أبناء البابا وإخوان حمودة

أبناء البابا وإخوان حمودة

محمد عباس/ سورية

في يوم عادي، عادي جدًا، شديد الاعتيادية لدرجة أنك تخلط بينه وبين اليوم الذي يسبقه، ينتهي نهارك القصير بزيارة غير متوقعة لصديق عادي مثلك، لكنه أحضر إلى هذه الأمسية اللطيفة شخصًا غير عادي! الضيف الثقيل ينتمي إلى مجموعة من البشر نطلق عليها عادة لقب: الخراطين. وهم مجموعة من الناس تجمعهم صفة واحدة وهي إطلاق الكلام دون وعي ودون حساب، لدرجة أنهم مستعدون لإخبارك أنهم قاموا اليوم بالطيران من ناطحة سحاب، أو قد أتوا توًا من تهريب ماسة نادرة كسبوا منها ربحًا لا بأس به.

المثيرون للشفقة يرفعون من إحساسك بالثقة ويعالجون نوبات أوجاع الضمير المتكررة

كل هذا عادي، غير العادي هو حين تجلس وحدك وتفكر مليًا بالحكمة من وجود هؤلاء، من المستفيد؟ ماذا يريد الخالق بعد خلقهم؟ ولماذا هم موجودون؟ هنا يحيلك التفكير العميق إلى ضرورة وجود منفعة من كل فئة بشرية: المثيرون للشفقة يرفعون من إحساسك بالثقة ويعالجون نوبات أوجاع الضمير المتكررة، الدنيئون يشعرونك بأحقية فعل ما تشاء كونك تنضم إلى تصنيف أقل دناءة منهم، أما الوصوليون والانتهازيون فيعطونك المبرر دائمًا للفشل. المتحذلقون يشعرونك أنك شديد التواضع، والبليدون يزرعون فيك الإحساس بالقوة والنشاط. أما الخراطون، كما ذلك الضيف الذي زيّن سهرتنا، فهم الفئة الأشد استفزازًا.

من البطولات والأمجاد في الوصول الى أوروبا، إلى السؤال مرارًا وتكرارًا عن سبل الرشوة والفساد للحصول على أسرع إقامة في أفضل بلد أوروبي دون الحاجة إلى البقاء في المخيمات المقرفة، ثم إلى المغامرات المخيفة في قيادة البلم والهروب بركابه من الأمواج العاتية (بعد جولة ضرب المهرب)، والإشارة دائمًا إلى "سيارة البابا" التي أتت لتقلّه من ألمانيا إلى باريس، وسيارة البابا هذه حلّت ضيفة علينا في معظم الأحاديث التي طرحها علينا مشكورًا.

في الحقيقة، حاولت جاهدة البقاء في الجلسة لأعرف نهاية كل هذه القصص، أو لنقل، العبرة منها فقط. لكن الحديث كان خاليًا من أي عبرة او نهاية. عند كل قصة طبيعية كان هذا الثقيل يضيف تفصيلًا خارقًا يزيد من استخدامك المتكرر لعبارة: "لا حول ولا قوة إلا بالله" التي تسعف نفسك بها كلما شعرت برغبة بإعطائه فرصة، يجاهد هو نفسه في عدم استحقاقها. أكثر ما يزعج في هذا النوع من الناس هو محاولاتهم إقناعك بأنهم "الكفو" في أي مشروع أو فكرة تطرحها. هم يفهمون بكل شيء: السياسة والمشاريع واللجوء والأوراق والمطاعم الجيدة والبارات الرخيصة، كله قد سبق وجُرب من قبلهم، أو من قبل البابا، أو من قبل حمودة، الأخ الصغير الذي يحل ثانيًا في مراحل الشجاعة والمغامرة بعد ضيفنا المقدام.

هذا النوع الذي يجاريك في كل ما تفعل، فهو خبير في المشروب حين تشرب، وهو ملتزم وصاحب دين حين تؤمن، وهو صاحب تاريخ طويل في النضال إذا كنت ناشطًا، وهو مخطوف ومسجون طويلًا إذا كنت ممن خبروا تجربة الاعتقال. ولا بد أن تتخلل كل هذه المغامرات إشارات عن شدة دهائه وتدبيره للأمور والرفاهية التي يحيط نفسه بها والتي يسهلها له "البابا"، تلك الشخصية الخرافية التي تشبه إلى حد كبير "الجوكر" في ألعاب الورق، التي يتقن كل فنونها بالمناسبة، أيضًا.

"البابا"، حسب منطق أبناء الذوات، هي تلك الشخصية الخرافية التي تشبه إلى حد كبير "الجوكر" في ألعاب الورق

هذا النوع من الناس تضطر لتأجيل أي متعة في حضورهم، تؤجّل مشاريع البوشار وفيلم السهرة، تؤجل مشروع العشاء أو التسليات التي تقوم بها عادة حين يزورك الأصدقاء، وربما هذا ما يزيد من ثقل وجودهم.

لم تخلق الصفحات التافهة في فيسبوك، أو المواقع الاجتماعية التي تقدم لك الحلول السخيفة للمشاكل التي لا تنتبه لها إلا حين تذكرك بها هذه المواضيع التي تُكتب، في أحسن الأحوال، في مثل الظروف التي تدفعك لكتابة نص كهذا، لم تخلق لك الإرشادات للتعامل مع ضيف مشابه لضيفنا العزيز. لذلك تجد نفسك مضطرًا لتحليلها بنفسك وخلق الحلول الآنية للتعامل معها. ربما كنت الآن خالي البال تشاهد فيلم رسوم متحركة مع أصدقائك المضجرين، ربما كنت نائمًا او مستغرقًا في التأمل في قضايا الكون العظيمة والماورائيات، والميتافيزيقيا وما بعد الحداثة، أو كنت سارحًا في تحليل الأشخاص الذين يستخدمون كلمات مثل "غوغاء" أو "ديماغوجي" في أحاديثهم العادية مع أشخاص عاديين مثلك.

لم أتوصل بعد، رغم المحاولة، لإيجاد مبرر حقيقي لوجود مثل هؤلاء، لكن ربما أستطيع الاكتفاء بأن أنسب لهم الفضل في كتابة هذا النص وإرساله إلى ناشر ما، ثم أتفضّى لفيلم السهرة مع أصدقائي المضجرين.

اقرأ/ي أيضًا:

خلاصُ أبي جابر

مالك السوري الحزين