"آخر المعجزات".. تجربة بصرية مثيرة في عوالم نجيب محفوظ الماورائية
29 نوفمبر 2025
المعجزة…كلمة بها الكثير من الأمل والحلم وعالم ما ورائي، حيث الأشياء التي تحدث لنا دون تفسير. ولكنها بشكل ما كانت ضمن أمانينا، حيث يميل الإنسان بطبعه إلى تصديق أن فيه "شيئًا لله" ويتخذ أي فرصة تقنعه بأنه كُشف عنه الحجاب.
جاء الفيلم القصير "آخر المعجزات" للمخرج عبد الوهاب شوقي عن قصة "المعجزة" لنجيب محفوظ، ليحمل المعاني ذاتها وإن اختلفت الرؤية الفنية من القصة الأدبية إلى العمل السينمائي.
هناك حكمة صينية تقول: "صورة واحدة بألف كلمة". تختصر هذه الجملة ما فعله شوقي في تطويع قصة "المعجزة" لنجيب محفوظ وتحويلها إلى عمل سينمائي عبارة عن فيلم قصير جيّد؛ خاصة أنه أول تجربة له في الإخراج، وهو أيضًا من حوّل النصّ الأدبي إلى سيناريو كي يخرج بهذا الشكل على الشاشة.
ثمة قصص قصيرة وروايات يسهل تطويرها وتطويعها لتصبح عملًا سينمائيًا، والمعجزة من بين هذه القصص التي يسهل استغلالها كي تصبح فيلمًا قصيرًا؛ خاصة لو كان من سيطوّعها يهتم بالقراءة بوجه عام. ولكن تبقى المعضلة الأساسية التي تواجه كل مخرج يقتبس من عمل أدبي هي تصوّر القُراء عن الفيلم، وخصوصًا هؤلاء الذين تعلّقوا بالنصّ الأصلي. فكيف نجح شوقي في معالجة القصة سينمائيًا حتى تعجب جمهور القراءة؟
لم يغير شوقي شخصية يحيى التي رآها محفوظ في خياله، فيحيى شخص بلا موهبة، يائس، تافه، كسول، لا يستطيع التغلب على نفسه ومعالجة عيوبه، يخاف مواجهتها فيهرب إلى الخمور أو نداء لمعجزة ما، أراد أن يصدقها كي تغير حياته بلا أدنى مجهود.
يحيى اسم في حدّ ذاته يحمل معجزة، يذّكرك بمعجزة النبي زكريا الذي تمنى ولدًا بينما امرأته عاقر وقد تقدم في السن. فبشّرته الملائكة بطفله يحيى، بينما أضاف شوقي وظيفة مختلفة لبطله عن القصة الأصلية، حيث كان بطل المعجزة كاتبًا للحسابات ويعمل على آلته الكاتبة كعمل إضافي، فاستغل شوقي هذه التفصيلة كي يجعله كاتبًا بشكل آخر بصفحة الوفيات في إحدى الصُحف. مما أعطى للقصة بعدًا مختلفًا مناسبًا لحالة الميتافيزيقا، حيث يرتبط يحيى بالأموات بسبب طبيعة عمله، مما يجعله يصدق تلبية نداء الشيخ الذي اختاره من العالم الآخر. كما أنه لم يجعل له زوجة لنفهم أكثر سبب تمسكه باللا شيء! وإنه فشل حتى في حياته العاطفية وصادق زجاجات البيرة لتشوش على زحمة أفكاره ورأسه التي تدور بلا توقف، وجرد شوقي يحيى من التفاصيل كي يتماشى مع قواعد الفيلم القصير وقصته التي تركز على العُمق الإنساني للشخصية أكثر من تفاصيلها.
أما عن شكل يحيى وهذه الصفات التي عرفناها عنه من الفيلم، فجاء من معلومات عدة زرعها شوقي بشكل غير مباشر كي يخاطب جمهور مثله يحب الفن واللعبة الإبداعية والأسلوب غير المباشر.
وأول ما عرفناه عن يحيى كان من خلال المكالمة التي تضمنت تعنيفًا واستقبلها دون دفاع عن نفسه مما أوحى لنا أنه إنسان سلبي لا يتغير ويكرر خطأه، فيستقبل العتاب كاستقباله لأي شيء آخر بيأس، فيما استغل شوقي هذه المكالمة في استكمال قصته كما يراها حتى نهاية العمل.
كنت قد كتبت في بضع سطور عن موهبة خالد كمال بفيلم "درويش" وكيف يستطيع تطويع شكله لصالح الشخصيات التي يلعبها، وكيف يستغل كل دور مهما كان حجم مساحته، ويصدّق الشخصية حتى يضيف إليها لمسات خاصة واكسسوارات مثلما فعل مع شخصية ربيع الدولي في مسلسل "ملوك الجدعنة".
وقد أحسن شوقي اختيار كمال لتأدية دور يحيى وهو الرجل الأربعيني الذي يشبه الدراويش في تكوينه الجسماني، فليس بالشخص المفتول العضلات وصاحب الأسنان اللامعة والملامح الشقراء، ولكنه شخص يشبه درويش زاهد غير ممتلىء الجسم وطويل، مما يجعله لافتًا للنظر وكأنه من عالم الماورائيات. مما ساعد شوقي في استغلال هذه الصفات وخلق كادر جيد جدًا، وهو يتصدر حلقة الذِكر بحركات ونغمات محسوبة وفي دائرة منتظمة ويظهر بطوله وملابسه الصوفية الملونة وكأنه شخصية أسطورية.
وكذلك نجد النقلة التي حدثت سريعًا في تغيير الشخصية ولو سطحيًا من شخصٍ يقضي وقتًا طويلًا بالبار ليلًا إلى درويش. وقد أجادها كمال واعتمد على الانفعالات الداخلية، وساعده في هذا شوقي من خلال توجيهاته والحوار المختصر الذي يبرز موهبته الإخراجية في استغلال الصورة، حيث يساعد كمال على استحضار روح الشخصية دون كثرة حديث. وهذا ما نجده أيضًا في مشهد قمة غضب ليحيى، حيث مَّثل الغضب المكتوم في جحوظ العين نتيجة الصدمة قبل أن يتخذ قرارًا بالعنف. وهناك مشاهد التصوف التي تعتمد على هدوء النفس وسكينة الروح والتي جسدها كمال في حركة عينيه التي تتأمل وترصد الحياة الجديدة من حوله. وفي جسده الهادئ وتنظيم أنفاسه، فيما جاء أعلى مستوى أداء له بالفيلم في نهايته مع تمثيل مشاعر الغضب والانكسار والخذلان في آنٍ واحد، وكذلك مشاهد العيون الفارغة من كل شيء بعدما لحق يحيى شيخه لعالم آخر.
أحسن شوقي اختيار كمال لتأدية دور يحيى وهو الرجل الأربعيني الذي يشبه الدراويش في تكوينه الجسماني، فليس بالشخص المفتول العضلات وصاحب الأسنان اللامعة والملامح الشقراء، ولكنه شخص يشبه درويش زاهد غير ممتلىء الجسم وطويل
قبل انطلاق الفيلم على شاشة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته 46، حدث عطل بالتيار الكهربائي مما تسبب في صوت عالٍ وغريب من شاشة السينما، وهو ما جعل الجمهور يعتقد أن الفيلم أصابته لعنة ما تشبه حالته الماورائية، وخاصة أن الفيلم منعته الراقبة فترة طويلة. ثم حدث ما حدث قبل عرضه ولكن سرعان ما تم حل الأزمة وظهر كمال على الشاشة فصفق الجمهور في لفتةٍ جديدة؛ تذكرنا بما كان يحدث قديمًا بالعروض السينمائية حينما يشجع الجمهور بطل ما بالفيلم، ولكن هذه المرة التفاعل جاء مع فيلمٍ قصير ليثبت أن له جمهوره. وأن مشاركة نجوم لهم شهرة وموهبة حقيقية في هذه النوعية من الأفلام يدعم الفيلم القصير وصناعه، وكذلك إدراك أن الفيلم القصير له جمهور لهو شيء هام وخاصة مع طبيعة الحياة السريعة التي نعيشها وتناسب حالة الفيلم القصير.
نلاحظ أيضًا أن البار هو مكان يحيى وملاذه، والذي جعلنا نفهم من أول لقطة بالفيلم أنه على علاقة وطيدة بزجاجة البيرة، من خلال طريقة تناوله لها، والرؤية الضبابية التي يرى بها من خلال الصورة أكدت لنا هذا الأمر.
فهناك إضاءة خافتة مع ظُلمة الليل ولون أحمر يغلب على الصورة وزجاجات البيرة في كل مكان، كلها أدوات كانت كافية كي يشعر المشاهد بحالة السُكر وحياة السَهر التي يعيشها يحيى. وجاءت رنة الهاتف فجأة، مناسبة لعالم بين البين الذي خلقه شوقي وذكّرنا بشكل ما بأفلام رأفت الميهي وعالم فانتازي يجمع بين الواقع والحلم.
اعتمد شوقي على الأحمر والأخضر معظم الوقت كألوانٍ ثابتة تعبّر عن عَالمي السهر والصوفية في تناقضٍ بين عالمين جمعتهما نفس الروح والألوان، حيث روح يحيى العالقة بين الخمر والتصوف. فيما استخدم أنشودة تضمنت جُمل مثل "في سَكْرة" لتعكس حالة يحيى الذي يهرب بالخمر أو لحياة الدرويش في محاولة للبحث عن حاله أو الهروب من واقع أفكاره، حيث في الإنشاد الصوفي تُستخدم كلمة خمر كرمزيةٍ للوصول للنشوة الروحية.
يُمكن القول إن الصورة ظلّت من أكثر العناصر تماسكًا في هذا العمل، حيث أضاف شوقي لقطة ثرية بصريًا تنبأ بعدها يحيى بنبوءة ما وقعت بنهاية الفيلم، كي يؤكد على وصول يحيى بصفاء روحي مختلف وتحوّله لدرويش بشكلٍ ما بعدما اختلى بنفسه فترة طويلة مع الذِكر. وإن كانت بداية القصة على عكس توقعاته، ومعرفة حقيقتها صدمته بالنهاية، إلا أنه صدّق القصة حتى تحققت بشكل ما!
وعلى ذِكر النهاية، فقد لعب شوقي لعبة ذكية تتعلق بمراعاة عاملٍ هام في الفيلم القصير وهو عنصر التكثيف مع الاحتفاظ بالنهاية الأصلية للقصة عبر إضافة عناصر بصرية مختلفة، من خلال رؤيته الخاصة والموسيقى التصويرية التي حققت مفاجأة درامية لمن لم يقرأ القصة، خاصة مع استخدام اللون الأحمر مرة أخرى عن طريق الدماء التي سالت على الأرض، ونقلة القطع التي مهدت للنهاية وخلقت عنصر التشويق.
لست مع كثرة استخدام الدلالات، ولكن شوقي قام بتوظيفها بشكل جيّد داخل العمل، مثل استخدام القط بنهاية العمل كدليلٍ على عالم الأرواح، وهُنا نحتاج للحديث مع شوقي لمعرفة رؤيته في بعض الرموز، ولكن أعجبني أن بعضها يحتمل أكثر من رؤية. مثل واحد زائد واحد يساوي واحد والتي كُتبت على الحائط في مشاهد الصوفية، وكانت مع مشهد لجوء سيدة للدرويش الذي سيحل لها مشكلتها. فوجدت أنها ترمز لحالة توحد بين يحيى والسيدة الجميلة التي أدت دورها الفنانة غادة عادل كضيفة شرف. وقد تمنيّت لو كان بينهما خط درامي فرعي لقصة حُب الدرويش مع من لجأت إليه للخلاص من أزمتها. والتي رأى البعض أنها تصلح داخل فيلم طويل للقصة ذاتها، ولكنني أرى أن المعجزة لا تحتمل سوى أن تصبح فيلمًا قصيرًا.
والتفسير الوحيد لظهور هذه السيدة واختفائها سريعًا، رغبة شوقي في توصيل رسالة أن الناس يصدّقون ما يريدون تصديقه، وإن آمنوا بدرويش بالصُدفة. وكنت أود لو استغل وجود غادة عادل ودور هذه السيدة بشكلٍ مختلف ومساحة أكبر، خاصة أن التصوف يحتمل حب الله وحب المحبوب، وتمنيت لو تناول الفيلم هذا الأمر ولو عبر خط درامي فرعي.
انتهت رحلة يحيى وآخر المعجزات، حيث حاول أن يعثر على نفسه في عالم مختلف. ورغم أن القصة كلها كانت على غير توقعه وأرهقه الشعور بالخذلان والخديعة، فأنه ربما قابل شيخه بالعالم الآخر وتحقق مراده وزالت حيرته.







