17-ديسمبر-2015

كانوا يطالبون بمحاسبته سنة 2011، اليوم دعوات إلى عودته وحكم رجاله(فراد دوفور/أ.ف.ب)

في مصر "الفلول"، وفي سوريا "الشبيحة"، وفي ليبيا "الطحالب"، أما في تونس يُسمّون "الأزلام"، تتعدّد التسميات والمقصود طائفة واحدة، هي طائفة من أرذل خلق الله، والرذيل في لسان العرب هو دون الخسيس، ولكن في ذلك يُستلزم التفصيل لتجاوز أي لبس.

أهمّ صفة لـ"لزلم" هو أنه مؤيد للسلطة دائمًا، إن لم تكن السلطة السياسية، فسلطة المال ومن يدفع أكثر

من المهمّ في البداية التأكيد أنّه لا يُمكن نعت المواطن الذي صوّت في انتخابات ما لمرشّح من النظام القديم بأنه "زلم" لأنه وصف مخصوص لأولئك الذين كانوا في دائرة المنفعة المادية وممارسة النفوذ تحت غطاء النظام المستبدّ وحمايته. وبالتالي، يجب التمييز بين من كان في دائرة الانتفاع في ظل النظام القديم ومن كان خارجه. وعليه، فالأزلام تشمل عمليًا في تونس قيادات حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحلّ، سواء كانوا قيادات عليا أو وسطى أو قاعدية، في مختلف الشبكات والهياكل سواء داخل أجهزة الدولة أو خارجها، إضافة لأعضاء الحزب وتحديدًا الذين واصلوا دفاعهم عن نظام الاستبداد وتبرير جرائمه بعد الثورة.

أهمّ صفة لـ"لزلم" هو أنه مؤيد للسلطة دائمًا، إن لم تكن السلطة السياسية، فسلطة المال ومن يدفع أكثر. آخر صورة تُستذكر لأزلام بن علي هي صورة الذين خرجوا للشوارع ليلة الرابع عشر من يناير/كانون الثاني ابتهاجًا حينها بالخطاب الأخير لمعبودهم، وهم أنفسهم الذين استكانوا إثر هروبه لمدّة قبل أن يعودوا للنشاط، مرة في الخفاء وأخرى في العلن بحسب الحال.

على عكس مصر أين ظهرت مجموعات "إحنا آسفين يا ريّس" بسرعة وكانت تنشط بشكل ملحوظ، وكذلك عكس ليبيا أين كانت المجموعات المؤيدة للقذافي لا تخفي ذلك خاصة في مناطق الثقل القبلي للنظام السابق، فإن أزلام تونس بالكاد تجاهروا بدعمهم لبن علي بعد سقوط نظامه عدا بعض "الخرجات" المحتشمة. ولا يُذكر في تونس وحتى الآن وجود تحرك ميداني مؤيد لبن علي سواء في جلسات محاكمته غيابيًا أو غير ذلك حيث لا توجد إلا صفحة فيسبوكية معروفة باسم "اشتقنا لك ولأمنك يا سيادة الرئيس".

ولكن مؤخرًا بعد فوز حزب نداء تونس، الواجهة الحزبية لنظام بن علي والتي ساهمت آلة حزب التجمع المنحلّ في تحقيقه، بدؤوا بالخروج من "الجحور" وهناك من يُطالب بعودة الهارب بن علي إلى تونس. وقد أخذت المسألة رواجًا إعلاميًا مع أحد "الأزلام" ويُدعى منذر قفراش حينما نشر صورة له أمام مبنى حزب التجمع المنحلّ يوم السابع من نوفمبر/تشرين الثاني الذي يوافق ذكرى انقلاب بن علي على الرئيس الأسبق بورقيبة.

بعد فوز حزب نداء تونس، تعددت دعوات بعض "الأزلام" إلى عودة الهارب بن علي إلى تونس

يتحدث عادة "الأزلام" في تونس عن الاستقرار و"الأمن الدائم" في عهد بن علي مقارنة بانتشار الإرهاب في فترة ما بعد إسقاط النظام، ولكن ما يعلموه ولكن يتجاوزونه أن ما حصل بعد الثورة هو انفجار أرضية عقود من غلق المجال العام والتهميش والإقصاء والتفقير الديني وغير ذلك. وتجارب الدول العربية في مكافحة الإرهاب شاهدة على ذلك وهو أن الاستبداد هو الحاضنة الطبيعية لترعرع الفكر المتطرف وانتشار الإرهاب. فالخيار الأمني لم يكن إلا خيارًا ترقيعيًا يواجه الواجهة ولا يعالج جذورها. ولعلّ الحاصل اليوم يؤكد أكاذيب أزلام بن علي وليس العكس.

أما عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتحديدًا ما يتعلق بتدهور المقدرة الشرائية للمواطن، فما يتجاوزه الأزلام أن الوضع الحالي هو النتيجة الطبيعية لعقود الفساد خاصة في ظل نظام بن علي الذي يتميز بحجم فساد ضخم جدًا، وهو ما تؤكده التقارير الدولية المالية والأرقام الرسمية لثروة حاشية بن علي المهرّبة في الخارج.

عمومًا الردّ على مغالطات أزلام بن علي هو من قبيل الردّ على من يرى أن لون الفحم أبيض. في المقابل، هناك من يعتبر أنه مادامت عبارة الأزلام تنتمي إلى قاموس الثورة أو دائرتها، فيجب تجاوزها بما أن الزمن تجاوز قاموس مصطلحات الثورة من قبيل أهداف الثورة والمحاسبة وغير ذلك. وحقيقة لا يمكن طيّ الصفحة بعد.

من المهمّ التأكيد أن مشكلتنا مع الأزلام أو الفلول ليست أبدية، لأننا بالنهاية نشترك في وطن واحد، بل تجاوزها مشروط بإحقاق الحق ما يعني كشف الحقيقة، ومحاسبة المذنبين واعتذارهم، وجبر الضرر للضحايا لتحقيق مصالحة حقيقية غير مزيّفة تتجاوز الأحقاد. ودون ذلك، ستبقى الأحقاد جيلًا بعد جيل، وسيبقى الجرح دون دواء، وستبقى القطيعة، وستغلب روح الانتقام والثأر.

إن الأزلام يعبدون الأشخاص ولا ينتهجون سياسات، ولذلك يغلب على حديثهم الشخصي لا الموضوعي، ببساطة لأنهم ليسوا فقط غير قادرين على الدفاع عن سياسة ما بل لا يفقهون قولًا وممارسة إلا اتباع الأشخاص واقتفاء أثرهم. وتلك هي ميزة الأنظمة الاستبدادية التي تقوم على شخص المستبدّ وحاشيته.

في جانب آخر، الأزلام هم أصالة أصحاب انتهاكات، أيًا كان صنف هذه الانتهاكات وشكلها، ولكنهم أحيانًا يبدون كضحايا، وتحديدًا أولئك الذين أرغمهم ضيق الموجود أن يكونوا ضمن آلة الاستبداد والفساد، الذي ربّما لو لم تضق بيهم الحال لما اختاروا سكة الخيانة المفروضة. قد يبدو هذا الكلام تبريرًا لخيارهم، ولكن الصورة على غير ذلك ومعناها أن الضحية قد تختار الانتقام في لحظة ما من وضعها بالانحياز للجاني. ولذلك أشفق عليهم بصدق أحيانًا.

بالنهاية يبقى أرذل الأزلام في مجتمع العباد هم الذين تولّوا أعلى المناصب في دولة الاستبداد. وفي الذكرى الخامسة لاندلاع الثّورة، يُقال لجميع الأزلام تبقى الثورة حيّة في قلوب الأحرار ويبقى العبيد أذلاء، فما بين الحرّ والعبد، عنوان كرامة لا يعرفه أصحاب الذلّ والخساسة.

اقرأ/ي أيضًا:

تونس..محاميان أمام القضاء العسكري في ذكرى الثورة!

هل الربيع العربي من جلب الخراب؟