29-أبريل-2016

الرئيس العراقي الراحل صدام حسين (Getty)

في يوم 28 نيسان/أبريل من كل عام، كانت المدارس تُعطل. كنا نخرج لتنظيف الشوارع والأرصفة ولتعليق النشرات الضوئية وصور صدام حسين. كنا نفعل كل ذلك من دون حب، لكن بخوف كبير. في اليوم التالي كان بعض الزملاء في المدرسة يفتنون علينا، نحن الذين "نتخاذل" بالعمل في ميلاد "الريس".

في عيد ميلاد صدام، الأطفال كانوا يرتدون تيشيرتات طُبعت عليها صور القائد الضرورة

يقف جارنا الذي ينتمي لحزب إسلامي اليوم وهو يحمل سجله قبل يومين من هذه المناسبة. يجمع تبرعات كعكة الميلاد والنشرات الضوئية والموسيقى. لا أعرف أين هو الآن، لكن كل ما أتصوره أنه ما زال يجمع التبرعات، لكن لمناسبات أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: العراق.. إعادة إنتاج قوانين "البعث" ضد الأقليات

كُنت طفلًا صغيرًا عندما اشتركت بمصروفي اليومي "مُجبرًا" لشراء كعكة الميلاد. قبل أن تنتهي الاحتفالات سألت أمي وأم عباس جيراننا: "وين الكيكة مضكتهة". أجابتا: "أكلوها الحزبيين أصدقاء الريس عيب لتحجي". أجبتهما غاضبًا: "خر... بالريس".

لم أكن أعلم أن هذه الجملة أخفت أناسًا من الوجود. كنت طفلًا صغيرًا ولا يعرف عواقب الكلمات. ولو علمت بنتائجها لكنت قلت: "هنيئًا لهم كل ما يأكلون".

تمتلئ الشارع بصور صدام، خاصة ذات الإطار الخشبي. هذه الصور كانت توضع في الزاوية الأبرز من منازل بعض العراقيين. تحميهم من شكوك أي رفيق بعثي لا يتردد بالكتابة حتى على نفسه، إذا ما ضاقت به السُبل ولم يجد أحدًا يكتب عنه.

الأطفال كانوا يرتدون تيشيرتات طُبعت عليها صور القائد الضرورة. وكبار السن خاصة من البعثيين، يرتدون الزي الكاكي، ويعلقون جُعب الرصاص على صدورهم، ويحملون الكلاشينكوف بأيديهم. بينما مكبرات الصوت تنشد بأغنية المطرب حاتم العراقي: "الليلة عيد الغالي صدام. سهران شعبه الليلة مينام. حتى النجم سهران ويغنيلة".

الذين كانوا يحتفلون بميلاد صدام لم يكونوا يُحبونه. كانوا يحاولون إبعاد أنظار الرفاق عنهم

الذين كانوا يحتفلون بميلاد صدام لم يكونوا يُحبونه. كانوا يحاولون إبعاد أنظار الرفاق عنهم، أو للحصول على تكريم من مسؤول في حزب البعث، أو ينتظرون زيارة مفاجئة لرئيسهم. العوائل التي لم تذق طعم الكيك، كانت لا تبخل على رئيسها بصناعته في الثامن والعشرين من نيسان في كل عام.

اقرأ/ي أيضًا: كيري وسُليماني للعبادي.. نحن معك

قبل يومين تبدأ قناة الشباب التي كان يسيطر عليها عُدي صدام حسين ببث الأغاني التي تُبارك ميلاد والده. وتبث مقاطع من كلماته العنترية التي كانت بداية الطريق لعراق خرب مُدمر. "الماجدات" من المنتميات لحزب البعث اللاتي حصلن على مكارم كبيرة وكثيرة من الرئيس، لم ينفكين عن الهلال أمام شاشات التلفاز.

حتى بيوت الدعارة كانت تُعطل في ذلك اليوم. قال لي شخص في يوم ما: "كُنت كثير التردد على بيوت الدعارة. أصبحت علاقتي ببعضهن قوية، ولم يُرفض لي أي طلب. لكنني عام 2001 ذهبت لهن وكانت يومها احتفالات بعيد صدام، فرفضن استقبالي. أبلغتني إحداهن بأننا "تفرغنا للاحتفال وتزيين منازلنا بمناسبة ميلاد الرئيس".

جارتنا كثيرة المشاكل مع زوجها لأسباب مادية نهاية تسعينيات القرن الماضي. كانت قد صرخت بصوت عال قبل يومين من هذه المناسبة "العظيمة"، وجمعت أمام منزلها كل من سمع صوتها. كالعادة شجار مع زوجها، لكنها هذه المرة بكت كثيرًا ومزقت أجزاء من ثوبها. فوجئنا قبل بدء الاحتفالات الرسمية بساعتين بهلهولة كبيرة. من بعيد نُشاهد إمرأة توزع الشربت على الرفاق البعثيين الذين كانوا يتجولون في المنطقة. إنها جارتنا التي كانت تبكي قبل يومين. وضعت أحمر الشفاه وأظهرت جزءًا من شعرها، وكأنها في ليلة عرسها. كانت تُردد أغنية حاتم العراقي: "حبيناك ونبقى نحبك يالماكو مثلك بالكون/ واحد صدام وصار النا بس هم منين يجيبون".

هنيئًا لكل شعب لم يحكمه شخص مثل صدام، وهنيئًا لكل شعب لم يكن البعث جزءًا من تأريخه، وهنيئًا لكل شعب لم ير ما يمر به العراق الآن بسبب جمعة التبرعات العابرين للزمن.

اقرأ/ي أيضًا:

لأجل من قُتلت سوريا؟

"الأقلية العراقية" في العراق