادة العامة" ولجان "الدفاع الوطني"، التي تقاتل إلى جانب النظام في المخيم.

هكذا وجد نفسه، أبو علي خبية، فجأة في قفص الاتهام، ثلاث تهم وجهت له من قبل قضاء "جيش الإسلام"، ومن دون صدور أي تعقيب، من "مجلس القضاء الموحد" في الغوطة الشرقية، إلى جانب مجموعة من عناصر ميليشيا "جيش الوفاء"، التي أسسها النظام السوري، وهي ما تشكل ضربة موجعة، لصاحب المقولة الأشهر "بسيطة يا بشار الأسد.. منتواجه"، الذي أعدم بطريقة أشبه ما تكون، لطرق محاكم التفتيش.

الآن بات بإمكان النظام السوري، الإعلان بكل صدقٍ وأمانة عن وفاة أبو علي خبية، دون أن ينسى الإشارة لصراع "الكتائب الإرهابية" فيما بينها، وولن تظهر تسجيلات جديدة لخبية، يعلن فيها عن اقتراب ساعة الصفر، ومعركة الحسم، وموت بشار الأسد.

كذلك، وعلى الطرف المقابل، لن يعود بإمكان أي من النشطاء، السخرية والتهكم من فيديوهاته المنشورة، فالرجل الذي وجه رسالة إلى بشار الأسد، وحسن نصر الله، في ليلة زفافه من الغوطة الشرقية. أعدم وفي جعبته الكثير من التهم، التي ستنسى مع مرور الوقت، هي وفيديوهات صاحبها، طالما أن سياسة "يوتيوب" الجديدة، قررت حذف معظم تسجيلاته المنشورة، مبقية على بعضها للذكرى، وتحديد المرحلة التاريخية التي كان يعيش فيها، إذا ما أراد أحدهم ذلك.