07-مارس-2016

يكون الصمت كالعواء في منجم (Getty)

كان الشباب في المجتمعات العربية فئة خرساء، بين فئات خرساء أخرى طبعًا، لكن خَرَس الشباب كان ذا دلالة على تمنّع الجديد واحتجابه، ربما احتجاجًا ورفضًا، ربما انسحاقًا ويأسًا. حين جاءت الثورات العربية أنطقت كل شيء. لم تترك فمًا مغلقًا إلا فتحته، بل إنها أطلقت أفواه وألسنة التطرف، دينيًا وعسكريًا، كما أنطقت المرأة والأطفال، وحتى الجماد.

حين جاءت الثورات العربية أنطقت كل شيء. لم تترك فمًا مغلقًا إلا فتحته

خلال هذا، بدأنا نسمع الشباب من تونس إلى مصر فاليمن وسوريا. بدأ الجميع يتكلمون في الإعلام والصحافة والمدونات ووسائل التواصل الاجتماعي. انتشر الفيديو سلفي، كثرت المنابر، لكن الشاشة الصغيرة ظلت تحتفظ لنفسها بنوع عال من السيادة. كل التحولات المتسارعة، وكل اتساع رقع ودوائر التعبير، لم يمسس سحر الشاشة بشيء. بل صرنا نرى الشباب الذين تشهرهم السوشيال ميديا يصلون إلى الشاشات الصغيرة في نوع من التتويج والمباركة والشرعية.

اقرأ/ي أيضًا: "اليوم السابع" .. غباء اللقاء الأول مع الأوسكار

كنا نراهم يتحدثون ويضعون عليها أفكارهم وارتباكهم وبكاءهم، وتخلفهم أيضًا. لكن رغم ذلك لم يصل الصوت، أو بالأحرى، لم يؤثر. تبددت الأصوات التي ملأت الشاشات رغم ادعائها أنها جوقات من التوافق الهارموني بين كل الاختلافات. تبددت الأصوات على الشاشات كما تبددت من قبل على صفحات فيسبوك وتويتر وشقائقهما.

حافظ الإعلام التقليدي على سيادته الكاملة بطريقة لا يتحلى بها إلا الدكتاتور المتمرس. ظل يبرمج قواه السياسية والاقتصادية لتؤدي الخضوع الذي يستحقه. ظل الملك على العرش، وظلت الرعية تواصل عهد الولاء بالعماء الذي يحتاجه الأمر.

إذن، سوف يواصل الشباب ظهورهم على الشاشات ليتحدثوا عن الحرية كنادمين على ارتكابها. وسوف يتحدث دعاة دولة الله على الأرض بلغة رسولية كنا نظنّ أنها اختفت من الفضاء العام. الأمر نفسه سوف يحدث على شاشات الغرب حيث سيعتليها من سوف يشعرون، ربما دون طلب من أحد، أنهم مطالبون بنفي صفات التوحش والتخلف والهمجية عن أنفسهم، كما لو في قاعة محكمة. هذا هو الأمر؛ أدوات سيطرة راسخة، لا تزال قادرة على نقل الصورة التي تريدها السلطات التي تدين لها هذه المحطات، مهما ظن الناس أنهم قادرون على إيصال صوت مغاير، وهذا أضعف الإيمان. لكن ماذا يفعل صوت مختلف في عالم شرب أهله من نهر الجنون؟

يمكن أن نضيف إلى قائمة الدكتاتوريات العربية التقليدية الراسخة، السياسية والدينية والأبوية، دكتاتورية الإعلام أيضًا

يمكن أن نضيف إلى قائمة الدكتاتوريات العربية التقليدية الراسخة، السياسية والدينية والأبوية، دكتاتورية الإعلام أيضًا، وعليه لن يسعنا إلا أن نقول: لا تزال الأصوات، كما كانت، خرساء. صحيح أنها تظهر أمام الملايين، ويمكنها أن تعلن أمامهم أنها تفكر وتحلّل وتناقش، وأنها صلبة وقوية وتتحدى بشجاعة نادرة، لكن للتلفزة قوة خبيثة تجعل تلك الأصوات تظهر كمجرد نماذج لأفكار ضالة، غير مستحبة، مستهجنة وغريبة وناشزة، في الوقت الذي يظن أصحاب هذه الأصوات أنهم حاولوا قول ما لم يقل من قبل.

اقرأ/ي أيضًا: شوكولاتة القهر.. المعذبون على درب الكاكاو

سوف يستمر الخرس إلى الأبد، لأن طبيعة التلفزة تنافي طبيعة التفكير، ولأنّ البرامج التي تضع رأيين قبالة بعضهما البعض تؤكّد، بطريقة غير مباشرة، أن صاحب الحق هو من يمتلك مقدارًا أكبر من الهمجية، كن همجيًا لنسمعك، وحين تكون تخسر صوتك ونفسك. الأخبار التي تصل من كل حدب وصوب، ستؤدي طريقة عرضها ألف مهمة ومهمة تختلف باختلاف إيديولوجيا المنبر. الشيء نفسه يقال بالحق الباطل، في وقت تضيع فيه تعريفات الحق والباطل. لا تنجو من تلك الفخاخ إلا البرامج الحوارية، لكن هذه البرامج لا تدعو شبابًا إليها، أو لا تدعو آراء شابة -على اعتبار أن هناك شيوخًا وشيبًا لهم أفكار بنضارة الشباب- بل هي تقوم أساسًا على الوجوه والشخصيات والآراء التقليدية.

ما الذي يمكن قوله بعد سوى أن الخرس مصير حتمي في هذه البلاد؟!

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا يوثق نظام الأسد بالكاميرات الروسية دمار حمص؟

مصر.. أبرز فضائح إعلام السيسي