آفاق حراك الصدريين.. فسحة لبناء عراق مدني!

آفاق حراك الصدريين.. فسحة لبناء عراق مدني!

يضع الحراك السياسي العراق أمام فرصة للتغيير (أ.ف.ب)

تحاول جماعات عراقية تبرير خشيتها من الصدريين اعتمادًا على تاريخ بعض الفئات الصدرية التي انجرت إلى استخدام العنف باسم آل الصدر. وهذه الفئات لم يعد لها مكان بين صفوف الصدريين بشكل عام، ذلك أنها "مليشيات وقحة" مثلما وصفها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وأعلن بعدها، أنه يتحرك طبقًا لحاجة الحكومة إن طلبت المساعدة لدعم القوات المسلحة. وقد أعلن الصدر في أكثر من مرة في خطاباته الرسمية براءته من الأفعال المشينة لهذه المليشيات على إثر الانحرافات الطائفية الخطيرة التي تورطت بها.

 بدت ملامح التغيير واضحة للعيان، وأظهر الصدريون اندماجهم في الحياة المدنية

 بدت ملامح التغيير واضحة للعيان، وأصبح ممكنًا تلمس مقدار التقارب الإيجابي الذي أبداه الصدريون عبر اندماجهم في الحياة المدنية، وقد شاركوا مشاركة فعّالة في محاربة داعش من خلال نسختهم الأكثر تنظيمًا "سرايا السلام"، التي ضمت جيلًا جديدًا من الشباب المنضبط، اكتسب سمعة إعلامية واجتماعية طيبة من قبل سَكَنَة المحافظات المنكوبة التي اكتوت بالإرهاب، وباتت هذه السرايا مصدر أمن وأمان في المحافظات السنية، كونها لم تنخرط في عمليات العنف التي طالت المدنيين، ولم تتورط بالأعمال الطائفية من جهة، ولم تبد تقاربًا مع الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران من جهة أخرى.

 ولهذا "النفور" تاريخ مشهود بدت ملامحه منذ ظهور مرجعية السيد محمد صادق الصدر "العراقي"، الذي كان يرفض كل أشكال التدخل من إيران، حتى أنه انتقد ميل بعض المعممين للتكلم باللكنة الإيرانية. الأهم أنه قد أضحت للصدريين مزيتان: رفضهم للغزو الأمريكي ومقاومته بشراسة، وتصديهم لوحشية الإرهاب الداعشي، وقلما نجد إشارة إيجابية لهاتين المزيتين باعتبارهما منجزًا وطنيًا.

اقرأ/ي أيضًا: نتائج الانتخابات العراقية.. الوجوه القديمة التي لم تتعلم الدرس

كما بات الصدريون أكثر تنظيمًا في السنين الأخيرة، عبر استخدام الاحتجاج السياسي بديلًا عن المقاومة المسلحة، وبدا زعيم التيار الصدري يراجع خطوات فصيله السياسي وإخفاقاته في الحكومة العراقية عبر تصحيح هذه الخطوات وعزل الفاسدين من وزرائه المحسوبين على التيار الصدري، وأخلى الوزارات منهم في حكومتي المالكي والعبادي كإجراء مكمل لاحتجاجه على حكومة الفساد.

قليلة هي الكتابات النقدية التي تناولت التجربة الصدرية بشكل موضوعي، لتخوفها من ردود أفعال الصدريين المتزمتين جدًا لقائدهم السيد مقتدى الصدر. إذ يعتبرونه "خطًا أحمر" ومتعاليًا عن النقد والتقويم، غير أنه وبفعل "الجواز" الذي أعطاه السيد مقتدى الصدر بنقده وتقويمه، انفجرت مواقع التواصل الاجتماعي بالنقد الساخر والتهكم بين صفوف الناقمين على التيار الصدري. حتى أصبح مقتدى الصدر الافتتاحية المحببة  لبعض المدونين. وبصرف النظر عن هذه التهكمات التي أضحت مصدرًا لتفريغ المتذمرين، فإنها لم تتحول إلى خطاب نقدي متزن، ولم يجد هذا الخطاب طريقه إلى الشارع، خوفًا من ردود الأفعال العنيفة من قبل الصدريين.

 بينما اعترف مقتدى الصدر في أحد لقاءاته المتلفزة أنه الوحيد الذي يمكنه ضبط إيقاع أتباعه. ومن الطريف أن الصدريين أبدوا مرونة نسبية فيما يتعلّق بالنقد من خلال المطالبة بما يسمونه "النقد البناء"، وعلى الرغم من قلة حظوظهم في التعليم بشكل عام، إلا أنهم انخرطوا بتجربتهم الحوارية في مواقع التواصل الاجتماعي، لكنهم جوبهوا من قبل بعض المدونين بردود أفعال لا ترتقي إلى الحوار المنتج، ذلك أن الأخطاء الإملائية كانت الشغل الشاغل لخصوم الصدريين نظرًا لغلبة الطابع الشعبي على خطابهم العفوي والمباشر.

اقرأ/ي أيضًا: رهان التيار الصدري في العراق.. "سائرون" في غير طريق السعودية وإيران؟

إن الحراك الاجتماعي والسياسي الذي يحدث في العراق وتراكمه يمكن أن يغدو مقدمة مهمة تفضي فيما بعد إلى نتائج إيجابية، من ضمنها أن يعي العراقيون قيمة التسامح والاعتراف بالآخر، فحتى هذه اللحظة، وعلى هول كل ما مر في العراق، إلا أنه لم يمر بتجربة المذابح التي حدثت في أماكن أخرى في العالم؛ فلم نشهد مذبحة الكاثوليك والبروتستانت التي راح ضحيتها ما يقارب ثلث السكان، ولا مذبحة رواندا التي أودت بحياة ما يقارب من المليون، لكن الفارق الجوهري بين العراق وبين هذه التجارب الدموية، في البلدان الغربية خصوصًا، أن هذه الشعوب استطاعت أن تجد الصيغة القانونية لاستخدام العنف وأن تحصر احتكاره بيد الدولة، فنحن وإن كنا لا نزال نتخبط في هذا البناء، لكننا لم نصل للتجارب الآنفة.

يمكن مراكمة الحراك الحالي بشكل مدني ودستوري  لإنتاج تغيير يتطلع إليه العراقيون

 علينا نحن العراقيين أن نضع هذه الشواهد التاريخية نصب أعيننا وننظر إلى إمكانياتنا المتاحة، وأن نعد العدة لخلق النموذج الذي نتطلع إليه، وبدلًا من  التذمر والعدمية والسوداوية، علينا أن ننخرط في تنظيمات موازية للتنظيمات التي نقف ضدها، ونوفر البديل المضاد إن كنا حقًا نستشعر الخطر الوشيك  ونمتلك ما يميزنا عن الآخرين، وإلا فسيكون التذمر من شعاراتنا من ذات الخصوم الذين كنا نتذمر منهم.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

في 2000 كلمة.. ماذا يحدث في الانتخابات العراقية؟

"الدعاية السوداء" في الانتخابات العراقية.. المال في خدمة الطائفية والفساد