03-يناير-2016

على حدود الجولان المحتل

في مقابلة مع "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" عام 2000، قال الراحل بيير بورديو: "لطالما ترددت في تحديد موقفي للعامة من هذه القضية (الفلسطينية).. لأنني لم أشعر بأنني قادر بشكل كافٍ على الإتيان بتوضيح بخصوص ماهو بلا شك، أكثر الأسئلة مأساوية وصعوبة في زماننا: كيف نختار بين ضحايا عنف عنصري بشكل خالص وبين ضحايا هؤلاء الضحايا؟".

لم ينظر الكثير من المثقفين العرب إلى سمير القنطار إلا من خلال ماضيه النضالي مع غض الطرف عن حاضره الإجرامي

كانت مشكلة بورديو في موقفه من القضية الفلسطينية أنه لا يستطيع النظر لإسرائيل إلا من خلال ماضي اليهود القريب، فهو لا يراهم إلا عبر مجازر النازية وممارسات العنف والاضطهاد العنصري التي تعرضوا لها. فهو يعترف بأن الفلسطينيين ضحايا للصهيونية ولكنه لا يعرف كيف يجرّم اليوم ضحايا الأمس.

حين شنّ الطيران الصهيوني غارة على منطقة جرمانا، شرق دمشق، قتل على إثرها سمير القنطار ذلك الذي كان أقدم سجين لبناني في إسرائيل والذي كان مناضلًا ضد دولة الاحتلال الصهيونية. وهو نفس الشخص الذي ذهب إلى سوريا بعدما أعلن حزب الله التدخل في سوريا. 

وبنفس منطق بورديو تعاطى كثير من مثقفينا مع خبر مقتل القنطار فما لبثوا أن استدعوا ماضي القنطار النضالي ضد دولة الاحتلال وغضوا الطرف عن جرائم القنطار في سوريا. فهم كبورديو لم ينظروا للقنطار إلا من خلال ماضيه النضالي مع غض الطرف عن حاضره الإجرامي. فمعضلة مثقفينا في أنه كيف لبطل الأمس أن يصبح مجرم اليوم.

ما يجعل الأمر معقدًا في حالة القنطار هي تلك الحالة الثنائية التي مات عليها. فهو قد قتل بيد الكيان الصهيوني على الأراضي السورية، قُتل القنطار وهو يقاتل في صفوف الطاغية الأسد ضد المعارضة السورية لنظام الأسد، لكنه لم يقتل بيد الثوار بل بيد الطيران الصهيوني. 

لا تطلب مني أن أحتفي وأتسامح مع من قتل أهلي وهدم بيتي ومزّق وطني وشرّد شعبي بحجة أنه ناضل ضد الاحتلال يومًا

ومما لا شك فيه أن مقتل القنطار على يد الطيران الإسرائيلي يفرض علينا نوعًا من السكوت وعدم الفرح لمقتله وذلك احترامًا لمبدأ أن العدو الصهيوني هو العدو الأول لجميع العرب والمسلمين غير أننا، واحترامًا للدماء السورية أيضًا، نرفض الاحتفاء به كشهيد ونعيه والتغني بمآثره. 

فلا تطلب مني أن أحتفي وأتسامح مع من قتل أهلي وهدم بيتي ومزّق وطني وشرّد شعبي بحجة أنه ناضل ضد الاحتلال يومًا. ولا أعرف حقًا هل سيكون موقف مثقفينا هو هو إن كان أبو بكر البغدادي قد اغتيل بواسطة الأمريكان وقد قاومهم لسنوات في العراق. فهل كنا سنسمع نعيه والاحتفاء به أيضًا؟!

ثمّة أسطورة يُروّج لها من قبل بعض المثقفين وأنصار ما يسمى بمحور الممانعة مفادها أن القنطار كان في سوريا من أجل تنظيم المقاومة لتحرير الجولان وأن القنطار لم يكن له أي دور في المشهد السوري. غير أن مثل هذه الأساطير لن تسمع عنها إلا في الميادين والمنار والأخبار. وما نعلمه يقينًا أن القنطار، وبحسب تقرير أعدته ديمة ناصيف في الميادين، كان قد شارك في معركة حضر بالقنيطرة أمام "جيش الفتح" وبمعركة مطار السويداء أمام الجيش الحر، أو من تنعتهم الميادين "بالإرهابيين". 

وما نعلمه يقينًا أيضًا أن حزب الله الذي ينتمي له القنطار في قلب المشهد السوري وأنه يقاتل في صف الطاغية الأسد الذي فعل بشعبه ما لم يفعله بيريز ونتانياهو. وما نعلمه يقينًا أيضًا أن القنطار قتل في جرمانا شرق دمشق، وهو الحي الدرزي الوحيد للمصادفة، بينما الجولان في الجنوب الغربي فربما حقًا أراد القنطار الوصول للجولان ولكن من الطرف الآخر من الكرة الأرضية. وقديمًا قال المتنبي: وليس يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل. فمحاولة نفي تورط القنطار في الدم السوري أمر مرفوض وبشدة.

فلسطين قضية عادلة، والقضية السورية كذلك قضية عادلة، وليس لأيٍ منهما قداسة في ذاتها بل بما تمثله من حقوق

يحاول البعض التعاطي مع مقتل القنطار بأحادية بل وممارسة الإرهاب على رافضي نعيه، فأنت إن لم تنعِ القنطار فأنت، وبالتأكيد، تقف في صف آل سعود وآل ثاني وأنك تخذل القضية الفلسطينية والمقاومة. غير أننا لسنا بملزمين أن نقف في أيٍ من هذه الصفوف. فلسنا مع حسن نصر الله ولسنا مع محمد بن سلمان. ورفضنا لتدخل حزب الله في سوريا لا يعني بأي حالٍ من الأحوال وقوفنا جنبًا إلى جنب مع محمد بن نايف. 

وبنفس المنطق فإننا نرفض وبشدة العربدة الصهيونية وخرق الأجواء السورية وقصفه أهداف بالداخل السوري ولكن ثمّة سؤال مشروع ينبغي أن نسأله لمثقفي الممانعة وهو: إذا كان الاتفاق المعلن بين روسيا وإسرائيل ينص على التنسيق بين البلدين فيما يخص تحليق الطائرات الإسرائيلة في الأجواء السورية، فما مدى مسؤلية بشار الأسد وحزب الله وإيران حلفاء الروس عن دم القنطار؟؟ وإذا كان القنطار بحسب زعمهم ينظم صفوف المقاومة فهل تحول نظام الأسد وحزب الله وإيران من محور ممانع لمحور متواطئ على قتل مقاومي كيان الاحتلال؟؟ هذه الأسئلة ينبغي ألا تمر على هؤلاء الناس مرور الكرام إن كان هناك مثقال من احترام للذات لديهم، وأشك.

ختامًا قضية فلسطين قضية عادلة، والقضية السورية كذلك قضية عادلة، وليس لأيٍ منهما قداسة في ذاتها بل بما تمثله من حقوق. فقضية فلسطين هي قضية الكرامة والحرية والعدل ومن يحيد عن طريقها، وإن سلكها يومًا، فليس منها. ولا تضفي أي قداسة على مناصريها ولا تمنحهم صك غفران ليفعلوا ما شاؤوا فيما بعد، فالمقاومة لا تجب ما بعدها. نعم يسعنا السكوت والصمت لأن القنطار قتل بيد الصهاينة لكن لا تحتفِ بقاتلي من فضلك.

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا نختلف حول سمير القنطار؟

تصفية مربكة لسمير القنطار