آرمجدون سوريا

آرمجدون سوريا

حي جوبر/ 2015 (عمار البشي/الأناضول/Getty)

في خطاباته الأولى، شدّدَ المتحدث الرسمي باسم تنظيم داعش، أبو محمد العدناني، على فكرة الامتداد التاريخي الذي أدى على نحو حتمي في نهاية المطاف إلى إعلان دولة الخلافة الإسلامية، مِن جديد. مُشيراً، بما معناه، إلى أن تطور اللباس والطعام والأسلحة وتكنولوجيا الاتصالات لا يعني على الإطلاق أنّهم أبناءُ عالم جديد، بل أن المعادلة أبسط بكثير، فالمعركة لم تتوقّف يوماً وإن طالَت، حتى لو تغيّرت أسماء الدول وانحناءات الخطوط على خرائط العالم وتسيّد الجينز الذوقَ العام.

يُغني هذا المنهج الفكري أيّ قضية بالزخم المادي والمعنوي وجُرعات وراثية مركّزة من الأدرينالين، فبينما يتعاطى العالم معها على اعتبارها حديثة الولادة، يرى كلّ مؤمِن بها بأنها قديمة قِدم التاريخ نفسه. عموماً، عادة ما يقتصر هذا المنهج على القضايا الدينية، ذلك أنها غير مُلزَمة بفترات انتخابية أو انتهاء صلاحيّة، وإنما جاءت لكي تستمر، خُلِق ليفترِس، إلى أن تُفضي في نهاية المطاف إلى آرمجدون حيث يتحقّقُ نصرها المُطلق.

لمواجهة السرطانات الراديكالية، علينا للأسف أن نحشد العالم بأسره للوقوف في صفّنا

أن يكون لنا عدو يتعاطى مع قضيته بالمنطق السابق ذاته، ليس أمرًا جيدًا بالتأكيد. وأتحدّث هُنا مبدئيًا عن الظواهر الأكثر وضوحًا، إيران وداعش وإسرائيل. ولمواجهة هذه السرطانات الراديكالية، علينا للأسف أن نحشد العالم بأسره للوقوف في صفّنا، أجل، أقصدُ هذا العالم القذر لدرجة فاقَت مَسألة التغاضي عن مُجرم حرب مثل بشار الأسد، ووصلَت إلى وَصفِه مُؤخّراً بـ"الشريك المحلي في الحرب على الإرهاب". بكلّ تأكيد، ستكون مضيعة للوقت أن نُطالب العالم بالامتثال إلى القيم الإنسانية ومشاهد الغرق والأشلاء والخراب.

مع ذلك، أثبتَت التجربة الفلسطينية ما قبل أوسلو أنه من الممكن إجبار هذا العالم على دعم الحلول السياسية حينما نتعامل معه بأسلوبه ذاته، أي بالقسوة والعنف المُتبادل. واليوم، يبدو أن الأمر أكثر منطقية من قبل، إذ نلاحظ أنّه في كلّ مرّة يُشدّد فيها زعماء العالم الحر على فكرة الحل السياسي في سوريا، يُمعنُ الأسد وحلفاؤه في المنطقة بارتكاب المزيد من الانتهاكات بلا أدنى تلبُّك أو وَجَل. وفي كلّ دعوة يتلقاها النظام السوري للمشاركة في طاولة مُفاوضات، يزدادُ غطرسة وعنجهية أكثر من السابق، وكأنّما يُدعى فريق "ريال مدريد" مثلاً للمشاركة في دوري حارات شعبية. ومن هذا المنطلق، نشاهدُ على أحد جانبي الطاولة أبرز شخصيات المعارضة السورية، بينما قد نلمحُ، في أحسن الأحوال، لاعبًا عاديًا من دكّة البدلاء لدى نظام الأسد.

يُفسِّرُ هذا الأمر ما نشهده من مُشاركات خجولة في الوقفات التضامنية والاعتصامات، أمام مباني السفارات والقنصليات حول العالم، في ذكرى أحداث شديدة الوحشية. إذ لا ينبعُ النقص العددي الشديد من وطنيّة مَنقوصة، بل يعود إلى يأسٍ عارم مَفاده أن مِئات الأعوام الضوئية من الاعتصامات السلمية المتواصلة، بأعداد كبيرة أم صغيرة، لن تُفضي إلى أيّ تغيير حقيقي في سياسات العالم المتغوّل اقتصاديًا وعسكريًا بشأن التعاطي مع الحدث السوري خاصة، والشرق أوسطي عامة. في المقابل، مازلنا نذكر الحشود المألّفة التي تتجمّع لإحياء أي مُناسبة فلسطينية وطنية، وما كانت تجرُّه من تبعات على مسار الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. ومن السذاجة بمكان أن نُفسّر تلك التبعات على أنّها امتثالٌ لمطالِب الشارع المحقّة فقط، دون أن نشير إلى أن هناك قائمة مفتوحة من ردود الفعل التي تدركُها الحكومات الغربية جيداً، ومازالت في ذاكرتها عينة كافية منها في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته.

نقفُ اليوم في سوريا على عتبة مرحلة خطيرة، أبرزُ مَلامحها تفريغ البلاد من سكّانها وإرساء توزيع ديمغرافي جديد تحت سيطرة انتداب روسي ستاليني، والتعاطفُ وحدَهُ لن يَكفي للفوز في آرمجدوننا.