21-نوفمبر-2015

أحداث محمد محمود(كيم بدوي/Getty)

لم تتوان السلطة المصرية عن تذكيرنا بخوفها الشديد من القوى الثورية الشبابية في كل المناسبات والأوقات والذكريات الثورية. وتتزامن هذه الأيام مع الذكرى الرابعة لأحداث محمد محمود، وهي أحداث لها مكانتها الخاصة لدى القوة الثورية المصرية، وعلى الرغم من عدم استعداد أي قوى ثورية لإحياء الذكرى أو الخروج في تظاهرات تنديدًا بالحكم العسكري أو المحاكمات العسكرية والقبض العشوائي والاختفاء القسري والتعذيب في السجون والأقسام وغيرها، نجد أن السلطة تصر على تذكيرنا برعشة الخوف التي تعتريها.

تزامنًا مع الذكرى الرابعة لأحداث محمد محمود، انتشر رجال الأمن في أرجاء ميدان التحرير وقاموا بإغلاق المقاهي وتفتيش المارة

انتشر رجال الأمن من الداخلية والجيش في أرجاء ميدان التحرير والشوارع المحيطة به، وقاموا بإغلاق مقاهي وسط البلد، وبدؤوا في حملة تفتيش ذاتية للمارة تشمل تصفح هواتفهم المحمولة وحملة اعتقالات عشوائية غير مبررة، تساءلت صديقتي "فرحة" هل مازالنا أقوياء لنخيفهم ونرعبهم لهذه الدرجة؟ فقلت لها أن الجبان لا ينتظر خصمًا قويًا كي يخشاه، الجبان عدو نفسه.

المشهد الأول.. درع الحماية

منذ أربع سنوات، في مثل هذه الأيام، شهدت شوارع التحرير أكثر أيامها سوادًا وأشدها بؤسًا وأكثر معاركها ضراوة بين الشعب والداخلية، وأكثرها حيرة أيضًا بين الشعب والشعب، أخذتني الروح الثورية ووجدت نفسي وسط الجموع المحتشدة بميدان التحرير، كنت أحرص على التواجد بالليل قبل النهار.

في الليل يزداد البرد قسوة، وتقل الأعداد في خيام الاعتصام، ويزداد الأمر سوءًا. في الليل نصبح صيدًا سهلاً للكلاب النابحة وذئاب السلطة، في الليل نحتاج الدعم أكثر، في الليل تطاردنا الكلاب في محاولة بائسة لفض الاعتصام. بدأ الحشد في تشكيل درع دفاعي حتى يحمي الاعتصام من خطر الفض، كان هذا الدرع هو محاولة منع الداخلية من اقتحام الميدان عن طريق شارع محمد محمود.

المشهد الثاني.. "مفيش خرطوش"

خرج الكتاتني متبجحًا حينها مصرحًا بأن وزير الداخلية منصور العيسوي أخبره بعدم وجود "خرطوش"، هذا بعد أن استشهد بعض المتظاهرين وفقد آخرون عيونهم وأصيب البعض والتهب الوضع في الشارع وخرج عن السيطرة ودخل في طريق لا رجعة فيه.

المشهد الثالث: "بياخدوا ترامادول"

وُجهت التهم إلى المتظاهرين في ميدان التحرير وانتشرت الإشاعات، فقيل إنهم يتعاطون حبوب "الترمادول" ويأخذون الأموال من الخارج

وُجهت التهم إلى المتظاهرين وانتشرت الإشاعات، فقيل إنهم يتعاطون حبوب "الترمادول" ويأخذون الأموال من الخارج. في الحقيقة، كان هناك "ترامادول" لكن في غير صفوفنا، فمن يوجه هذه التهم هو من يتعاطى المخدرات، بالإضافة إلى البلطجية المتواجدين في صفوف الشرطة، هؤلاء البلطجية من متعاطي "الترامادول" وبائعيه يقفون صفًا إلى صف بجانب حماة الوطن!

المشهد الرابع.. اقتلوه!

كنّا كتلاً بشرية يطاردنا الجنود على أطراف الميدان بالعصا والهراوات، كان الجميع يجري هربًا من أيديهم وكان الظلام يجعل الرؤية مشوشة والتراب المتصاعد من تحت أقدامنا يكتم أنفاسنا، ناهيك عن الغاز المسيّل للدموع، نظرت بجانبي فوجدت رجلًا يجري على عكازين ويتخبطه الفارين، أخذت بيديه وجرينا سويًا إلا أنه تسبب في تأخيري حتى تمكن عسكري من الإمساك بطرف "الجاكيت"، دفعته عني وهربت بصعوبة تاركًا الرجل مؤنبًا ذاتي حتى رأيته بعدها بقليل يجلس في الميدان بخير، فشكرت الله كثيراً فلم يكن ضميري ليتحمل هذا التأنيب.

بعد ذلك ازدادت الاشتباكات وبدأ الكر والفر حتى تمكن المعتصمون من الإمساك بأحد الجنود، في البداية انهال الجميع عليه بالضرب قبل أن تنتزعه مجموعة ممن يتحكمون بأعصابهم جيدًا وشكلوا حوله دائرة قصد حمايته وسط سباب وغضب من الثوار الموجودين، فللآلاف ثأر يريدون انتزاعه من ذلك الجندي، وآلاف يكتمون غضبهم ويريدون تفجيره في وجه "البدلة الميري"، تم تجريده مما يحمله من عصا وهراوة وأي شيء قد يتسبب في الإيذاء ولم يُتخذ قرار حوله بعد.

وسط هذا الزحام وهذه الفوضى وتلك الأصوات الغاضبة المتداخلة، رأيت عجوزًا تدمع عيناه حزنًا وبالنظر إليهما أدركت جيدًا أنه لا يرانا بل يتذكر شيئًا لا نعرفه، تفحصته جيدًا فرأيته يحمل لافتة على صدره بها صورة لشاب علمت بعدها أنه ابنه الشهيد، ظل هذا العجوز هكذا ثم بدأ يقترب من الدائرة الملتفة حول العسكري مصوبًا نظره نحوه ولا يرى شخصًا سواه، وبدأ في الاندفاع نحوه بقوة محاولاً اختراق الدائرة وضربه بعنف، ثم صرخ مدويًا "اقتلوه، اقتلوه ابن الكلب، اقتلوهم ولاد الكلب زي ما قتلوا ابني"!

اقرأ/ي أيضًا: 

25 رسالة من أجل "راجعين يوم 25"

"كان نائمًا حين قامت الثورة".. ما لن يقرأه السيسي

عثرات أوقعت بالثورة المصرية