"أبريل الدم في لبنان".. هل يستجلب حزب الله عدوانًا إسرائيليًا آخر؟

جثث لضحايا مجزرة قانا عام 1996 (جوزيف براك/ أ.ف.ب)

يُعيد شهر نيسان/أبريل من كل عام إلى الأذهان في لبنان ذكرى عملية "عناقيد الغضب" التي شنّها العدو الإسرائيلي على البلاد عام 1996، فواحد وعشرون عامًا لم تكفِ لمسح ندوب الذاكرة، وقد لا تكفي للأبد، لا لجهة الرعب والخوف اللذين أشاعتهما الصواريخ المنهمرة على رؤوس المدنيين، ولا لجهة الشهداء الذين قضوا بالمئات نساءً ورجالًا وأطفالًا، ولا الجرحى الذين تشوّهوا وبُترت أطرافهم، ولا لجهة حجم الدمار الهائل والخسارة الاقتصادية التي قُدرت حينها بـ500 مليون دولار. لا لكل ذلك فحسب، بل لأن الذاكرة اللبنانية الجماعية مثقلة بارتكابات العدو الإسرائيلي ومتخمة بالمأساة بنتيجتها، وهي تستعيد في كل مرّة، ودفعة واحدة، كل أحزانها التي توزّعت على مراحل، وعلى حروب واجتياحات وعمليات أسر، وصواريخ مباغتة تنطلق من شمال فلسطين المحتلة إلى الأراضي اللبنانية.  

21 عامًا لم تكفِ لمسح ندوب ذكرى عملية عناقيد الغضب التي شنّها العدو الإسرائيلي عام 1996

مجزرة قانا التي أعطت الثقل الأكبر من الدموية للعدوان في 18 نيسان/أبريل 1996، أفجعت اللبنانيين والعالم، فالصواريخ التي أطلقتها المدفعية الإسرائيلية على مقر قيادة القوات الدولية الفيجية، لعلمها بوجود مئات المدنيين المحتمين فيها، حوّلت المكان إلى بركة دم، ووزّعت الأشلاء في الأرجاء، وقد دُفنت الكثير من الجثث في ذلك الوقت على أنها مجهولة، لم تعرف هويتها بسبب تطايرها والحروق التي نالت منها.

اقرأ/ي أيضًا: لبنان الوحيد.. لبنان العنيد

وبعد مرور ما يزيد عن عقدين من الزمن على المجزرة، يستذكر اللبنانيون المأساة كل على طريقته، ومن لم يشهدها في ذلك الحين سمع عنها وشاهد صورها، ليُعيد رسم معالم ذاك اليوم المشؤوم، ويحسّ بثقل الهلع وبمرارة الموت الجماعي في قلوب ذوي الشهداء وأصدقائهم.

وإذا كانت عملية "عناقيد الغضب" جاءت من جانب العدو الإسرائيلي كرد فعل على رد الفعل، أي ردًا على رد حزب الله بإطلاق 30 صاروخًا على شمال فلسطين المحتلة، بعد مصرع لبنانيين بقذيفة إسرائيلية في 30 آذار/مارس 1996، ثم مقتل طفل بقذيفة، فإن حرب تموز/يوليو 2006، التي وقعت بعد 10 أعوام من عملية عناقيد الغضب، جاءت في ظروف مختلفة، فهي في البدء وقعت في خضم انقسام لبناني حاد تجاه حزب الله، ووسط تعاظم الدعوات إلى نزع سلاحه. 

فضلًا عن ذلك فإن الحرب وقعت بملابساتها، وبعيدًا من التحليلات حول النوايا الإسرائيلية بعد مبادرة الحزب، إلى أسر جنديين إسرائيليين لمبادلتهما بأسرى للحزب؛ وهكذا اندلعت الحرب لـ34 يومًا، تنوّعت فيها مشاهد الدم والدمار، وتوسّعت رقعة الخوف من الموت، وانفلشت من الجنوب إلى بيروت والبقاع، فتنامت في ذلك الحين وفي هذه الأجواء ومع أعداد النازحين إلى المناطق الأكثر أمنًا وبينها سورية؛ مأساة الذاكرة، لتحيا في يوميات اللبنانيين بعامة، والجنوبيين بخاصة، لا سيّما من ذاقوا مرارة الفقْد ووداع الأحبّة، وفي اقتصاد البلاد وديونه المتراكمة، والتي زادتها خسائر الحرب تفاقمًأ.

يريد حزب الله أن يُوحي بتأكيد استعداده لأي حرب قد تندلع مع إسرائيل، وأنه يملك مبادرة الهجوم وليس الدفاع!

بروباغندا حزب الله

أيّ مشهدية وبروباغندا أرادها حزب الله مؤخرًا في تنظيمه جولة مع الإعلاميين على الحدود الجنوبية، وسط تخبّطه في الوحول السورية، ومواجهته ـرغم تفرّده بموقع القوّة المسلّحة في المعادلة اللبنانيةـ لرفض ما يفوق نصف الشعب اللبناني، قتلهِ الشعب السوري، بمن فيهم شيعة يوالونه، لكنهم فقدوا أولادهم في أتون أدخلوا إليه رغمًا عنهم؟

ما أراده الحزب هو التأكيد، رغم ما تقدّم، أنه مستعد لأي حرب قد تندلع مع إسرائيل، والتشديد على أنه يملك مبادرة الهجوم وليس الدفاع فحسب، بخلاف ما كان سائدًا، لجهة أن اسرائيل هي التي تتقدّم نحو الأراضي اللبنانية وتُرسل طائراتها لقصف الأهداف، إذ أشار مسؤول الحزب الذي قاد الجولة إلى "الإجراءات الدفاعية التي يتّخذها العدو"، مخافة تنفيذ أمين عام الحزب حسن نصرالله تهديده بالدخول إلى الجليل.

اقرأ/ي أيضًا: حزب الله.. وداعًا لسيارة "الفولفو"

وقد أثارت الجولة التي دعا إليها الحزب، في 20 نيسان/أبريل الجاري، قرابة 50 وسيلة إعلامية معارضة ومؤيدة له تخوفًا في نفوس اللبنانيين من استعراض الحزب في مكانه وزمانه وتبعاته، لتتبعها زيارة في اليوم التالي إلى المنطقة عينها لرئيس الحكومة سعد الحريري، ليعلن من هناك التزام لبنان بالقرار 1701، وأن الجيش هو الذي يحمي الوطن. 

ولكن كيف يا ترى تلقّف أهالي الجنوب والبقاع وسكان الضاحية، الذين يوصفون بحاضنة الحزب التي تضخ إليه عناصره وتتحمل عنه دفع أثمان الحروب مالًا وأرواحًا هذه الجولة وما استعرضته؟ بخاصة وأن الذاكرة المتخمة لم تعد تستحضر وحدها الماضي الأليم، فالحاضر الأكثر إيلامًا مع الاستنزاف في سوريا، دفع عددًا من أبناء هذه البيئة إلى رفع الصوت ضد فساد رموز حزب الله، وغياب التنمية والإهمال من قبل نواب الحزب ووزرائه تجاه مناطق ناخبيهم.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

إفلاس حزب الله بسبب الحرب السورية.. "السيد" يخسر زعامته ونقوده

أمن المخيمات في لبنان.. "عين الحلوة" والكأس المرة