آندي بورنهام إلى رئاسة الحكومة البريطانية.. تعهّدات وتحديات
19 يوليو 2026
يدخل آندي بورنهام، الاثنين، مقر رئاسة الوزراء البريطانية في 10 داونينغ ستريت، وسط موجة من الحماس رافقت انتخابه زعيمًا لحزب العمال ونجاحه في تحييد سلفه كير ستارمر. لكن رئيس الحكومة المقبل لن يحصل على وقت طويل للاحتفال، إذ تنتظره منذ اللحظات الأولى سلسلة من القرارات العاجلة، في ظل أزمة غلاء المعيشة، وتباطؤ الاقتصاد، وضغوط الخدمات العامة، وارتفاع الإنفاق الدفاعي، فضلًا عن ملفات دولية معقدة في أوكرانيا والشرق الأوسط.
يصل بورنهام إلى المنصب بعد أن أمضى معظم العقد الماضي رئيسًا لبلدية مانشستر الكبرى، قبل أن يعود إلى البرلمان عبر انتخابات فرعية الشهر الماضي. وقد منحته تجربته المحلية صورة السياسي القريب من الناس والقادر على التواصل وكسب التعاطف، وهي من أبرز الأسباب التي دفعت نواب حزب العمال إلى اختياره.
ويأمل الحزب أن ينجح في توحيد جناحيه اليساري واليميني، واستعادة الناخبين الذين اتجه بعضهم إلى حزب الخضر أو حزب "ريفورم يو كي" اليميني، ثم قيادة العمال إلى الفوز في الانتخابات المقبلة.
وفي أول خطاب له بعد تولي زعامة الحزب، رفع بورنهام شعار "نمو اقتصادي في كل رمز بريدي، وأمل في كل قلب"، متعهدًا بقيادة تحول سياسي يجعل الحياة أكثر قدرة على تحمل التكاليف، ويرفع مستوى مختلف المناطق والمواطنين. كما وصف التغيير الجاري بأنه الأهم في السياسة البريطانية منذ 40 عامًا، في إشارة إلى رغبته في مراجعة النهج الاقتصادي الذي بدأ منذ ثمانينيات القرن الماضي، وزيادة تدخل الدولة في الاقتصاد والخدمات.
ستمثل علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب اختبارًا مبكرًا، بعدما سبق أن انتقده علنًا
إنعاش الاقتصاد
يأتي إنعاش الاقتصاد في مقدمة تعهدات بورنهام، خصوصًا أن بريطانيا تواجه تباطؤًا في النمو وارتفاعًا في التضخم، بعد أن قلبت الحرب مع إيران التوقعات الاقتصادية التي كانت تشير سابقًا إلى تحسن نسبي. وتعهد رئيس الحكومة المقبل بالكشف عن كيفية تمويل برنامجه المحلي، الذي يهدف إلى تحفيز الاقتصاد، وتحسين الخدمات العامة.
ويقوم نهجه الاقتصادي على الجمع بين الاستثمارات العامة والخاصة في مجالات النقل والإسكان والبنية التحتية. ويطلق على هذا النموذج اسم "المانشسترية" أو "الاشتراكية الصديقة للأعمال"، وهو نهج طبقه خلال إدارته لمانشستر الكبرى، ويقوم على زيادة الإنفاق العام لتحفيز الاستثمار ودعم المناطق التي تعاني التهميش الاقتصادي.
غير أن بورنهام لم يقدم حتى الآن رؤية واضحة لمصادر النمو المستقبلية لاقتصاد بريطاني يعتمد بدرجة كبيرة على الخدمات. كما لم يتحدث عن دعم رواد الأعمال، أو جذب المستثمرين، أو توسيع الإنفاق على البحث العلمي. ويثير ذلك تساؤلات بشأن قدرته على إعادة هيكلة الاقتصاد البريطاني في مرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي والأزمات المالية المتلاحقة.
وتزداد صعوبة المهمة في ظل هشاشة المالية العامة وضيق هامش زيادة الإنفاق الحكومي. كما يرث بورنهام تعهدًا من حكومة ستارمر بعدم رفع الضرائب الرئيسية، ما يضعه أمام خيارين صعبين: الالتزام بالوعود السابقة وتقليص طموحاته، أو رفع الضرائب لتمويل برنامجه. ولم يستبعد بورنهام فرض ضريبة على الثروات، مؤكدًا أن الحكومة قد تضطر إلى مطالبة بعض الفئات بالمساهمة بمزيد من الأموال.
اللامركزية وإعادة الخدمات
من جهة أخرى، يعد توسيع اللامركزية من أبرز تعهدات بورنهام، الذي يريد نقل مزيد من الموارد والصلاحيات من الحكومة المركزية إلى الإدارات المحلية. ويرى أن المناطق البريطانية يجب أن تحصل على قدرة أكبر في اتخاذ القرارات.
ويتطلب نجاح ذلك منح السلطات المحلية حرية حقيقية في إدارة الموارد، إلى جانب إزالة القيود التنظيمية. كما أن تطبيقها على المستوى الوطني سيكون أكثر تعقيدًا من تجربته في مانشستر الكبرى، وقد يحتاج إلى سنوات حتى تظهر نتائجه.
وتعهد بورنهام كذلك بإعادة بعض مرافق الخدمات الأساسية التي خُصخصت خلال العقود الأربعة الماضية إلى الملكية العامة، والحد من التعاقدات الخارجية.
الإسكان والرعاية الاجتماعية
يولي بورنهام اهتمامًا كبيرًا بملف الإسكان، ووعد بإطلاق برنامج لبناء مساكن جديدة عبر المجالس المحلية. ويهدف البرنامج إلى مواجهة ارتفاع أسعار السكن ونقص الوحدات المتاحة، لكن معظم السلطات المحلية تفتقر إلى القدرات والموارد اللازمة لتنفيذ مشروعات واسعة.
كما يعد إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية من الملفات الأساسية في أجندته. ويُعرف بورنهام باهتمامه العميق بهذا القطاع، لكنه يميل إلى تأميمه بدلًا من اعتماد نموذج التأمين الاجتماعي المطبق في بعض الدول، والذي يمكن أن يوفر استقرارًا ماليًا أكبر.
الدفاع والسياسة الخارجية
تعهد بورنهام بسد فجوة الإنفاق الدفاعي، في ظل انتقادات قادة عسكريين للخطة الحالية التي تقضي بزيادة المخصصات بنحو 15 مليار جنيه إسترليني، باعتبارها غير كافية وغير ممولة بالكامل. ويرجح أن يلجأ إلى زيادة الضرائب لتغطية هذا الإنفاق، ما قد يزيد الضغوط الاقتصادية والسياسية عليه.
ولا يمتلك بورنهام خبرة واسعة في السياسة الخارجية، لكنه أكد التزام بريطانيا بحلف شمال الأطلسي، واستمرار قوة الردع النووي، ومواصلة دعم أوكرانيا، والحفاظ على التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة.
وستمثل علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب اختبارًا مبكرًا، بعدما سبق أن انتقده علنًا. ومع ذلك، تعهد بالتعامل معه باحترام وصراحة، مؤكدًا أنه سيعلن اختلافه معه عند الضرورة، ولكن بطريقة تتناسب مع أسلوبه.
غزة والهجرة
انتقد بورنهام طريقة تعامل حكومة ستارمر مع الحرب في غزة، وقال إن بريطانيا تأخرت في المطالبة بوقف إطلاق النار. كما تعهد بدراسة فرض عقوبات إضافية على إسرائيليين متورطين في أعمال العنف في غزة أو بناء المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية.
لكن القضية تمثل ملفًا حساسًا لحزب العمال، الذي يحاول الموازنة بين دعم شريحة واسعة من الناخبين المسلمين وطمأنة الجالية اليهودية. وقد تعرض بورنهام لانتقادات من الطرفين، إذ انتقدته جماعات يهودية بسبب مواقفه، بينما انتقده مؤيدون للفلسطينيين لرفضه وصف الحرب بأنها "إبادة جماعية".
ويواجه بورنهام في ملف الهجرة صعود حزب "ريفورم يو كي" المناهض للهجرة، الذي استفاد من قلق الناخبين وحقق نتائج قوية. وسيكون على بورنهام تشديد سياساته بما يكفي لاستعادة هؤلاء الناخبين، من دون خسارة الجناح اليساري في حزبه.
اختبار الحكم
يبقى التحدي الأكبر أمام بورنهام هو الانتقال من رئاسة بلدية تضم ثلاثة ملايين نسمة إلى قيادة دولة يبلغ عدد سكانها نحو 70 مليونًا. فالعمدة يستطيع مطالبة الحكومة المركزية بالتمويل وتحميل لندن مسؤولية الإخفاقات، أما رئيس الوزراء فعليه اتخاذ قرارات صعبة وتحمل نتائجها.
ويمتلك بورنهام كاريزما وقدرة على التواصل افتقدهما سلفه، لكنه قد يقع في فخ إطلاق وعود ترضي الجميع. وسيكون نجاحه مرهونًا بقدرته على تحويل الشعارات إلى التنفيذ.
تقرؤون المزيد في: تعرف على آندي بورنهام.. الرجل الأقرب لخلافة كير ستارمر