أبوظبي والمخابرات بديلًا عن الخارجية المصرية.. وسامح شكري

أبوظبي والمخابرات بديلًا عن الخارجية المصرية.. وسامح شكري "نايم في العسل"

من واقع الحال يبدو سامح شكري محدود القدرات ( نيكيتا شفيتسوف/ الأناضول)

الترا صوت - فريق التحرير 

ربما لم ينتبه الكثيرون عام 2014، إلى تكليف الدبلوماسي المصري سامح حسن شكري سليم، الذي شغل منصب سفير مصر في الولايات المتحدة من عام 2008 وحتى 2012؛ بتولي حقيبة وزارة الخارجية من قبل رئيس الوزراء آنذاك إبراهيم محلب في أول تشكيل وزاري في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي، إذ كان دخول سامح شكري إلى التشكيل الوزاري الجديد مفتقدًا للبريق المعتاد للوزراء بشكلٍ عام، ومن يتولى هذه الحقيبة بشكلٍ خاص، ربما لأنه جاء ضمن 14 تغييرًا وزاريًا.

دأب سامح شكري على تنفيذ خطة للترويج لنفسه وقد نجح في ذلك بعدد من الأخطاء البروتوكولية والهفوات أشهرها سقطة "End of text"

لكن يبدو أن سامح شكري لم يكترث لهذا، وإنما بدأ في خطة لجذب الأنظار إليه. وبالفعل بدأ في تنفيذ خطته التي بفضلها صار اسمه منتشرًا عبر وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بارتباطه بسقطات لسانه وعددٍ من الأخطاء البروتوكولية التي لم يتوقع أحد أن يقع فيها وزير خارجية كان لنحو أربع سنوات سفيرًا لمصر في الولايات المتحدة.

اقرأ/ي أيضًا: في الغباء كما لم يرد في كتب السياسة!

أشهر السقطات التي كان لها مفعول قوي في الترويج للرجل وإظهاره، هي سقطة "End of text"، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده مع وزيرة الخارجية المكسيكية، كلاوديا ماسيو رويس، بخصوص مقتل السياح المكسيكيين في منطقة الواحات بالصحراء الغربية في مصر. ألقى سامح شكري خطابه من ورقة، بإنجليزية بدت ضعيفة نوعًا ما، ثم أنهى الخطاب بقراءة الكلمة المكتوبة في نهايته: "End of text"، وبصوت عال. ليشتهر الرجل أخيرًا. سقطة لسانية حققت طموحه للظهور، مع بعض السخرية اللاذعة من وزير خارجية لم يفهم أن "End of text" ليست للقراءة العلنية.

ورغم قدرته أخيرًا على جعل اسمه مشهورًا بما يكفي، بقي شيء لم يقم به سامح شكري كما ينبغي، وهو أداء ما هو منوط به باعتباره على رأس وزارة تعتبر سيادية في حكم العرف السياسي، وهي وزارة الخارجية، فما الذي يشغل سامح شكري طوال مدة توليه وزارة الخارجية؟

الترويج للنظام

غالبًا الترويج لنظام سياسي جاء بحركة عسكرية أطاحت بأول رئيس مدني منتخب، هو أمر صعب، خاصةً لو أن العالم والدول الكبرى تنظر بعين الريبة لهذا النظام الجديد، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، الذي احتاج النظام الجديد لتدعيم علاقاته معها وكسب مزيدٍ من الحلفاء في مؤسسات الحكم خصوصًا الكونغرس، لذا كان مفهومًا أن يُؤتى بسامح شكري وزيرًا للخارجية بعد السنوات التي قضاها في خدمة الدبلوماسية المصرية كسفير في واشنطن. لكن هل كان سامح شكري مُفيدًا حقًا؟

بحسب تقريرٍ نشرته صحيفة "أتلانتيك" الأمريكية، أبرم النظام المصري اتفاقًا بقيمة 1.2 مليون دولار سنويًا، مع شركة دعاية وعلاقات عامة أمريكية تُدعى "ويبر شاندويك" لتبدأ بتدشين حملات دعائية للترويج للنظام المصري في واشنطن، والتخلص من أي مخاوف بين الأوساط السياسية من نظام القاهرة.

وبدأت الشركة عملها من خلال تدشين حملة دعائية باسم "مصر إلى الأمام - Egypt Forward"، انطلقت في العاصمة الأمريكية واشنطن، بغرض الترويج للنظام المصري. وخلال جلسات الكونغرس الأمريكي حضر مندوب عن الشركة، ووزع كتيبًا بعنوان "مصر في أمان" على أعضاء الكونغرس. الكتيب هدفه بث الطمأنينة في قلوب أعضاء الكونغرس على أوضاع الحقوق والحريات في مصر، خصوصًا بعد انتشار مقطع فيديو يُظهر أفرادًا من الجيش المصري يعدمون ميدانيًا رميًا بالرصاص مواطنين في سيناء.

فشلت الشركة في مهمتها الصعبة، لأن ممارسات النظام المصري كانت أشد وطأة من القدرة على تبييض وجهه، لذا اضطرت إلى فسخ تعاقدها من النظام المصري، على ما يبدو في محاولة لحفظ ما تبقى من ماء وجهها. 

وفقًا لموقع وزارة الخارجية المصرية، يتمثل دور الوزارة التي يرأسها سامح شكري، في كل ما يخص تمثيل الدولة المصرية خارجيًا تقريبًا، بما في ذلك سياسة الدولة والتعبير عنها وتوطيد "علاقات الصداقة" مع الخارج، بتعبير موقع الوزارة.

المثير للاهتمام في قضية شركة العلاقات الأمريكية، أن سامح شكري لم يكن له أي دور فيها، فإبرام العقد مع الشركة كان من خلال رئيس المخابرات العامة المصرية خالد فوزي، لذا اعتبرت الصحافة ووسائل الإعلام الأمريكية أن التعامل مع جهاز مخابرات أجنبي، أمرًا يعاقب عليه القانون، وكانت تلك من أسباب فسخ الشركة للتعاقد، وخسارة مصر ذراعها الإعلامية في واشنطن وطبعًا النقود التي دفعتها للشركة.

يظهر اسم اللواء خالد فوزي كطرف في التعاقد مع شركة العلاقات العامة الأمريكية
يظهر اسم اللواء خالد فوزي كطرف في التعاقد مع شركة العلاقات العامة الأمريكية

أبوظبي تتكفل بفاتورة الترويج للسيسي

في سياق متصل، كشف تحقيق لموقع "ذا إنترسيبت" عن تعاقد الحكومة المصرية مع شركة "غلوفر بارك غروب - Glover Park Group"، إحدى أكبر شركات العلاقات العامة والاستشارات السياسية في واشنطن، أسسها مسؤولون سابقون في البيت الأبيض في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون؛ لتكون ذراعًا للنظام المصري وللترويج له بين الأوساط السياسية.

تكفل يوسف العتيبة بالتعاقد مع شركة ضغط سياسي في واشنطن لصالح الحكومة المصرية، بل دفع أيضًا تكاليف خدمات الشركة

إلى هنا لا يبدو الأمر ذا بال، فالحكومات تلجأ عادة لمثل هذه الشركات في الولايات المتحدة. لكن المثير في الأمر، هو دور يوسف العتيبة سفير أبوظبي في الولايات المتحدة، وهو ما كشفته رسائل مسربة من البريد الإلكتروني الخاص بالعتيبة.

اقرأ/ي أيضًا: مترجم: "مافيات" الثورة المضادة بقيادة أبوظبي من واشنطن (2/2)

في 2015 أرسل ريتشارد مينتز الذي يعمل في شركة "هاربور غروب - Harbour Group" التي تستخدمها الإمارات للضغط السياسي في واشنطن؛ ليوسف العتيبة رسالة عبر البريد الإلكتروني بعنوان "فواتير غير مدفوعة"، يقول فيها إن شركة "غلوفر بارك غروب" تفضل أن تأتيها التحويلات الخاصة بتعاقدها مع الحكومة المصرية، من الإمارات مُباشرة، وذلك بعد رسالة أخرى وصلت لبريد يوسف العتيبة تضمن فاتورة النظام المصري والتي وصلت لمليونين و735 ألف دولار أمريكي، فعلى ما يبدو تتشكك الشركة في دفع مصر لتكاليف الخدمات المقدمة إليه.

رسالة فواتير الحكومة المصرية غير المدفوعة
رسالة فواتير الحكومة المصرية غير المدفوعة

في بريد إلكتروني آخر، بعد نحو ستة أشهر من السابق، أرسل العتيبة لغويل جونسون -أحد المشاركين في تأسيس هاربور غروب قبل أن ينضم غلوفر بارك غروب ويصبح مديرها في 2005- ليعلمه بنقل 2.7 مليون دولار للقاهرة بغرض إرسالها بمعرفة الحكومة المصرية للشركة. 

ووفقًا للرسالة التي أرسلتها الشركة للعتيبة، فإن خدماتها للحكومة المصرية تتمثل في "الضغط على الحكومة الأمريكية وأصحاب النفوذ في مراكز الأبحاث السياسية والمؤسسات الإعلامية لتغيير السياسة الأمريكية تجاه النظام السياسي بمصر".

سامح شكري ووزارة الخارجية، فضلًا عن باقي مؤسسات النظام المصري، خارج صورة التعاقد مع الشركة الأمريكية بشكل كامل كما هو واضح. إذ يبدو أن نظام السيسي أوكل مهامه لإدارة سياساته الخارجية لكل شخص إلا سامح شكري، في البدء كان خالد فوزي رئيس المخابرات العامة، والآن يوسف العتيبة!

بالإضافة للشهرة.. شكري مشغول بما هو أهم!

ما الذي يشغل سامح شكري؟! قد تكون إجابة هذا السؤال بالنظر إلى أول ما قام به شكري مع بداية توليه منصب وزير الخارجية في 26 تموز/يوليو 2014، وهي حركة التغييرات الواسعة التي أجراها داخل الوزارة، وأطاحت بحوالي 30 دبلوماسيًا للاشتباه في تعاطفهم مع الإخوان المسلمين! وذلك بناءً على زعم الوزارة أن هؤلاء الدبلوماسيين "تقاعسوا عن أداء مهامهم بعد عزل محمد مرسي". 

زاد العدد بعد ذلك، وصولًا لنحو 40 دبلوماسيًا، وذلك وفقًا لتقدير أحد الدبلوماسيين المستبعدين، والذي أوضح أنّ قرار استبعادهم جاء من خارج الوزارة "بضغط أمني".

كان سامح شكري مشغولًا إذن بتنفيذ أوامر أمنية متعلقة بقياس "مدى الولاء للنظام". وهو أمرٌ حتمًا يُشغل عن تنفيذ الأهم من دور شكري ووزارته. ووفقًا لموقع مدى مصر، قال أحد الدبلوماسيين المستبعدين، إن تقييم مدى الولاء للنظام لا تنبني على تحقيقات موضوعية وإنما بناءً على "انطباعات من مجموعة فيسبوك مغلقة لأعضاء السلك الدبلوماسي المصري اسمها اللوتس"! إضافة إلى ذلك، تعتمد هذه التقييمات على العلاقات الاجتماعية التي قد تربط بعض العاملين في الخارجية بشخصيات محسوبة على المعارضة، وهؤلاء يُستبعدون فورًا بقرار أمني.

الطريف في الأمر أن بعض قرارات الاستبعاد أو النقل، لم يكن لسامح شكري يد فيها أيضًا، ولو حتى بالتنفيذ باعتباره على رأس هذه الوزارة، وإنما جاءت بقرار مُباشر من الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي أمر بنقل خمسة دبلوماسيين للعمل في وظائف بوزارات أخرى وبعضهم للعمل في ديواني محافظتين، وذلك في أيار/مايو الماضي. ثُم في تموز/يوليو نُقل سبعة آخرون، بينهم السفير معتز أحمدين، مندوب مصر الدائم بالأمم المتحدة منذ 2012.

بالإضافة إلى الشهرة، يبدو أن سامح شكري كان مشغولًا بتنفيذ أوامر أمنية متعلقة بقياس مدى الولاء للنظام داخل وزارته!

لا يملك سامح شكري سجلًا حافلًا بمعنى الكلمة في العمل الدبلوماسي. فتاريخه يُخبر عن روتينية تصعيده، وواقع الحال يُوضح محدودية قدرات الرجل، وأن وظيفته لا تعدو كونه دمية في يد النظام، لا لتمثيله خارجيًا كما ينبغي، وإنما لضبط وزارته "أمنيًا"، وحتى تلك المهمة لا يُؤديها هو بنفسه أحيانًا!

 

اقرأ/ي أيضًا:

في الدولة الوطنية المصرية ومآلاتها البائسة!

مصر تحت حكم المماليك.. مشاهد ووقائع فاضحة