أبو صالح.. الحالم الذي أضاع الطريق

أبو صالح.. الحالم الذي أضاع الطريق

أبو صالح مصافحًا ياسر عرفات

كان الزمن يضع بصماته على الجروح التي لا تندمل، حتى أن الأفكار الثورية كانت أكبر من أن يحتويها الواقع. انكسرت أمانٍ، وحين انهارت الجبهات خذله رفاقه، بكى الشهداء وضاعت آمال في دهاليز المؤامرات الدولية. ضاقت عليه دمشق التي توهم أنها الحليف الدائم للثورة الفلسطينية وسندها، آمن بحلم قيام جبهة تمتد من جبل لبنان إلى موسكو في مواجهة الإمبريالية الأمريكية والحركة الصهيونية، لكنها تبخرت عند باب منزله.

بعد خروج قوات الثورة الفلسطينية من الساحة الأردنية عام 1971، ظل أبو صالح ينادي بضرورة المراجعة ومحاسبة المسؤولين عن الهزيمة بالأردن

في 1935، ولد نمر صالح في قرية قولية قضاء الرملة، استشهد شقيقه الأكبر مصطفى متأثرًا بجراحه في حرب العام 1948. وعندما حدثت النكبة هاجرت الأسرة إلى قرية بيت ريما بقضاء رام الله، ومن ثم إلى مخيم المحطة في عمان. انتقل إلى الكويت التي عمل فيها في قطاع الإنشاءات، حين كانت الحركة الوطنية الفلسطينية تجمع شتاتها وتعد لانطلاقتها، تأسست حركة فتح فكان من أبرز قادتها.

اقرأ/ي أيضًا: حنا ميخائيل.. تاريخ لا يمضي

بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967 أصبح جسم الثورة الأساسي في الأردن. تفرغ للعمل الفدائي فشارك بعضوية قيادة قوات العاصفة ومسؤولًا للقطاع الغربي، الجهاز المكلف عن العمليات بالأراضي المحتلة، فنظم دوريات استطلاع لبحث تشكيل خلايا عسكرية مقاتلة بالداخل الفلسطيني، إلا أنهم اعتقلوه في مدينة نابلس، لكن صموده أمام المحققين الإسرائيليين وعدم اعترافه أدى إلى إطلاق سراحه.

عاد أبو صالح إلى الأردن حيث تولى قيادة المليشيات التابعة لحركة فتح بقواعد الثورة، لكن الأحداث كانت متسارعة وحدث الصدام مع الملك وما تبعه من مواجهات دموية أدت إلى هزيمة الثورة بالأردن.

بعد خروج قوات الثورة الفلسطينية من الساحة الأردنية عام 1971، ظل أبو صالح ينادي بضرورة المراجعة ومحاسبة المسؤولين عن الهزيمة بالأردن، عقد مؤتمر حركة فتح الثالث في سوريا وتم انتخابه عضوًا في اللجنة المركزية لحركة فتح، وعضوًا في القيادة العامة لقوات العاصفة إذ تقلد منصب نائب القائد العام، وأوكلت إليه مهمة إعادة بناء وهيكلة هذه القوات.

اعتبر أبو صالح أحد أبرز قياديي تيار "اليسار الديمقراطي" داخل حركة فتح الذي ضم حنا ميخائيل وماجد أبو شرار وناجي علوش ومحمد داوود أبو داوود ومرعي عبد الرحمن وأبو نائل عبد الفتاح القلقيلي ومحمد أبو ميزر وقدري سميح أبو كويك وأبو خالد العملة والياس شوفاني، فكانت له علاقات مميزة مع الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي، وانعكس ذلك على تصريحاته ومواقفه، والتي تبنت التحليل الماركسي لطبيعة الصراع مع العدو الإسرائيلي.

محسن إبراهيم: "أنا الفلسطيني في الحركة الوطنية اللبنانية وأبو صالح هو اللبناني في حركة المقاومة الفلسطينية"

تورطت الثورة في أتون الصراع اللبناني الداخلي والحرب الأهلية. شارك أبو صالح في كل المعارك المفصلية التي خاضتها الثورة وحلفاؤها في الحركة الوطنية اللبناني. ربطته علاقات مميزة مع قيادة أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية، وقد عبّر عن ذلك محسن إبراهيم أمين عام منظمة العمل الشيوعي اللبناني: "أنا الفلسطيني في الحركة الوطنية اللبنانية وأبو صالح هو اللبناني في حركة المقاومة الفلسطينية" ضد قوى اليمين الانعزالي وحلفائهم الإسرائيليين من قلب بيروت إلى الجنوب اللبناني، بالإضافة لمقاومته التدخل العسكري السوري عام 1976 حيث شارك في محاولات صد تقدم الدبابات السورية على مداخل صيدا أين كان مقر قيادته.

اقرأ/ي أيضًا: سهيلة أندراوس.. رابعة الأربعة

كان أبو صالح صريحًا واضحًا في مواقفه إذ اعتبر أن الكفاح المسلح هو الفعل الثوري الحقيقي، وعبّر عن ذلك بمقولته الشهيرة "البندقية هي الوطن الثاني للشعب الفلسطيني".

حل 1982 ثقيلًا، بوادر الحرب تلوح في الأفق حين حدث الأسوأ بعد محاولة الاغتيال الفاشلة للسفير الإسرائيلي في لندن، الذي تبنته جماعة أبو نضال، العدو الأشرس لقيادة منظمة التحرير، بدأ الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحوصرت قوات الثورة الفلسطينية في بيروت، صمت العرب وظلوا متفرجين على القصف الذي تتعرض له أول عاصمة عربية محاصرة، أعلنت سوريا وقف إطلاق النار في 11 من حزيران/يونيو، اشتدت المعارك لا أفق لدعم فعلي من الأشقاء العرب أو الحلفاء الدوليين، في عز الحصار أبرق السفير الروسي في بيروت برسالة واضحة للقيادة الفلسطينية المحاصرة "لا تتوقعوا نجدة أو تدخل مباشر من الاتحاد السوفييتي"، فرد عليها أبو صالح في رسالته الشهيرة والشديدة اللهجة إلى القيادة السوفييتية: "إذا انهزمت ثورتنا ستضطرون إلى الدفاع عن موسكو من العبث الأمريكي".

بعد صمود 90 يومًا، وافق ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية على الانسحاب من بيروت فساءت العلاقة معه، وكانت بدايتة الخلاف قبيل الاجتياح الإسرائيلي حول كيفية مواجهة العدوان الاسرائيلي المحتمل، والذي تعمق إثر الخروج من بيروت، حيث عارضه أبو صالح معتبرًا أن ياسر عرفات قام بتوزيع قوات الثورة الفلسطينية على الدول العربية تمهيدًا للتوجه لخيار التسوية السلمية وكانت القطرة التي أفاضت الكأس هي الالتزام بقرارات مؤتمر فاس 1982، والتي اعتبرت أنها تعطي الحق لإسرائيل في الوجود وهذا يعد انتهاكًا صارخًا لقرارات المجلس الوطني الفلسطيني، رفضت بعض قيادات حركة فتح ومن ضمنهم أبو صالح وفصائل المقاومة الفلسطينية تلك القرارات.

تغيب حافظ الأسد عن استقبال ياسر عرفات الذي حظي باستقبال كافة الرؤساء العرب في فاس ورفض الالتقاء به، واصطحب معه أبو صالح بطائرته الخاصة وعادوا إلى دمشق، منذ تلك العودة كانت الانعطافة وبداية ما أطلق عليه بالحركة التصحيحية في حركة فتح.

اعتبر أبو صالح أن الكفاح المسلح هو الفعل الثوري الحقيقي، وعبّر عن ذلك بمقولته الشهيرة "البندقية هي الوطن الثاني للشعب الفلسطيني"

اختار ابو صالح ومن معه الاصطفاف إلى جانب القيادة السورية، معتبرًا أن لديه أوراقًا قوية تتيح له الإمكانية للسيطرة على الحركة، بسبب وقوف قسم كبير من عناصرها في صفه كردّ فعل على إخفاق ياسر عرفات والإدارة السيئة لبعض المحسوبين عليه وتقصيرهم في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي للبنان وعدم محاسبتهم، بالإضافة لخيار عرفات باعتماد مسار السلام كسبيل وحيد وفق قرارات قمة فاس التي كانت تحظى بمعارضة قوية داخل الساحة الفلسطينية.

اقرأ/ي أيضًا: النكبة في زمن صفقة القرن

بعد سلسلة اجتماعات مع الأسد تم الاتفاق على القيام بخطوات تصحيحية ومحاسبة كل من له علاقة بسقوط مواقع الثورة العسكرية، بداية من الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، وصولًا إلى بيروت بعد تركها من دون الرجوع للقيادة، بالإضافة لمن تحوم حولهم شكوك في قضايا مالية وأمنية وأخلاقية.

أعلن عن الانطلاقة الفعلية للحركة التصحيحية في حركة فتح ببداية سنة 1983، كان التعويل على أن التحالف مع السوريين هو الطريق الذي سيعيد الثورة إلى بيروت بعد أن تصبح سيدة قراراتها! للأسف الخطوات اللاحقة كانت بمثابة الخيارات القاتلة، اندلعت المعارك بين الإخوة ورفاق السلاح وامتدت من البقاع إلى شمال لبنان، حيث حوصر ياسر عرفات وقوات منظمة التحرير بطرابلس ومخيماتها، اشتدت المعارك واستعملت فيها مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة، شاركت فيها قوات المنشقين بقيادة أبو صالح وأبو موسى وأبو خالد العملة، بالإضافة لفصائل جبهة الرفض الفلسطينية مدعومين بقوات سورية وليبية. كتب صلاح خلف أبو إياد غير مصدق ما يحدث: "آخر ما كنت أتوقعه أن يشارك أبو صالح بقصف مخيمي البداوي ونهر البارد".

بعد أشهر من المعارك انسحبت قوات منظمة التحرير من طرابلس، وتلك كانت آخر مرة يتواجد فيها ياسر عرفات في لبنان، وانتهى الوجود الفعلي لمنظمة التحرير هناك، بدأت ملامح الخطة تتوضح، فالهدف من كل ما حدث هو السيطرة على القرار الفلسطيني عن طريق شق حركة فتح وإضعافها، والذي استغله النظام السوري لإنهاء ما تبقى من الوجود العسكري الفلسطيني في البقاع وشمال لبنان، استكمالًا لقرار الدول الكبرى بإنهاء ذلك الوجود من لبنان.

لم يكن حافظ الأسد إلا الركيزة الأهم في أية تسوية قادمة بعد مقتل الرئيس المصري أنور السادات

تعرض أبو صالح لخديعة. سوريا استغلت اندفاعه وسوء تقديره للموقف الدولي وتداخل المصالح بين إسرائيل والدول الكبرى والأنظمة العربية، ومن ضمنها النظام السوري، فلم يكن حافظ الأسد إلا الركيزة الأهم في أية تسوية قادمة بعد مقتل الرئيس المصري أنور السادات، وما جرى حينها لم يكن سوى خطة لإضعاف الفلسطينيين من أجل جرّهم إلى طاولة المفاوضات منهكين.

اقرأ/ي أيضًا: كوشنر.. الدمية القاتلة

فات الأوان حين استوعب أبو صالح ما كان يجرى حوله، وأنه لم يكن إلا ضحية مشاريع دولية. في تاريخ 19/03/1984، حصل لقاء مع عبد السلام جلود، كان اللقاء عاصفًا جدًا، لا سيما بعد أن طرح جلود فكرة أن القرار الفلسطيني لا يجوز أن يكون بيد حركة فتح، وكان المقصود به نقله إلى أحمد جبريل، هنا نهض أبو صالح لينهي الاجتماع محتدًا، ليتدخل عبد الحليم خدام مذكرًا إياه بأن الدعم المالي الليبي مرتبط بما ينقله جلود للقيادة الليبية، ومذكرًا أنه يتم دعمهم بمبلغ خمسة ملايين دولار كل أربعين يومًا!

لكن أبو صالح رفض ذلك، فرد نائب الرئيس السوري مذكرًا إياه: أنتم ضيوفنا وعليكم العيش كمواطنين صالحين بيننا! إلا أن أبو صالح قال نحن مناضلون ومشاريع شهادة، فما كان من عبد الحليم خدام إلا أن وضعه في صورة الواقع كما هو: "لن يكون لكم بعد اليوم الحق في قاعدة عسكرية، لن يكون لكم مقر للقيادة، لن يكون لكم منبر إعلامي بعد اليوم".

على إثر ذلك اللقاء دعا أبو صالح الى اجتماع لجبهة الإنقاذ وأبلغهم بقرار عبد الحليم خدام، وقدم استقالته وجلس في منزله منكفئًا منعزلًا تنكر له حتى رفاقه الذين شاركوه مغامرته القاتلة في حرب اقتتال الإخوة، فشنوا عليه حملات إعلامية وكالوا له أشد التهم، هم تصالحوا مع واقعهم الجديد والدور الذي أوكل إليهم بأن أصبحوا أدوات تحركها مصالح النظام السوري.

أفضل من لخص تلك التجربة المريرة واستشرف نهايتها هو الشهيد صلاح خلف أبو إياد في حديثه في أحد الاجتماعات مع كوادر حركة فتح بعد الخروج من طرابلس بحضور الشهيد أبو جهاد وأبو اللطف: "عمرنا بخلافاتنا ما استند واحد فينا لأي نظام عربي إطلاقًا، يمكن يتهمني الأخ أبو اللطف إني أكثر وأحد يحرد باللجنة المركزية، يمكن أخالف ألف واحد باللجنة المركزية ولكن لا يمكن إطلاقًا أن أخالف أو أخاصم أبو اللطف أو أبو جهاد أو أبو عمار من موقع أي نظام عربي، أنا أخالفه من موقع هذه الحركة لأنو شبابها أرجل وأشرف من إني ألجا إلى أي نظام عربي، وليس صحيحًا أنه يمكن أن نصصح داخل الحركة من خلال أي نظام عربي". ليضيف: "تاريخيًا ليس أسهل من أن نركب الطائرة ونذهب عند حافظ الأسد ونقول له رفعنا أيدينا وخلي حركة فتح تأخذ هذا القرار وراح تبطل هناك حركات أو مشاكل، لكن سنتحمل تاريخيًا أن كل نظام يضغط علينا سنذهب راكعين إليه، نحن رافضنا هذا الموقف لكرامة شعبنا وكرامة هذه الحركة وشهدائها".

عندما فات الأوان استوعب أبو صالح ما كان يجرى حوله، وأنه لم يكن إلا ضحية مشاريع دولية

توفي نمر صالح أبو صالح في منزله بدمشق بتاريخ 03/10/1991. يقال على إثر مكالمة هاتفية من مسؤول سوري كبير استفزه، إذ أبلغه بفرض الإقامة الجبرية عليه فكان رده غاضبًا: "لن يمنعني اليوم أحد من الخروج من سوريا". وشيعت جنازته في مخيم اليرموك ودفن بمقبرة الشهداء إلى جانب رفاقه.

اقرأ/ي أيضًا: المعنى الحي لفلسطين

طعم الهزيمة مر، لا يكفي العنفوان الثوري، وأن تؤمن بالثورة ورائحة أرض اشتقت إليها، وقرية خلفتها وراءك وابتعدت عنها، وأن تعلق الآمال عن الحتمية بالانتصار وأنت تسلك دروب الطرق الخاطئة بحثًا عن بقايا حلم ضيعته.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حذف فلسطين

جورج حبش.. درس عربي لا ينتهي