أبارتهايد كامل الأوصاف

أبارتهايد كامل الأوصاف

غلاف التقرير

بعد سنوات ترامبيّة عجاف، لم تعرفْ غير الإذلال والتعالي والاستقواء، الذي ظهر على أشكال وتجليات: نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف الأمريكي بها عاصمةً أبديةً لإسرائيل، إطلاق صفقة القرن التي وضعت تصوّرًا لهيمنة إسرائيلية دائمة على مجمل فلسطين، التسابق العربي الخسيس إلى إعلان العلاقات الطبيعية مع إسرائيل.. إلخ؛ أتت الهبّة المقدسية الأخيرة لتقول أشياء كثيرة، من أبرزها أن القدس لا ترضخ للسياسات الاستعمارية الإسرائيلية، كما أنها لا تبالي بالبيت الأبيض الذي يتصرّف على أساس أنه ولي أمر العالم، ولا بحسابات الدول العربية التي يشكّ ذو العقل السليم أنها تعرف بديهيات الرياضيات أو الأخلاق أصلًا.

جاءت هبة القدس لتقول بالفم الملآن: نحن على أرضنا مستمرون في النضال لأجل حقوقنا، ولن نصمت حيال سلب كرامتنا الإنسانية، أو المسّ بحقنا الطبيعي في مدينتنا

جاءت الهبّة حارةً وعاصفة لتقول بالفم الملآن: نحن على أرضنا مستمرون في النضال لأجل حقوقنا، ولن نصمت حيال سلب كرامتنا الإنسانية، أو المسّ بحقنا الطبيعي في مدينتنا.

اقرأ/ي أيضًا: عزمي بشارة في الإجابة على سؤال "ما العمل؟" إزاء صفقة ترامب-نتنياهو

صحيح أن المقاومة الشعبية مستمرة متخذةً أشكالًا متعددة، من مسيرات العودة في غزة، إلى جولات مناهضة الاستيطان في الضفة الغربية، وصولًا إلى تحركات أهل الأراضي المحتلة عام 1948، وآخرها حراك أم الفحم الذي رفع الأعلام الفلسطينية.. لكنّ الصحيح كذلك أن الهبة التي انطلقت من باب العامود في البلدة القديمة من القدس تأخذ مكانة خاصة، لأنها تأتي من المكان الذي يتمحور حوله كل الصراع، وتمارس سلطات الاحتلال على سكّانه سياسات بطش وتهميش وعقاب جماعي.

من هنا تغدو كلمة القدس والمقدسيين حاسمة وذات ثقل معنوي عند الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، لأنها تعيد المعاني الرمزية إلى الواجهة، أي أنها تؤكد على هوية هذا الشعب شعبًا عريقًا في زمانه ومكانه، وشعبًا مكافحًا بمختلف فئاته، وبكل الوسائل الممكنة، من أجل تحقيق الحرية والكرامة، وهو يفعل ذلك كله عبر ربطه الإبداعي لهويته بمختلف الأديان، فنرى دائمًا كيف يدافع المسيحي عن مقدسات المسلمين مثلما يدافع المسلم عن مقدسات المسيحيين.

والقدس أيضًا تجسيد لنظرة هذا الشعب الواقعية إلى التاريخ بوصفه تراكمًا للتجارب البشرية، ونتاجًا لتشارك المختلفين في صناعة الفضاء، وليس في احتكار كل شيء كما تريد العنصرية الصهيونية المتغطرسة، تلك التي تفعل كل ما تفعله لأنها تنطلق من حقّ تاريخي خيالي يريد حذف تواريخ الآخرين من الوجود، فمنذ المؤتمر الصهيوني الأول قال هرتزل: "إذا حصلنا يومًا على القدس وكنتُ لا أزال حيًّا وقادرًا على القيام بأي شيء، فسوف أزيل كل شيء ليس مقدسًا لدى اليهود فيها، وسوف أدمّر الآثار التي مرت عليها قرون".

هذا القول الصلف، وما يشبهه في الصراحة العارية أو حتى في المعنى الذي تغطيه كلمات أنيقة من تصريحات زعماء الصهاينة، هو الأرضية الفكرية لكل ما جرى ويجري من تطهير عرقيّ وتمييز عنصريّ وتغيير في معالم المكان، وهو أيضًا الدافع الرئيسي لجعل الحياة الفلسطينية حياةً معلّقةً دون حسم، فلا ينال الفلسطينيون حقوق غيرهم من أهل الأرض، ولا يتم إعلانهم فاقدين لأحقية أن يكونوا بشرًا، وما ذلك إلا لكونهم وُجدوا في مكان كل ما يُرسم ويُخطط ويُنفذ فيه إنما هو من أجل فئة واحدة، ولا بدّ من تحويل كل من هم غيرهم إلى ما دون مستوى الإنسان.

ثم حين تأتي مواعيد المحافل الدولية سترى هؤلاء المتعصبين المؤمنين بالقوة والعنف يتحدثون عن تعصّب المسلمين والإسلام، وعن عنف الفلسطينيين "عشّاق الموت"، مع أن بديهيات التاريخ تقول إن أفضل عصور عاشها اليهود كانت في ظلّ الحكم العربي الإسلامي. ومع أنّ المنطق يؤكد حق الإنسان في دفاعه عن نفسه وهويته، لكنّ العالم المعاصر، منذ تأسيس إسرائيل، أثبت أنه يفضّل تصديقها دون سواها، أو على الأقل هذا ما تظهر سياساته ومواقفه التي تدعمها ماديًّا ومعنويًّا من أجل تدمير حلم الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

بديهيات التاريخ تقول إن أفضل عصور عاشها اليهود كانت في ظلّ الحكم العربي الإسلامي

في هذا السياق، سيأتي تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، الذي حمل عنوانًا صارخًا "تجاوزا الحد: السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد"، لكي يضع الأمور في نصابها المنطقي والقانوني والإنساني، من خلال شرحه من هو المتعصب الموتور الذي يعيد تشكيل الحيّز بما يضمن سيطرته عليه وعلى سكانه، ومن هي الضحية الحقيقية لهذه الممارسات التي يعتبرها التقرير جرائم ضد الإنسانية.

اقرأ/ي أيضًا: أسبوع لمناهضة الاستعمار الإسرائيلي يغزو العالم

اتخذ التقرير شكل مرافعة قانونية شاملة، تلاحق الشاردة والواردة في السياسات والقوانين والتصريحات الإسرائيلية، ليخرج منها بإدانة قاطعة تدعو إلى إيقاف هذه الممارسات بشكل فوري، ومحاسبة مرتكبيها، وإعادة تقييم نهج المجتمع الدولي نحو إسرائيل.

مضمون التقرير ليس جديدًا عند النشطاء والأكاديميين الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، فتعبيرات الفصل العنصري (أبارتهايد) والهيمنة والتهميش حاضرة بقوة في مختلف ميادين النضال السياسي، وحاضرة بالمثل في فضائي البحث الأكاديمي والكتابة، لكنّ صدورها دومًا عن الفلسطينيين يجعلها تبدو مجرد صرخات من ضحية يرفض الجميع، الجلّاد وداعموه والمتفرجون، أن يعطوا بالًا لما تقول.

لا بد من الإشارة إلى صدور تقرير مشابه جدًا عن منظمة "بتسيلم – مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان" قبل شهور قليلة بعنوان صارخ هو "نظام تفوق يهودي من النهر إلى البحر: إنه أبارتهايد"، وبمضمون صارخ هو الآخر، ويكاد التقرير الذي بين أيدينا يكون توسيعًا له. الأمر الذي يجعلنا نعتقد بأن هناك حراكًا حقوقيًا متكاملًا يسعى لإنصاف ضحايا المأساة التي ينكرها الجميع.

الممارسات التي يتناولها تقرير هيومن رايتس ووتش تخرج من أعماق هوس التفوق اليهودي الرامي إلى تأسيس دولة لليهود، الأمر الذي استلزم تاريخًا طويلًا من الحروب والمجازر والطرد بحق المدنيين، وعزل الباقين منهم بإجراءات عسكرية وأمنية أو بسياسات إدارية وقانونية تحرمهم من حقوقهم الأساسية، وصولًا إلى ذروة هذا النهج بسنّ قانون الدولة القومية لليهود في إسرائيل عام 2018 الذي يعرّفها بأنها دولة قومية لليهود، ما يجعل التمييز شرعيًّا.

الممارسات التي يتناولها تقرير هيومن رايتس ووتش تخرج من أعماق هوس التفوق اليهودي الرامي إلى تأسيس دولة لليهود

يبدو الصراع على الأرض الفلسطينية صراعًا بين نظامَين سياسيَين مستقلَين عن بعضهما البعض، أحدهما ديمقراطي حرّ قائم على حياة دستورية مزدهرة، والثاني استبدادي فاشل لا يقيم وزنًا لقانون أو عرف.

اقرأ/ي أيضًا: بيرني ساندرز في مواجهة الفصل العنصري.. سيرة غير مروية لمناضل أتقن التواضع

هذا ما يراه من يراقب المشهد من مكان يظنه أرضًا محايدة، مع أنه يتلقى كل ما يتلقاه من إعلام منحاز للأقوى، فيرى في ما يراه عدالة لا تحتاج إلى نقاش، فالحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والحداثة ذات صبغة إسرائيلية، والفساد والعنف والتخلف والظلامية ليست إلا فلسطينية الهوى والهوية. على هذا سيعتبرهما متساويين وكلٌّ منهما يحصد ما زرع!

ومع أن البلاد كلها، حتى في الأخبار المنحازة، تبدو واضحة أنها تحت إدارة إسرائيلية، الأمر الذي يعني أنه حتى في ذلك الفساد والتخلف الفلسطيني المزعوم ثمة مسؤولية إسرائيلية، إلا أنّ من يصلون إلى تلك النتيجة يقعون بالطبع ضحية عنف المعرفة التي تصمّمها إسرائيل، التي تسعى لجعل أكاذيبها حقائق، وأجندتها السياسية مرجعية تاريخية.

كل ما هناك نظام واحد وحيد هو نظام الأبارتهايد الإسرائيلي الذي يقوم على دعم وإدامة تفوق اليهود ككل على مستوى أرض فلسطين التاريخية قاطبة، وفي مختلف الأماكن الأخرى، فمع فلسطينيي الـ 48 يجري ذلك من خلال حقوق المواطنة المنقوصة، فحيث إن هذه المجموعة الفلسطينية هي الوحيدة التي يحمل أفرادها الجنسية الإسرائيلية لكنهم لا يتمتعون بحقوق المواطنة ذاتها على الإطلاق، ومع فلسطينيي الضفة الغربية بالاستيطان وابتلاع الأراضي، ومع فلسطينيي غزة بالحصار، ومع فلسطينيي القدس بتغيير معالم المدينة وعنف الشرطة المستمر تجاه السكان.

وطبعًا رغم التعامل مع كل منطقة بسياسة خاصة بهدف التفتيت، لكن من جهة عامة تلتقي هذه الممارسات وغيرها الكثير في الفصل العنصري والاضطهاد، وهما من الجرائم ضد الإنسانية.

تكمن أهمية هذا التقرير في أنه حصيلة قانونية لكل ما جرى في فلسطين منذ احتلالها في حرب 1948، حيث طرد نصف السكان وقتها، قرابة 700 ألف فلسطيني، واحتُلت 20 مدينة، ودُمرت 500 قرية، ليأتي احتلال عام 1967 ويستكمل النهج الاستيطاني في صياغة المكان وإعادة توزيع السكان حتى يومنا هذا، ناهيك عن الحروب العديدة التي شنّت ضد المدنيين، وفوق هذا وذاك عمليات فرض الحصول على التصاريح والأذونات المستحيلة للعمل أو لزيارة الأقارب أو لمّ الشمل، إلى جانب عزل الأمكنة عن بعضها البعض، حتى إن الواقع يقول إنه لا يوجد في الضفة الغربية كلها طريقًا فلسطينيًا يوصل إلى القدس، لأن لا وصول إليها بغير الطريق الإسرائيلية.

الأكثر أهمية هو التوصيات التي يصل إليها التقرير حيث يطالب بوقف أشكال الهيمنة كلها، والتوقف عن بناء المستوطنات وتفكيك المستوطنات القائمة، ووقف التنسيق الأمني الذي تقوم به السلطة الفلسطينية ما دام يساهم في الفصل العنصري والاضطهاد.

تقرير هيومن رايتس ووتش: "كل يوم يولد أشخاص في غزة في سجن بسقف مفتوح، وفي الضفة الغربية بلا حقوق مدنية، وفي إسرائيل بمكانة أدنى بموجب القانون"

إلى جانب دعوة المجتمع الدولي لكي يعيد نهجه تجاه إسرائيل، ووضع الدول أمام واجب فرض عقوبات على المسؤولين والأفراد المتورطين في هذه الجرائم ضد الإنسانية، ودعوة المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق مع المتورطين فيها، بالإضافة إلى دعوة الشركات إلى وقف أنشطتها مع إسرائيل إذا كانت معدّاتها تساهم في هدم البيوت والقمع وغيرها.

اقرأ/ي أيضًا: "لا نريد سودًا لا نريد عربًا".. عنصرية مقننة في أماكن العمل بأوروبا

فلنختتمْ مع هذه العبارات من التقرير التي تقول الخلاصات: "كل يوم يولد أشخاص في غزة في سجن بسقف مفتوح، وفي الضفة الغربية بلا حقوق مدنية، وفي إسرائيل بمكانة أدنى بموجب القانون، وفي بلدان الجوار بوضع لاجئ مدى الحياة، مثل أهاليهم وأجدادهم من قبل، فقط لأنهم فلسطينيون وليسوا يهودا. الوصول إلى مستقبل متجذر في الحرية والمساواة والكرامة لجميع الناس الذين يعيشون في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة سيبقى أمرا بعيد المنال في ظل استمرار ممارسات إسرائيل المسيئة ضدّ الفلسطينيين".

 

اقرأ/ي أيضًا:

القدس من خلال 4 مذكرات شخصية

القدس عربية.. هل ستبقى كذلك؟