أبعد من اقتحام الكابيتول.. كيف وطّأ النموذج الأمريكي للانقلاب على الديمقراطية؟

أبعد من اقتحام الكابيتول.. كيف وطّأ النموذج الأمريكي للانقلاب على الديمقراطية؟

ليست حادثة اقتحام الكابيتول منقطعة عن تراث أمريكي قديم (Getty)

على بعدِ أقل من أسبوع، لا زالت مشاهد اقتحام الكابيتول هيل، من طرف جماهير اليمين المتطرّف الأمريكي، تثيرُ ردودَ الفعل، بما هي ليست فقط سابقة على المستوى المحلي، داخل الولايات المتّحدة، بل على المستوى العالمي، لأول مرة لفترة طويلة يتحرّك فيها جمعٌ بهذا الحجم، مسلّحًا بأيديولوجيته العنصرية وبكمّ هائلٍ من الأخبار المضلّلة، ينخرطُ بأعمال عنف موجّهة، يبتغي من خلالها قلبَ نتائج انتخابات ديموقراطية لصالحه.

على بعدِ أقل من أسبوع، لا زالت مشاهد اقتحام الكابيتول هيل، من طرف جماهير اليمين المتطرّف الأمريكي، تثيرُ ردودَ الفعل

على بعدِ هذه المسافة من الزمن كذلك، تُطرح أسئلة حول إن كان ما حدث سليل تطوراته الميكانيكية فحسب؛ ترامب يخسرُ الانتخابات، فيحرّض مناصريه على إجهاض المصادقة على نتائجها؟ أم أن للقضية جذور عميقة ضاربة في النموذج السياسي والاقتصادي الذي انتهجته الولايات المتحدة منذ العقدين الأخيرين، جعلَ حتى مؤسساتها الدستورية تقع في محذور التورط فيه، بشكل مباشر أو غيرِ مباشر؟

اقرأ/ي أيضًا: مجلس النواب الأمريكي يبدأ جولة مساءلة ثانية لترامب

انتهت ولاية ترامب، و"لن يجد مُخرِجٌ فصلا ختاميا لهذه المرحلة، أنسب من هذا العرض البائس والرث والخطير على عتبات الكونغرس وفي أروقته". الكلامُ هنا للمفكر العربي ومدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عزمي بشارة، الذي يضيف قائلًا: "صمدت المؤسسات الديمقراطية (الانتخابات، البرلمان، القضاء، الصحافة) أمام اجتماع نرجسية رئيس عديم الروادع منزوع القيم مع الشعبوية. هذا هو السطر الأخير لكن ليس الصورة كاملة".

بالفعل، لم تكن هذه الصورة كاملة، لكنها صورة تعيد طرح السؤال الأهم في السياسة الأمريكية الراهنة، وهو كيف وصل ترامب إلى البيت الأبيض؟ عودة إلى الـ 29 شباط/فبراير من السنة الماضية، استضفنا صاحبَ كتاب "الشعبوية الأمريكية الجديدة"، الصحفي والمناضل النقابي الأمريكي دان لابوتز، في حوارٍ على "ألترا صوت"، وطرحنا عليه نفسَ السؤال. لابوتز الذي أجاب  بالعودة إلى الركود الاقتصادي الكبير لسنة 2008، الذي كان حسبه "مسؤولًا عن تفكك الرخاء الاجتماعي الذي طبع مرحلة ما بعد الحرب (العالمية الثانية)، وإنذارًا فعليًا بأن الشعب غاضب على النموذج الاقتصادي"، كما أبان عن "الأزمة التي وقعت فيها أيديولوجيا ما بعد الحرب والعقد الاجتماعي الذي أنتجته".

على قاعدة هذه الأزمة حسبَ المتحدّث وجدَ ترامب المجال السانح الذي روج من خلاله لأفكاره، على "أن التهديد قادم من الخارج، معينًا إياه في أن فرص العمل مهددة بغزو العمالة الأجنبية والمهاجرين، وأن البلاد تحت تهديد الإرهاب الإسلامي، وأن الاقتصاد مهدد بالمنافسة غير المتكافئة مع الصين". ومن هنا "قدم نفسه على أنه حامي الأمريكيين من كل هذا". الأزمة التي أتت أساسًا، وفقًا لما قاله لابوتز، من تراجع الدولة عن الوعود بالرخاء الاقتصادي والاجتماعي التي قطعتها الدولة في فترة ما قبلَ سبعينيات وستينيات القرن الماضي، حيث كان هناك "عقد اجتماعي قوي بأمريكا بين النقابات العمالية ورجال الأعمال والحكومة".

ترامب ورقة في يد الرجعيين الجدد

"حين ستحل الفاشية بأمريكا، لن يعلّم عليها بـ "صنع في ألمانيا"، لن يؤشر لها بالصليب المعقوف، ولن يطلقوا عليها حتى اسم الفاشية، بل سيسمونها "الأمريكانية" (Americanism)". وكأن هذه الكلمات التي خطها القس والأستاذ هارولد إ لاكوك سنة 1938، تنبّأت بالمستقبل الذي طبعته الترامبية، وكأن ما تحذّر منه هو ما تجسّدَ في شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا".

 غيرَ أن العلاقة بين ترامب والرجل الأقرن، عاري الصدر، الموشوم برموزَ نوردية وثنية تحيلُ إلى دلالات عنصريّة، الذي جابت العالمَ صوره وهو يتجول داخلَ ردهات الكونغرس الأمريكي، تظلّ تحالفًا مركبًا. يحددها مقال نشره قبلَ سنتين موقع Vox، تحت عنوان "التسريعية: الفكر الظلامي الذي يلهم سفاحي تفوق العرق الأبيض عبرَ العالم"، بالقول أن "ترامب في نظرِ اليمين المتطرف ليسَ ذلك الزعيم النازي الذي يمارس التقيّة، بل متعاطف مع أهداف اليمين الأبيض من خارجِ تيارهم. دوره يتلخصُ في كونه الصورة التي تساهمُ في الترويج لتلك الأيديولوجية، وضمّ أكبر عدد من الأمريكيين إليها. لكن اتحاد ظاهرتي تولي ترامب الرئاسة وتزايد نشاط اليمين المتطرف على العالم الافتراضي، أدى إلى تصاعد كبير في أعداد المنتمين إلى هذا التيار".

يطرح هذا المقال الأصول الفكرية التي يبني عليها منتمو حركات البيض العنصرية توجههم الأيديولوجي، بداية من كون منفذي العمليات الإرهابية تحت خانة التفوق العرقي لا ينتمونَ للتيار التقليدي لليمين المتطرف، بل ينطلقون من فكر أكثَر تطرّفًا منه، يعادي كل عمليات الانتقال السياسي للسلطة، ويهدفون بأداة الترويع لخلق فوضى من شأنها أن تسرعَ تحقيق اليوتوبيا التي يحلمون بها: السيادة الكاملة والسلطوية للعرق الأبيض. جذور هذا الفكر بدأت داخلَ حقل الاقتصاد والعلوم الاجتماعية، يقول المقال، ومع طغمة من الأكاديميين البريطانيين الذين تبنوا تيّار "التسريعية"، أي دفعُ نمط الإنتاج الرأسمالي إلى أقصى مداه من أجل انتقال البشرية إلى طور تاريخي آخرَ ما بعدَ هذا النمط من الإنتاج.

ظهرَت هذه النظريّة خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، في لحظة زهو النموذج الرأسمالي الذي قدّم للعالم كمنتصر بعدَ سقوط الاتحاد السوفياتي، وأحدُ آبائها هو المنظّر البريطاني نيك لاند. هذا الأخير الذي يكن إعجابًا لنموذج الديكتاتورية المرقمنة في الصين، يعتبر في كتابه "التنوير المظلم" أن النظام السياسي الأمثل للبشرية هو دكتاتورية رجال الأعمال. وساهمَ في أعماله المستثمر والمنظر الأمريكي إيرفن كورتيس، مؤسس تيار "الرجعية الجديدة" الذي تتبناه الحركات العنصرية البيضاء في أمريكا والعالم، وينفذ باسمه إرهابيوها عملياتهم ضدَ الملونين والمسلمين، اليهود والأقليات الجنسية.

يتبنى هذا التيارُ موقفًا مناهضًا للديموقراطية، وداعيًا للرجوع إلى أنماطَ حكم قروسطية كالملكيات السلطوية، كما يؤمن بالتفوق العرقي وتقييد الأدوار الجندرية داخل المجتمع. وتؤيده في ذلك الشريحة الأوسع من مناصري دونالد ترامب. هذا ما ظهر خلال أحداث مبنى الكونغرس، حيث كان أغلب مشاركيها يرفعون شعارات ورايات تعود لهذا التيار، كما رفعوا كذلك راية الكونفدرالية العنصرية والعلم النازي بصليبه المعقوف.

عنصرية في حفظ الأمن

عبر بيانها تعليقًا على اقتحام مبنى الكابيتول، أشارت حركة "حياة السود تهمّ" إلى مفارقة صارخة في التعامل مع الأحداث: "عندما كان السود يتظاهرون من أجل معيشنا، كنّا نقابل بعدد هائل من قوات الشرطة، مدججين بالمدافع الرشاشة والغاز المسيل للدموع. لكن عندما حاول البيض تنفيذ مخطط انقلابي، عدد رجال الشرطة المتواجدين لم يكن بنفس الحجم، والتدخل أقل قوة، بل وبلغ بهم الأمر إلى أخذ صورَ مع الإرهابيين أمام الكونغرس".

كيل بمكيالين يفصله أكثر تقرير لموقع Intercept، منطلقًا من أن "أكثرَ ما يصدم في أحداث مبنى الكبيتول كونها مرتقبة منذُ أسابيع". يضعنا التقرير أمام احتمالين لتفسير ما وصف بتقصير الشرطة في التعامل مع الوضع، الأول هو "لا جدوى المنظومة الاستخباراتية وعجزها عن رصد خطرٍ كان يحضّر له على مرأى الجميع". أما الثاني أنه "لا يمكن أن يتم اقتحام الكونغرس وتخريبه لساعات، والخروج سليمًا وكأن شيئًا لم يقع، إلا إذا كانت الشرطة تشاطرك نفس وجهات النظر". فيما منذُ مظاهرات الاحتجاج على مقتل جورج فلويد، روّجت الاستخبارات الأمريكية تحذيرًا بتنامي خطر أحداث عنف يقوم بها اليمين المتطرف، تم تجاهلُ التحذير في ذلك الوقت مقابلَ صبّ الاتهامات من قبل ترامب، ورئيس قواته لحفظ النظام، على حركة انتيفا اليسارية. يضيف المقال "أن تحريضات الرئيس إضافة إلى عدم تحرك الشرطة لإيقاف تطور الأوضاع، فهم داخل مناصريه على أنه ضوء أخضرُ وغطاء لاستباحة مبنى الكونغرس".

علاقة ترامب برجال الشرطة وطيدة، بل وداخلَ تلك المؤسسة يكمن جزء من قاعدته الشعبية، كما وسبق أن أوضح ذلك أليكس فيتالي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بروكلين، في حوار له مع "ألترا صوت"

فيما علاقة ترامب برجال الشرطة وطيدة، بل وداخلَ تلك المؤسسة يكمن جزء من قاعدته الشعبية، كما وسبق أن أوضح ذلك أليكس فيتالي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بروكلين، في حوار له مع "ألترا صوت"، بأن "ترامب كان واضحًا منذ البداية، لم تكن لديه أدنى نية في تقييد وتقنين الممارسات البوليسية، العكس من ذلك، لقد ربطته علاقات وطيدة مع العناصر والقناعات اليمينية المحافظة الأكثر تصلبًا داخل منظومة الشرطة الأمريكية". على ضوء هذا الواقع تتفسر المفارقة التي أشارت لها الحركة المذكورة، من عنصرية وكيل بمكيالين في التعاملِ مع الحدث. كما يبرز تسرب أيديولوجية اليمين المتطرف والتفوق العرقي داخلَ مؤسسة البوليس، التي شاركَ عناصر منها فعليًا في حصار الكونغرس واقتحامه.