05-مارس-2017

جنود من الاتحاد الوطني الكردستاني في كركوك (مروان إبراهيم/أ.ف.ب/Getty)

تنذر أجواء الاحتقان السياسي والعسكري بين الأطراف الكردستانية بالعودة إلى أصعب مرحلة مر بها الإقليم، عندما تمخضت عن الحرب الداخلية حكومتان فيه، واحدة في أربيل تحت إدارة الحزب الديموقراطي بزعامة مسعود برزاني وأخرى في السليمانية بإدارة الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، والتي استمرت منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي وحتى 2003، حين تمت الإطاحة بنظام صدام حسين من قبل القوات الأمريكية في نيسان/ أبريل من العام ذاته.

ينذر الصراع على نفط كردستان بانتهاء الحرب الباردة الكردية والانتقال إلى حالة اشتباك عسكري بيني

ومع سيطرة قوات موالية لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، الخميس الماضي، على منشآت نفط كركوك وإيقافها ضخه لفترة وجيزة بعد تهديدها بالمزيد من الإجراءات، تكون صفحة الحرب الباردة بين الطرفين قد طويت، تمهيدًا لصفحة عسكرة الخلافات بين بينهما حول النفوذ السياسي وموارد نفط الإقليم.

 تحرك الاتحاد الوطني جاء متزامنًا مع اندلاع اشتباكات بين قوات "روج آفا"، مليشيا البيشمركة في سوريا، جرى تشكيله وتدريبه في العراق بدعم من مسعود بارزاني، ووحدات مقاومة سنجار التي تعد جيبًا عراقيًا لحزب العمال الكردستاني التركي الذي أصبح له موطئ قدم في سنجار بدوره.

اقرأ/ي أيضًا: كردستان العراق.. العودة إلى الإدارتين حلًا

وأحالت آلا طالباني، النائبة في البرلمان الاتحادي العراقي عن الاتحاد الوطني الكردستاني، عملية السيطرة على المنشآت النفطية إلى حالة الإحباط بين السكان المحليين سواء من الحكومة في بغداد أو القيادة الكردية في اربيل.

وقالت إن السلطات المحلية غير راضية عن عدم استعداد بغداد واربيل لبناء مصفاة محلية كي يستطيع سكان المحافظة نيل حصتهم من إيرادات النفط الدولارية.

ويبدو أن معطيات الواقع الجديد ستؤدي إلى رسم خرائط سياسية جديدة في الإقليم، الذي تمدد نفوذ رئيسه مسعود برزاني إلى تركيا وسوريا ضمن طموحه الجامح لأن يحقّق مشروع الدولة الكردية.

ولم يقتصر الخلاف داخل البيت الكردي على طرفيه التقليديين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، بل تعداه الى خلاف أخطر بين الديمقراطي الكردستاني وحركة التغيير "كوران" التي يتزعمها نيشروان مصطفى، أحد كبار قادة فصائل البيشمركة في قتالها التقليدي ضد النظام السابق.

وأشار رابوون معروف، النائب عن حركة "التغيير"، إلى عوامل خارجية في الخلاف، إلا أنه قال أن الأمر يمتد إلى أزمة تتصل بخلاف حول الرؤية المطروحة لطبيعة النظام السياسي الكردي وكيفية إدارته، ويذهب معروف إلى أن إدارة الإقليم لا يمكنها الاستمرار بشكلها الحالي، مضيفًا أن الخلافات بين "التغيير" و"الديموقراطي" هي خلافات حقيقية "بين رؤيتين لإدارة النظام السياسي في إقليم كردستان".

وتفجرت الأزمة بين الحزبين في آب/ أغسطس عام 2013 حيث انتهت الولاية الثانية لرئيس الإقليم مسعود بارزاني، ولكنها مددت لعامين باتفاق تم توقيعه بين الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والاتحاد.

ودخلت الأزمة منعطفًا جديدًا، عندما منعت السلطات في أربيل رئيس برلمان إقليم كردستان العراق يوسف محمد الذي ينتمي إلى كتلة "التغيير" من دخول المدينة حيث مقر البرلمان، وتبعه قرار بطرد وزراء الحركة من الحكومة.

اقرأ/ي أيضًا: هل يضم الأكراد سنجار إلى "روج آفا"؟

وانعكست الأزمة على الشارع الكردي، وأخذت الهوة بالاتساع بين أربيل والسليمانية التي شهدت مظاهرات شعبية في تشرين الأول / أكتوبر 2015، أضرمت خلالها النيران في مقرات تابعة للحزب الديموقراطي، واتهم الأخير حركة "التغيير" بالقيام بها تمهيدًا لـ"مخططات تخريبية"واحداث"الفوضى".

تفاقم الأزمة الكردية الداخلية من الممكن أن يفضي إلى الانقسام مجددًا، وقيام حكومتين كرديتين، الأولى في أربيل والأخرى في السليمانية

وكان البرلمان العراقيّ ساحة أخرى للخلافات الكردية-الكردية الحادة خلال التصويت على الموازنة الاتّحاديّة نهاية العام المنصرم، حیث تمّ إقرار المقترحات التي کانت قد قدّمت من قبل کتل الاتّحاد الوطنيّ وحركة التغییر والجماعة الإسلامیّة والاتّحاد الإسلاميّ، بإدراج فقرات محدّدة لإلزام حكومة المركز بإرسال حصّة إقلیم کردستان من الموازنة البالغة 17٪ من مجموع الإنفاق الفعليّ من الموازنة، مقابل إلزام حكومة الإقلیم بتصدیر 550 ألف برمیل من نفط کرکوك ومن نفط الإقلیم یومیًّا، عبر شرکة سومو العراقیّة المعنية بتصدير النفط حصرًا. وأدّی هذا التصویت علی الموازنة إلی انسحاب كتلة الحزب الدیمقراطيّ الكردستانيّ من الجلسة، لكون هذا الأمر يرفع يد الحزب الديمقراطي وعائلة بارزاني حصرًا من التحكم بتصدير نفط كردستان واستلام وارداته المالية، بمعزل عن الكتل والاحزاب الكردية الأخرى.

وتفاقم الأزمة التي اشتعلت شرارتها الأولى من كركوك، من الممكن أن تفضي إلى الانقسام مجددًا، وقيام حكومتين وعاصمتين كرديتين، الأولى في أربيل تحت حكم بارزاني والأخرى في السليمانية بقيادة الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير التي تفيد تسريبات إلى إمكانية دمجهما من جديد تحت مسمى يتفق عليه الطرفان، أو توحيد حركة تغيير وجناح الدكتور برهم صالح خارج خيمة الاتحاد الذي يرزح تحت نفوذ زوجة جلال طالباني هيرو خان ونجلهما قباد طالباني وهو ما ترفضه قيادات تاريخية في الاتحاد.

بالمقابل، فإن بغداد المنشغلة بالتحالفات المبكرة لخوض الانتخابات المقبلة ليست ببعيدة عن المشهد الكردي، إذ تسعى أطراف عدة لاستمالة هذا الطرف الكردي أو ذاك، ولا سيما في السليمانية التي شهدت زيارة عدة لمسؤولين من الوزن الثقيل ليس آخرهم رئيس مجلس الوزراء السابق زعيم ائتلاف دولة القانون، حزب الدعوة، نوري المالكي الذي زار المحافظة فور عودته من إيران، في سعي محموم لتشكيل حكومة أغلبية داخل البرلمان بعيد الانتهاء من الانتخابات البرلمانية المزمع إجراءها في نيسان/ ابريل من العام المقبل، في الوقت الذي لا تبدو تفاعلات النفوذ الإيراني الميدانية في "العراق والشام" مقبلة على توقف!

اقرأ/ي أيضًا: 

العراق .. حرب النفط والمخدرات في البصرة

الجبير في بغداد.. خرائط إقليمية جديدة